كفوا ألسنتكم عن الرئيس
بقلم/ أحلام القبيلي
نشر منذ: 8 سنوات و أسبوعين و 3 أيام
الإثنين 29 نوفمبر-تشرين الثاني 2010 03:35 ص

يقول الدكتور مصطفى السباعي : الشكوى من رجال الحكم طبيعة في الأمم, وقلَّ أن تجد في التاريخ حاكماً استطاع أن يرضي الناس جميعاً , ولعل منشأ ذلك : أن أهواء الناس متعددة , ومنافعهم متضاربة وكل منهم يريد تحقيق مصلحته , ومن هنا يقول شاعرنا:
إن نصف الناس أعداء لمن
ولي الحكم هذا إن عدل و قال أحد الصالحين لابنه : "لا تكن يا بني رأساً فإن الرأس كثير الأوجاع".

الرئيس , الرئيس ,الرئيس :
أصبح سب الرئيس واتهامه وشتمه موضة ودليل تدين والتزام، وشعار معارضة، حتى اعتقد البعض اعتقاداً جازماً أن سبه والدخول في نيته قربة من القربات يتعبدون الله تعالى بها ,وثقافة يتباهون بها ,ودفاع عن حقوق الإنسان وديمقراطيته، حتى تمادوا وتجاوزوا في السب والشتم والاتهام كل الحدود والخطوط الحمراء والفوق بنفسجية.
وأنا شخصياً قبل سنوات عده كنت من هؤلاء نتيجة للتعبئة الخاطئة أو لسوء فهم أو قصور في العلم، فكنت أسب وألعن واتهم واشتم كل من تولى أمر من أمور الدولة " سارق, مرتشي , كذاب , محتال ,عميل, علماني , نصاب, ظالم, ولا شغل لي غير تصيد الأخطاء والتشهير " لاعتقادي أن ذلك باب من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونصرة الحق ومحاربة الظلم وكنت أظن أن ولاة الأمر ليس لهم غيبة كما يظن عامة الشعب، فالعامة تسب والسياسي يتهم ويشكك والمثقف يهزأ ويطعن ويلمز والحقوقيون يتهمون ويقذفون , بسبب وبدون سبب وفي كل الأحوال والأوقات والمناسبات حتى أن بعضهم يخوضون في أموره الخاصة والتي لا علاقة لها بالحكم .
ويتجاوز البعض الحدود فيقلد صوته وحركاته أو يرسم صورته بشكل كاريكاتوري من باب السخرية والاستهزاء وهو فعل محرم شرعاً بحق أي إنسان فكيف بولي الأمر.

حتى الجامع:
أثناء بناء جامع الصالح جاءتني أحدهن وقالت:" تعرفي جامع الرئيس قلك ماتوا عمال كثير وهم يبنوه لاذمته"
قلت لها وايش دخله؟
ولو ماتوا ليش هو " دهفهم " هذا أجل ومقدر ومكتوب, ثم هم كانوا يبنوا جامع مش مرقص.
حتى الجامع الذي يعد مفخرة عربية وجامعة إسلامية, بيت الله لم يسلم منهم فالبعض يسميه جامع الحرام وربما حرموا على أنفسهم الصلاة فيه .
واعرف أسرة جاءتها أسرة أخرى تخطب ابنتهم فما أن جلست الأسرتان إلا وبدؤا بسب الرئيس وانقسم المجلس بين مؤيد ومعارض وانفضت الخطبة.
وقالت لي داعية كبيرة في تعز : دُعيت لإلقاء محاضرة في أحد المنازل وبعد أن أنهيت محاضرتي وقد بدا التأثر واضحاً على وجوه الحاضرات قامت أخت وبدأت تشتم و تكيل التهم للرئيس دون مناسبة , فما كان من الحاضرات إلا أن انتفضن عليها وبدا الجدال والنقار والشجار وتحول المجلس إلى فوضى.
يا عباد الله حرام عليكم والله ما يجوز ولم يأمرنا الدين بالسب والشتم واللعن والدخول في النيات كما أمرنا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقول الحق ولكن الشرع بين ووضح لنا السبل والطرق والكيفية.
ثم إليكم هذه الأحاديث والآثار المروية والتي لا أدري لماذا يغيبها البعض ولا يذكرونها من قريب ولا من بعيد , وان كان لها معنى آخر فهل لكم أن توضحوه لنا:
قال صلى الله عليه وسلم " من رأى من أميره شيئاً فليصبر".
وقال أنس بن مالك رضي الله عنه " نهانا كبراؤنا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تسبوا أمراءكم ولا تبغضوهم واتقوا الله واصبروا فان الأمر قريب".
وقال أبو الدرداء رضي الله عنه " إن أول نفاق المرء طعنه على إمامه".
وقال أبو إدريس الخولاني رحمه الله تعالى " ألا إن الطاعنون هم الخائبون وشرار الأشرار".

 

وقال أيضاً " إياكم ولعن الولاة فان لعنهم الحالقة وبغضهم العاقرة , قيل : يا أبا الدرداء فكيف نصنع إذا رأينا منهم ما لا نحب ؟
قال : اصبروا فان الله إذا رأى ذلك منهم حبسهم عنكم بالموت".
وقال معروف الكرخي رحمة الله عليه" من لعن إمامه حُرم عدله".
قال صلى الله عليه وسلم " اسمع وأطع في عسرك ويسرك ومنشطك ومكرهك وأثره عليك وان أكلوا مالك وضربوا ظهرك".
وقال صلى الله عليه وسلم" خمس من فعل واحدة منهن كان ضامناً على الله عز وجل: من دخل على إمامه يريد تعزيره وتوقيره" .
التعزير : التوقير والتعظيم
سيقول البعض هذه الأحاديث لا تنطبق على ولاة أمور هذا الزمان ولكن الرد عليهم جاء على لسان الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم قائلاً: " يكون أمراء تلين لهم الجلود ولا تطمئن إليهم القلوب ثم يكون أمراء تشمئز منهم القلوب وتقشعر منهم الجلود فقال رجل : يا رسول الله أفلا نقاتلهم ؟ قال :" لا , ما أقاموا الصلاة"
عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال : قلنا يا رسول الله لا نسألك عن طاعة من اتقى , ولكن من فعل وفعل فذكر الشر فقال صلى الله عليه وسلم " اتقوا الله واسمعوا وأطيعوا".
واسمع لقول إمام السنة احمد بن حنبل وهو تحت المحنة في سجن الوالي الذي قال بخلق القرآن يلقى أصناف من التعذيب الجسدي :" اجمع سبعون رجلاً من التابعين وأئمة المسلمين وفقهاء الأمصار على أن السنة التي توفى عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبر تحت لواء السلطان على ما كان منه عدل أو جور"

ويقول النووي رحمه الله تعالى " وأما الخروج على ولاة الأمور وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وان كانوا فسقة ظالمين واجمع أهل السنة انه لا ينعزل السلطان بالفسق".
وقال أيضاً" وقال جماهير أهل السنة من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين : لا ينعزل الإمام بالفسق والظلم وتعطيل الحقوق ولا يخلع ولا يجوز الخروج عليه بذلك , بل يجب وعظه وتخويفه للأحاديث الواردة".
 
وأين أفضل الجهاد؟:
فإذا قال قائل وأين حديث : أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر " قلت له تأمل الحديث جيداً قال كلمة حق , ولم يكن الحق يوما هو السب والشتم والانتقاص.
وتأمل في قوله "عند سلطان" ولم يقل في الشوارع والمجالس والسيارات والأزقة , فان استطعت أن تقول كلمة حق يسمعها ولي الأمر فقلها أما الحديث الذي لن يسمعه غيرك ومن كان بجوارك فهو غيبة محرمة ولن تغير شيء وهي نوع من إثارة الفتن والبلبلة والفتنة أشد من القتل ، وإذا أردت التغيير فذلك بيدك دون الحاجة إلى منكرات الأقوال والسب والقذف.
وقد علق الدكتور السباعي على ذلك قائلاً : " إن الشعب هو المسئول , فإذا شكا اليوم وتألم فليظهر غداً إرادته الواضحة في إقصاء من يتألم منهم وإبقاء من رضي عنهم، أما الشكوى في الأندية والأسواق والشوارع ثم السكوت وقت الانتخابات فتلك علامة الموت وتلك خطة الشعب الذي ابتلاه الله بالثرثرة وطول اللسان والتقصير في الأعمال الصالحة في كل ميدان ".
ثم أنى لك أن تنتقد سياسته أو أفعاله وتظهر ما ترى انه قد اخطأ فيه بأسلوب راقي دون اللجوء إلى التجريح, بإمكانك أن تقنع الناس بأهمية التغيير دون أن تدخل في أعراض الناس ونياتهم ، بإمكانك أن تعلمهم عدم الرضا بالواقع الذي يرونه أليما بالطرق السليمة.
 ولعلي أذكرك بقول أحد الأمراء الذي جاءه عالم وشيخ جليل ينتقده بأسلوب جارح وقاس فقال له الأمير : على رسلك, إن الله قد أرسل من هو خير منك إلى من هو شر مني ، أرسل موسى وهارون عليهما السلام وهما خير منك إلى فرعون وهو شر مني فقال له " فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى".
والله من وراء القصد
مع تحياتي أنا أحلام القبيلي
وكيل آدم على ذريته
alkabily@hotmail.c0m