ثورة 11 فبراير.. ألقُ الجمهورية الدائم
بقلم/ عبد الخالق عطشان
نشر منذ: 4 أشهر و 7 أيام
الإثنين 11 فبراير-شباط 2019 02:31 ص


تظل الأيام الوطنية في وجدان الشعب اليمني حيةً لا تموت لأنها أيام لم تحفرها في ذاكرة التاريخ الصدفة و لم تكن حالة أممية عابرة ولا ترفاً نخبوياً أو بذخاً حركياً وإنما قيامة أمة من البحر إلى البحر وثورات انبثقت من الضمير الإنساني المفطور على الحرية والمجبول على الكرامة.
ثورة 11 فبراير في ذكراها الثامنة مازال مِشعلها متقداً لم ولن يخبو لإن لهبها لم يكن إلا نورا وضياءً حمل هذا المشعل ثلة من شباب الجمهورية اليمنية الذين انطلقوا من أبرز صرح علمي ثقافي وهو جامعة صنعاء ليكونوا النواة الأولى لرواد التغيير والتحرير في اليمن المعاصر.
لماذا ثورة 11 فبراير؟
لم تكن ثورة 11 فبراير 2011 منفصلة عن ثورتها الأم 26سبتمبر وثورة14 أكتوبر وإنما كانت امتداداً طبيعياً وثورياً تنسجم معهما وتشاركهما في أهدافهما، بل كانت ثورة الـ26 من سبتمبر هي ملهمة كل ثورة ومرجع أي تغيير وتحرير، لقد بلغ استبداد حكم الفرد مبلغه حين أراد التوريث والعودة باليمن إلى حكم الإمامة الفردي الملكي، لكن بثوب جمهوري.. وصنع هذا الفرد المستبد جيشا خاصاً له ليس جيشاً ولاؤه للوطن والذي من أجله قامت ثورة الـ26من سبتمبر والتي كان أيضا من أهدافها بناء جيش وطني قوي لحماية البلاد وحراسة الثورة ومكتسباتها، وإنشاء مجتمع ديمقراطي تعاوني عادل، غير أن الديمقراطية كانت في نزعها الأخير في عهد حكم الفرد المستبد ونظامه العائلي والذي أزاح الديمقراطية ونحى نحو الديكتاتورية حينما أعلن رموز حكمه بأنهم انتقلوا من تصفير العداد إلى قلعه.

أمام كل هذه الخطايا السياسية لم يجد شباب الجمهورية ومعهم بقية أبناء الشعب بداً من إعادة الأمور إلى مجراها الطبيعي وهو التمسك بالنظام الجمهوري الديمقراطي العادل والذي يضمن حق التداول السلمي للسلطة وتسخير طاقة الدولة البشرية والمادية لخدمة الأمة لا أن تكون في خدمة الحاكم لدوام استبداده، فكانت ثورة الـ 11من فبراير طريق الأحرار لإعادة الأمور إلى نصابها.
أركان الثورة ومقوماتها:
شباب الجمهورية اليمنية هم الركن الأول للثورة ومحركها الرئيسي وبدمائهم تحركت عجلة التغيير وتحركت جموع أبناء الشعب اليمني في ربوع اليمن السعيد والتحقت بهم الأحزاب اليمنية والنخب السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية والقبلية وانصهر الجميع في بوتقة واحدة هي بوتقة الوطن والمصلحة العليا للشعب وتشكلت ساحات الحرية والتغيير والتحرير والكرامة في معظم محافظات الجمهورية وأصبحت ساحة التغيير في صنعاء مقر القيادة الثورية التي تتشارك القرار مع بقية ساحات الثورة في تناغم وطني وانسجام ثوري قَلّ أن تجد له نظيراً في أي من الثورات التحررية.. غاية ثورة11 فبراير كانت نبيلة وأهدافها كانت سامية ومقاصدها عظيمة فكانت تلك أبرز مقوماتها.
وسائل الثورة:
الصدور العارية هو العنوان الأبرز لسلمية الثورة وساحات الثورة، فلم تكن تجمعاً لقطيع من المليشيا ولا للجماعات الغوغائية والفوضوية ولم تكن حاضنة ( للبلاطجة)، مسيرات الثوار كانت تعبيراً حياً عن رفض الاستبداد والتوريث والمطالبة بمحاكمة المفسدين ورحيلهم كأكبر مطلب جماهيري، خيام الثوار لم تكن أوكاراً للتخطيط للاغتيالات ولا للانقلابات ولا لصنع المتفجرات وإثارة الفوضى والقيام بأعمال التخريب وإنما كانت خياماً للتأكيد على الحفاظ على مقومات الدولة ومؤسساتها وحمايتها والتحذير من المساس بها، فعاليات الثوار كانت في مجملها فعاليات سياسية وثقافية وندوات توعوية للحفاظ على السلمية والتأكيد عليها، إعلام الثورة كان إعلاماً نوعيا متنوعاً وإبداعياً مقصده الصدع والجهر بمظالم الحاكم المستبد وبأن طريق التغيير لابد أن يكون بالتداول السلمي للسلطة ولفت أنظار المجتمع الدولي إلى سلمية الثورة وسمو مطلبها.
لا تسلم أي ثورة شعبية من امتعاض واعتراض وتحديات ومواجهات ولقد تعرضت ثوار11فبراير لأقبح أنواع الإجرام من قبل النظام العائلي المتحكم طيلة 33عاما، فكان قتل الثوار وهم في صلاتهم في جمعة الكرامة إحدى أهم الجرائم البشعة للنظام السابق والتي شكلت انعطافاً تاريخياً في مسار الثورة كان له ما بعده، مجزرة كنتاكي والملعب ورئاسة الوزراء مازالت حاضرة في ذهن كل ثائر، في ميدان التحرير حاول النظام السابق أن يستجمع عناصر إجرامه والذين كانوا يخرجون منه لمواجهة ثوار 11 فبراير في كل طريق بالحديد والنار وفي ميدان السبعين، كان النظام السابق أيضاً يلملم أشتاته ويستقدم المتظاهرين بالترغيب حيناً والترهيب حيناً آخر وبالدفع العاجل من أموال الدولة، منفقاً المليارات على فعاليات تجذيره فوق كرسي الحكم وتشويهه وقذفه لثوار 11فبراير ورميهم بأقبح أنواع التهم ونعتهم بأخبث الأوصاف في حين كانت وسائل إعلامه تستجمع قطيعاً من علماء السوء والمتثاقفين والنطيحة والمتردية للولوغ في بحر الثورة الهائج ومحاولة تنجيسه وما علموا أن البحر لا ينجسه شيء.
مفاجآت الثورة:
بقدر ما كانت المحن والبلايا والرزايا والمصائب والتحديات تحيط بثوار11 فبراير الذين كانوا يقفون أمامها كالجبال الراسية فبُعيد جمعة الكرامة حدث أكبر شرخ في حزب النظام السابق بل وفي عائلته فتنضم قيادات عسكرية كبيرة للثورة وتتعهد بحمايتها دون التدخل بمسارها، فكان الفريق/ علي محسن الاحمر ومٍن على مكتبه في مقر الفرقة الأولى مدرع- حامية الثورة- يصدح بانضمامه إلى ثورة 11فبراير، متعهدا بحمايتها لتتوالى بعد قراره الحكيم الاستقالات الفردية والجماعية (قيادات مناطق عسكريه ووزراء ومدراء وأعضاء مجلس نواب بل وقرابات عائلية لرأس النظام السابق وغيرهم)، في حين كانت بعض الجماعات السلفية تستميت للخنوع للحاكم الظالم وتُؤصل لذلك وتحرّم الخروج عليه وتأبى جماعات سلفية هذا الخنوع وتتحرر من هذا الرأي الانهزامي وتنظر بعمق للإحداث الثورية ومسبباتها فتأبى إلا أن تأخذ بفقه الواقع وعلى بصيرة من أمرها، مستندة على منهج قويم ورأي سديد، فتشارك في ثورة الشباب السلمية وتعطي الثورة نكهة ثورية خاصة.
المرأة اليمنية كانت الجوهرة السوداء المشرقة في ساحات ثورة 11فبراير بل كان احتشادها ومشاركاتها في كل فعاليات الثورة منظراً خطف أنظار العالم ليعيد نظرته في وضع المرأة اليمنية والتي كانوا يرون أن الدين والعادات والتقاليد تكبل حريتها وتخنق حقوقها، غير أن العالم أدرك- وعبر ثورة11فبراير- أن المرأة مُكرمة في الدين والعادات والتقاليد وأضحت شريكاً فاعلاً في صنع القرار وبناء الأوطان وصاحبة تضحيات جسيمة، لم تكن المرأة اليمنية وحدها من أضفت على ثورة فبراير ألقاً جمهورياً وإنما كانت القبيلة اليمنية أيضا صاحبة حضور طاغ ولافت إذ أنها مثلت بحضورها في ساحات الثورة أنموذجاً لاحترام النظام والقانون والخضوع للوائح وأنظمة ثورة11فبراير فوضع أفرادها 60مليون قطعة سلاح في بيوتهم وخرجوا إلى ساحات الثورة ليشاركوا شبابها بسلمية هي أقوى من رصاص النظام الفاسد.
شبهات حول ثورة 11فبراير.
لم يسلم أنبياء الله من التهم والتخرصات، فهل سيسلم من هم دونهم وأقل شأنا منهم، فثوار 11فبراير نالهم من الأذى وافتراء الأكاذيب والشبهات مالم ينله أحد من الثائرين في التاريخ المعاصر.
(الجثث الجاهزة) عبارة كان يلوكها حرباء المصالح والناطق زوراً باسم النظام العائلي/ عبده الجندي، مع كل مجزرة يقوم بها الحرس العائلي والبلاطجة اللئام في حق ثوار 11فبراير ولم يسلم من قول هذا البهتان خطباء المصالح على المنابر والذين حولوا المساجد إلى أماكن للتشهير والإفك والاتهامات الباطلة لثوار 11فبراير وكلنا يتذكر اتهام أن الثوار قطعوا (لسان صاحب يريم) والذي ظهر بعد ذلك بلسانه يلعن الكاذبين بل إن رأس النظام العائلي كان يلقي اتهاماته وشبهاته من منصة السبعين على حرائر الثورة وأحرارها ومازلنا نتذكر كلمته الشهيرة (إنهم يدسعون الشيوبة) وظهر بعد ذلك (الشيبة) ينفي اتهامات زعيم الكذب والبهتان.
سرقة ثورة 11فبراير:
المهزومون والمأزومون ومن فاتهم شرف الالتحاق بالثورة أو ممن التحقوا بها وعجزوا عن التصدر في الوفاء معها والتضحيات لأجلها هم ممن يلوكون هذه التهمة ويدندنون حولها حينما يرون أن مصالحهم الضيقة وحساباتهم الشخصية ليس لها مكان في تقويم الثورة ولاهم في العير ولافي النفير.
ثورة 11فبراير والحوثيين:
في كل ذكرى لثورة11فبراير يخرج البعض متهماً ثورة فبراير، بأنها احتضنت الحوثيين في ساحاتها وكانت منطلقاً للتحرك لتحقيق أهدافهم الانقلابية والإمامية، متجاهلين ومتغابين بأن الحركة الحوثية ليست عُشبة ترعرعت من مياه وضوء شباب الثورة في ساحة التغيير وإنما شجرة حنظل ترعرعت في عهد النظام العائلي ومن مياه اللجنة الدائمة واللجنة العامة والبنك المركزي وكاك بنك ولم تكن إلا قِطة منزوعة المخالب والأنياب مقطوعة الذنب منتوفة الشارب تطوف بين خيام الثوار في ساحة التغيير، بينما كانت قبل ثورة 11فبراير وأثنائها وبعدها حَيةً تنمو أنيابها ويتجمع سمها وتبدل جلدها في دهاليز دار الرئاسة والقصر الجمهوري وفلل حدة وطيرماناتها.
ثورة لتصحيح المسار لا تعرف الانتقام:
لم يُسجل على ثوار فبراير أنهم ارتكبوا جرماً أو نهبوا داراً أو روعوا آمناً أو اقتحموا مؤسسة عامة أو خاصة بل كانوا ثوارا أمناء يحملون أرقى المبادئ والقيم ويحملون أسمى الأهداف وأروع الوسائل وستظل ثورة الـ11 فبراير راية من رايات الجمهورية ومعلماً من معالمها مهما شابها من أخطاء وتعرضت للنقد.