منطق بناء الأوطان
بقلم/ أحمد ناصر حميدان
نشر منذ: 4 أشهر و 3 أيام
الأربعاء 07 أغسطس-آب 2019 07:53 ص

ليس مثالية، إنه الواقع الذي يراه الآخرون مجرد حلم صعب المنال، لأننا منغمسون في نعراتنا ونزعاتنا، وصار العام لا يهمنا.. أحدثكم من قلب موجوع، وروح مجروحة، وعمر يصارع المرض ينتظر الحق الإلهي.. اليوم بينكم وغدا عند أرحم الراحمين، وكلنا محاسبون عن كل كلمة وكل موقف وكل اختيار، والوطن من بين أيدينا ينهار، وطن الأصالة والحضارة، تطاول عليه الصغار بل والأنذال، فهل تسمعونني و تقولون عني ما تقولون.. هذه رسالتي وكلٌ له اختياراته.
لا تحدثني بمنطق الثأر, حدثني بمنطق الحق، فأنا من دعاة الاحتكام للنظام والقانون ومؤسساته لأخذ الحق.
لا تضعني في مقارنة بمنظومة الماضي الفاسدة والمستبدة، أبرأ بنفسي من مثل هكذا مقارنة، ثروتي هي قيمي ومبادئي، لا أقبل أن أتخلى عنها، وأنحط لأكون نسخة من ذلك العفن.
لا أتطلع لولاية المتغلب بالعنف، وأحكم كمنتصر جماعات منهزمة، وأزيدها هزيمة نفسية لأحكم قطعاناً يخضعون لأوامري..
لا تحدثني بمنطق هزيمة الماضي، فقد استوعبت درسها وعبرها، وتخلصت من مؤثراتها التي كانت جاثمة عليّ، وتجاوزت دور الضحية والسلبية نحو الإيجابية، تغيرت ذاتياً لأكون قادراً على تغيير واقعي، وشطبت الهزيمة من قاموسي.
المعاناة راكمت من الوعي لدي وعززت روح التفاؤل، وتحررت من اليأس.
وعي زودني بقناعات أن أتقبل الآخر المختلف والتعايش مع كل الأطياف.. أطمح لوطن منتصر للحق يستوعب الجميع بكل أفكارهم وتوجهاتهم.. تحكمنا أنظمة وقوانين، قررت نهائياً أن أترك الماضي وانطلق نحو المستقبل.
لا أحتاج لعصبيتي بعد الآن، ولن أتفاخر بعرقي ومنطقتي وقبيلتي.. يكفيني فخراً بإنسانيتي ووطنيتي التي تتجاوز حدود الجغرافيا والايدلوجيا.. أمقت الحشد والحشد المضاد، ورفع صور أصنام وبعبع التخويف والنكاية والشيطنة.
تطلعاتي بدولة النظام والقانون ودستور يحمي كل حقوقي ويفرض عليّ واجبات وينظم إيقاع العلاقات والحياة، ولن أضع نفسي بعد الآن حاكماً وقاضياً، أحاكم نوايا الآخرين وضمائرهم، ولا أريد منهم أن يكونوا مثلي ولا أن يتبعونني، فالأجمل لي ولهم أن نكون مختلفين متنوعين، لنشكل ألوان الطيف الجميل للأفكار والتوجهات، ونتنافس دون عنف وعنف مضاد.. مستعد أن أكون أول المتنازلين لتحقيق ذلك، مراهناً على إحراجهم ليقبلوا بفكرة التعايش، لنرتقي معا لمصاف العصر، فهل تستطيع أن تكون مثلي، تفضل معاً لنبني وطناً.
تلك القناعات تحتاج لوعي، وعي يرقيك لمستوى الاعتراف بالحقيقة، وتتخلص من غرورك وشطحاتك.. الحقيقة أنك كنت جزءا من المشكلة، وهم الجزء الآخر.. عليك أن تقيم ذاتك قبل أن تنتقد غيرك.. عليك أن تنقذ عقلك الغارق في العصبية والثأر والانتقام والماضي العفن، لتخلص من تلك الأوجاع والمآسي، ويتخلص الوطن منك كمشكلة تنتج مزيداً من المشكلات، لتكون حلاً ناجعاً ومصدراً للحلول.
ولن تكون حلاً ما لم تكن منطقياً وعقلانياً، وتقتنع أن حرب 94م ما كان لها أن تكون لولا 86م وما قبلها، و ما كانت أن تٌهزم لولا أنك راكمت لك أعداء من الجنوب والشمال، لولا أن خصومك وضحايا انتهاكاتك كانوا كٌثر و ذهبوا ليتحالفوا مع الطرف الآخر، لولا عجزك في ترميم شروخ النسيج الاجتماعي والتصدعات الوطنية، واستعادة تماسك لحمة الجنوب ولم شمله.
وعندما تصل لنتيجة أن تطرفك الأيدلوجي هو من صنع تطرفاً مقابلاً لك، وأن إرهابك أوجد إرهاباً مقابلاً، وأن عنفك أوجد عنفاً مضاداَ، وأنك مسئول أولاً قبل غيرك في إصلاح كل هذا الخلل، بعيداً عن تحميل الآخر المسئولية، وتزوير الحقائق وتهويل الوقائع لصالحك، متجاوزاً حملات الكذب والخداع.
بعد ذلك سنكون معاً قادرين على أن نبني وطناً محترماً بقدر احترامنا لبعض، فهيا بنا لنكون أمة محترمة لتنهض لمصاف العصر.
لأن الأوطان تبنى بالتعايش وتوافق كل أطيافها، دون ذلك من الصعب أن نبدأ بالخطوة الأولى واللبنة الأولى لمسيرة البناء والتنمية، لأنها مسئولية جماعية، تحتاج لكل جهد ويد ترفع من شأن وطن وأمة.. مكمن الإعاقة في أبنائه، في يد تعمل ويدا أخرى تخرّب عمل اليد الأولى..
والله على ما أقول شهيد.