لبيك اللهم لبيك
بقلم/ أحلام القبيلي
نشر منذ: 7 سنوات و شهر و 10 أيام
الأربعاء 02 نوفمبر-تشرين الثاني 2011 04:26 ص

الحج هو العبادة التي لم أتحمس لأدائها ربما، لأنه استقر في ذهني أنها عبادة آخر العمر، وآخر شيء يفكر فيه الشباب، ولكن الله تعالى هيأ الأسباب وكتب لي الحج، كان ذلك عام2005 ولم يكن في قلبي كثير من الفرح للأسباب السابقة ولكثرة ما سمعت عن حوادث الحج المؤسفة وما يلاقيه الحاج من تعب ومشقة وأنه قد يتعرض للموت أثناء الزحام الشديد عند الطواف ورمي الجمرات.
المهم كانت هي المرة الأولى التي أغادر فيها أرض الوطن، وأدخل مطاراً وأركب طائرة وبصراحة كان مطار صنعاء غاية في الروعة، ربما لأنني لم أعرف غيره والحمدلله عرفت تعب المطارات وساعات الانتظار المرهقة والمضنية، دخلنا المطار الـ"3" عصراً وركبنا الطائرة "7" مساءً وبعدها بنصف ساعة تقريباً وصلنا مطار جده الدولي وشعرت وكأني في الأحلام، بعدها شفت مطار صنعاء "يرحم" والفرق كبير، لكن وجه الشبه هو الإجراءات المملة.
رأيت الكعبة:
ودخلت المسجد الحرام ورأيت الكعبة وجلست انتظر الصلاة، وما أعظمها من مشاعر وما أروعه من إحساس وكأني في كوكب آخر، ألوف مؤلفة من البشر، رجالاً ونساء،من جنسيات مختلفة ودول لم أسمع عنها في حياتي يجلسون جوار بعضهم البعض، الهندي بجوار العراقي والمصري مع الصيني واليمني مع الألماني والأكف مرفوعة والأصوات عند الله تعالى مسموعة، تناديه وتناجيه بلغات شتى، موقف رهيب لا تستطيع أمامه إلا أن تقول سبحانك ما أعظمك، سبحانك ما قدرناك حق قدرك، هناك تعرف عظمة الرب سبحانه يسمع الأصوات ويفهم اللغات ويجيب الدعوات ويقضي الحاجات.
في ذلك المقام تشعر بسعادة وطمأنينة غامرة, قلت في نفسي هذه اللذة وهذه السعادة لرؤية بيت الله تعالى وتلك الزفرات والآهات تخرج من صدور وقلوب منكسرة لم توفق لزيارة بيت الله الحرام، فكيف بمن يكرمه تعالى برؤية وجهه الكريم في الجنة وكيف بمن سيحرم ذلك النعيم " اللهم لا تحرمنا لذة النظر إلى وجهك الكريم وارزقنا الشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة".
وسمعت قبل ذهابي للحج أن للعبد دعوة مستجابة عند رؤيته للكعبة أول مرة ونصحتني صديقتي أن أسأل الله تعالى أن يجعلني مستجاب الدعوة وكانت فكرة حلوة، لكني لا أعرف هل هذا القول صحيح أم لا.
 يوم عرفة:

وبدأ الحج يوم الثامن من ذي الحجة، يوم التروية وانتقلنا من الفنادق إلى المخيم ولا أدري لماذا كان مخيم اليمنيين على رأس هضبة لا يبلغها الحجاج إلا بشق الأنفس وكأننا منفيون وقضينا ذلك اليوم كأسرة واحدة.
ومن جملة ما رأيت التزام الصنعانيات باللباس الأبيض ـ كباراً وصغاراً ـ واعتقادهن أن الحج لا يجّوز ما يحوز في غيره، كما يعتقدن انه لا يجوز تغيير لباس الإحرام مطلقاً ولا كشف الشعر عند الوضوء " وطبعاً هذا اعتقاد خاطئ.
ثم انتقلنا في اليوم التالي إلى جبل عرفة وصادف أن يكون مخيمنا في عرفة جوار مخيم للشيعة وكنا نسمع أصواتهم الجميلة وبدأنا نخشع ونؤمن على دعائهم، حتى سمعناهم يقولون تفرقوا لا تصلوا جماعة، عرفنا أنهم شيعة فانصرفنا عنهم ومع مغيب الشمس تحركت جموع الحجيج قاصدة مشعر مزدلفة.
ويا لها من مشاعر يذوب لها الفؤاد شوقاَ, فأنت مع الله ولله وبالله مشاهد تذكرك بيوم القيامة, ومن جميل الأحاسيس والمشاعر في الحج أنك تشعر فعلاً بأنك ضيف الرحمن، فلا التعب يعتريك مهما سرت من كيلومترات ولا الجوع أو العطش يضنيك.
الحج أخلاق:
 يقول الدكتور/ مصطفى السباعي:
لو أن كل مسلم حج بروحه وجسمه لتغير وجه تاريخ المسلمين اليوم
فالحج أخلاق وجعل شرط قبوله حسن الخلق فقال صلى الله عليه وسلم " من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه" ولكن للأسف أكثر شيء تفتقده في تلك المشاعر العظيمة هو الأخلاق، ويعتبر الحاج اليمني ارق الحجاج وأحسنهم أخلاقاً، كما وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم " ارق قلوباً والين أفئدة" ويسبقهم الحجاج الأندونيسيون 
أما حجاج مصر فحكايتهم حكاية، فهم بحق ممتعون ومبدعون في كل شيء ولا تلفت يمنه أو يسره إلا وتجد المصريين يملأون المكان، كما لا تجد من يرتاح لليمنيين إلا المصريون فأول ما أقول إني من اليمن تبتسم المصرية ابتسامه عريضة وتقول من قلبها " يا حبيبتي"وترى اليمني مع المصري آخر تفاهم وآخر انبساط
المهم:
في الحج مشاعر لا توصف، لا يعرفها إلا من ذاق حلاوتها, الحج سياحة روحية وجسدية
وفيه تجتمع كل العبادات من صلاة وصدقه وذكر وإن شئت صيام.
وأكثر ما عجبت له هو تسابق الحجاج للعودة إلى بلادهم وإني تمنيت لو لم أرجع وخصوصاً اليمنيين وأذكر هنا أن بعض حجاج اليمن كانوا يتدافعون على ركوب الباصات فقالت لهم أمي" لا تتضاربوش حتى لو فلتكم الباص بايوصلوكم السعوديون لابيوتكم"
أما أنظف الحجاج على الإطلاق فهم حجاج الجزائر 
ومن عجائب الأمور أن بعض الدول قد حددت سناً معيناً لا يستطيع الإنسان أن يحج قبله، وأغلبها سن الستين والسبعين، بالله عليكم أي قانون جائر؟ هذا وكيف يستطيع الإنسان أن يؤدي المناسك وهو في سن الستين أو السبعين؟
وقد روت لي إحدى أخواتنا السوريات أن القانون السوري يمنع أي سوري من أداء فريضة الحج حتى يبلغ السبعين!!.
وأردفت " لكن الرئيس بشار لم يطبق هذا القانون وأتى ليحج وهو تحت السن القانوني ذاك العام
وفي المدينة المنورة وأثناء زيارتنا لقبر الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم دخلنا الروضة الشريفة ولم نخرج منها إلا بشق الأنفس جراء التدافع الشديد الذي قد يسبب وقوع ضحايا، قلت في نفسي ليتنا نتزاحم هكذا على تطبيق سنتك يا رسول الله.
ليتني لم أعد:
ولشدة ما عانيت من الأشواق التي فتتت كبدي بعد عودتي من الأراضي المقدسة تمنيت أني لم أعد وانصح كل قاصد للبيت الحرام أن يدعو الله تعالى أن يربط على قلبه ويرزقه الصبر على فراق تلك البقاع الطاهرة.
وها أننا كل عام في مثل هذه الأيام أعيش أصعب اللحظات وتأخذني الأمنيات
وأردد مع أمين حاميم:
يا مسافر صوب مكة لي بذاك الصوب نيه.
ليت با تسمح ظروفي بالسفر قبل المنيه.
لي أمل في جود ربي لي بعون الله رجيه.
با يبلغني لبيته ما على ربي عصيه.