روائع قرآنية
بقلم/ د. طالب محمود ياسين الخفاجي
نشر منذ: 5 سنوات و 5 أشهر و 17 يوماً
الخميس 30 مايو 2013 01:15 ص

كلية التربية - عدن
من النعم التي لا يدركها الا الفطناء هو النظر الى ملكوت السموات الارض، والتبصر في خلقه والتفكر في صنعه، والتدبر في امره، ويشير العالم اينشتاين إلى ذلك بقوله:" من ينظر إلى الكون يعلم ان المبدع حكيم لا يلعب في النرد".
 إنه كتاب الله يتجلى في عصر العلم، يشرح الصدور في قراءة الجمال المفتوح في خلق وأمثلة ذي الجلال والاكرام.. ومن روائع آيات القران الكريم سأذكر بشيء يمثله الله سبحانه من خلقه لخلقه ، ليقرب به عبر حواسنا، ومن طعامنا ليرسم لنا صورة ذهنية ملموسة في صفحات من اخبار نواة التمر{وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ }.. ما يدلك على حكمة وعظمة الله الذي يلفت نظر الناس من خلال نواة هذه الثمرة ليضرب بها الامثال بدقة متناهية خارقة { وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } ، فأفرد من نواة صغيرة بسيطة يرمي بها الناس الى الارض بعد تناول ثمرتها، وكل كلمة تحمل معنى غير معنى الأخرى، ومثلا يناسب سلوكا غير الاخر، وامرا غير الآخر، وكل آية كريمة تشير إلى شيء غير الآخر بمعناها في الذكر الحكيم، انها ثلاث كلمات قد نمر عليها ونحن نقرأ القران الكريم مرور الكرام دون أن يعي بعضنا ما تحمله هذه الكلمات من امثال ومعان عظيمة  " فتيل، نقير، قطمير" .. فماذا تحمل كلمات الخالق العظيم في نواة التمرة من معان تحديدا، وثق تماماً أنك لن تتأثر بالقرآن ولن يلامسَ قلبكَ المعنى الجميل إلا بمعرفة مفرداته الجميلة..
 فلنقرأ سوية معانيها: " قِطْمِيرٍ " ذكرت كلمة قطمير مرة واحدة في القرآن الكريم في سورة فاطر الآية "13" بقوله تعالى{يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ}. 
 والقطمير: غشاء رقيق يبطن داخل التمرة ليلتف على نواها فيغلفها، من منا فكر أو التفت إلى هذا الغشاء وهو يتناول التمر، وربما لم ينتبه البعض الى هذا الغشاء الرقيق اطلاقا، سبحانك ربنا وانت تضرب للذين يدعون الاصنام من دونك، انهم لا يملكون شيئا بمقدار غشاء نواة تمرة صغير ورقيقة، و كثيرة هي الآيات الكريمة التي تناولت ذات الذين يدعون من دون الله، لكن جاءت هذه الآية برمزية عالية في التمثيل لخلق نراه ونلمسه انه خلق عظيم مذهل ومعجز حقا.
 صورة توضح القطمير الغلاف الشفاف.
- نقير: وردت كلمة نقير في القران الكريم مرتين في سورة النساء بآيتين كريمتين " 53، 124"، يقول الله عز وجل في الآية الاولى {أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لاَّ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً }: نعم لو كان للبخلاء نصيب من الملك, فإنهم لا يؤتون الناس بشيء بقدر "نقرة في ظهر نواة تمرة" وهو " النقير" بسبب شدة وفرط بخلهم, وهذه النقرة لا تخطر على بال احد، ولا تثير حتى انتباه احد، ولكن خالقها كرمها بوصفه رغم صغرها، فأي تشبيه جميل، واي تمثيل راق، واي تصوير يعبر به الله الخالق بموازنة يشكل بها فهماً واضحاً مبسطاً تدركه العقول بسهولة بمفهوم ملموس رغم صغره.
وفي الثانية يقول الله عز وجل:{ وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً}.. سبحانك ربي وانت بيدك ميزان العدل والانصاف، تنصف الذكر، وتنصف الانثى على حد سواء لا ظلم ولا مظلوم ولا مظلومية ولو بمقدار "نقرة نواة تمرة" فيدخل الجنة بمقدار عمله الصالح "ولا يظلمون نقيرا " ويعد هذا أصغر مثل ضربه الله سبحانه في القرآن وهو نقطة صغيرة تجدها على ظهر النواة في الجهة المقابلة للشق، كما يتضح في الصورة أدناه.
 صورة توضح نقطة صغيرة هي النقير:
فتيل: ذكرت كلمة فتيل ثلاث مرات في القران الكريم في ثلاث آيات بينات، وتأتي كلمة فتيل في كل اية لتعطي امرا غير الاخر، ففي الآية 49 من سورة النساء يقول الله عز وجل: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً } يوجه الله عز وجل في هذه الآية الكريمة إلى الذين يزكون أنفسهم من اليهود الذين ادعوا انهم أبناء الله وأحباؤه، متناسين أن الله سبحانه هو من يزكي الانفس، وهو يطهر من يشاء بالإيمان ولا يظلم احدا، ولا ينقص من أعمال احد بقدر (الفتيل) وهي " قشرة النواة الصغيرة " كم تزن هذه الفتيلة؟ أي تشبيه عظيم هذا الذي انتخبه الله سبحانه من جسد تلك النواة الصغيرة التي قد لا نعير لها اهتماما، لاحظ التقريب الحسي في التشبيه الهي كم دقيق وجميل.
وفي الآية الثانية من سورة النساء " 77 " يقول الله عز وجل {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً }.. لاحظ كيف يوجه الله لومه هذه المرة الى جماعة من الصحابة ممن كُتب عليهم القتال فإذا فريق منهم يخافون الكفار جزعا من الموت، (وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قلِيلٌ) فيرد عليهم ان الدنيا آيلة إلى الفناء (والآخرة) أي الجنة (خير لمن اتقى)، فعقاب الله كبير لمن يعصيه، ولا يُظلم من يترك معصيته، ولا ينقص من أعمالكم "فتيلا" بقدر قشرة النواة، فيدعوهم الى الجهاد لإعلاء كلمة الحق وحفظ الكرامة وازهاق الباطل.
بينما يشير إلى تمثيل الفتيل بقوله عز وجل في الآية 71 من سورة الأسراء {يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَـئِكَ يَقْرَؤُونَ كِتَابَهُمْ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً } يوجه الله الكريم خطابه إلى السعداء أُولو البصائر في الدنيا من أوتي كتابه بيمينه "صحائف أعمالهم" في الدنيا (فَأُوْلَـئِكَ يَقْرَؤُونَ كِتَابَهُمْ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً } فهؤلاء لا ينقص من أعمالهم بقد ر(فتيل) أي بقدر قشرة النواة .. انه ميزان العدل الالاهي الذي لا يسهو ولا يظلم احد.

صورة توضح الفتيل قشرة النواة
انه خطاب الله التربوي يثري به عقولا بأمثلة حية ملموسة من جسد نواة تمرة لا قيمتها لها في حسابات الناس ، ولكن العزيز العليم كرمها وضرب منها امثلة لموضوعات مختلفة تذهل العقول وتصف تزكية النفوس ، وتنبذ الشرك، وتعظم العمل الصالح، وتحث على الجهاد، ويختمها بالسعداء من الذين يؤتون كتابهم بيمينهم فرحين مستبشرين بخاتمة اعمالهم الصالحة.. فلينظر اولي الفكر المنحرف ممن في قلوبهم مرض على امة المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم، دعوة لهم ان يعوا حقيقة الاسلام الدين القيم ، عودوا الى رشدكم وتداركوا امركم، وسارعوا الى توبة نصوح تنجيكم شر يوما عبوسا قمطريرا {إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً }الإنسان10، وتداركوا امركم وحكموا عقولكم وعودوا الى الله يقبل منكم ويعفوا عنكم {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ }، فربكم لا يظلم احد قط ولو بقدر " قطمير، نقير، فتيل "{وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ }الزخرف76.