رحلة مع الظلام !
بقلم/ أحلام المقالح
نشر منذ: 6 سنوات و 11 شهراً و 11 يوماً
الأحد 08 يوليو-تموز 2012 03:07 ص

لا حديث يضاهي ذاك الذي تترجمه الأحاسيس المنتفخة والتي تكشف عن غموض العلاقات الإنسانية وترسم للحياة تفاصيل جديدة رسمتها يد الحقيقة التي لا تغيب وإن غرقت !.
هناك في الأماكن حالكة الظلام يصعب تمييز الأكف التي تمتد نحوك، فبعضها يخبئ فيها الوخز والآخر يفتح ثغرة ضوء وما بين تلك وتلك تندح اللحظات بالحُزن كلما صدئت مفاتيح الأبواب المقفلة في وجه أحدهم وقع في لُجات الظلام..
في الظلام فراغ سَام وشحناء أوهام..في الظلام الذات تتحدث وأنت تسمع، الذات تضحك وأنت تبتسم ونُبكي وأنت تكفكف.. في الظلام تُهزم أبجديات الروح العالقة في ضمائرنا..
منذ فترة طويلة وأنا أؤمن أن في الظلام آية، الظلام الذي كلما خنقني التراب جعل لي السماء رئة، فيحدث أن أرى النجوم بوضوح وأرى بجانبها أحلامنا التي توأد، رصائف وطننا الضائع، قلوبنا المشتتة بين وقع الحياة السريع ودوامته التي لا تفتأ بالتوقف..
صفاء الذهن أحد مغريات الظلام فبمجرد الرضوخ للظلام وإسدال الجفون يتسلل للمرء الشعور بالصفاء والهدوء، مما يدفعه للبحث عن نقطة تفكير، فتجره خفقات قلبه إلى لحظة سعادة ربما تشير إليه بأصابعها الظامئة، فيهفو إليها كما تهفو إليه وسرعان ما ينجر الذهن خلفها ماراً بالعديد من النقاط، فيعيش الحياة بفصولها ثم يقف لبرهة فيلتقط أنفاس ذهنه، ثم يعاود الركض خلف التفكير حتى يصل إلى نقطة لم يعد يذكر حينها من أين بدأ.. وهكذا..
المحفز في التفكير تحت سقف الظلام أنه إلى جانب استعادة مناطق في الذاكرة تحت تأثير الظلام هناك فرصة ومُتسع لمحاسبة الذات فيما حدث والتخطيط لما سيحدث ووضع اللبنات الأولى لمساحات جديدة في الذاكرة بمرونة، فيصب التركيز في مناطق أعمق في الذاكرة قد لا تصل إليها أثناء التفكير تحت وطأة الضوء..
الأغلبية إن لم يكن الكل لا يحب الظلام، لذا لا تجد أحداً هناك في الأماكن حالكة الظلام في رقعة الحياة ولعل الظلام الذي أعنيه هو ذاك الذي تصبه الحياة عليك، فلا تذهب إليه بتاتاً، كذاك الذي تحدثت عنه مسبقاً.. لذا فالظلام الأول يقيس لك مدى نظارة الحياة فيمن حولك ونادراً ما تجد أحداً كـ قريب أو صديق يشاطرك هواجس الظلام، بل ويمد بيده لك ليفتحها ثقباً للنور وهذا ما يؤلم حقاً، فمجرد الإحساس بالوحشة في الظلام هو ما يدفعنا لرفضها والخوف والنفور منها ولكنه حافز قوي إن أدر كناه لانتشال الذات من أقسى مناطق الحياة ظلاماً.
ما دفعني لكتابة هذه الفلسفة السطحية جداً هو الشعور بأهمية الظلام في حياتي، ففي رحلتي معه أدركت بأن الحياة وإن سكبت الظلام علينا فسيعقبه النور من حيثما يخالطه دون غياب الأمل ويكفي الظلام أنه أهداني أناساً ليس أقرباء أو أحباء ولكنهم ملء كل المعاني الجميلة، ففرصة أن تلاقي شخصاً واحداً يقف بجانبك دون مصلحة تذكر ويشق عن عينيك رباط الظلام الذي يغشاها، ليست بالطبيعية وإنما نعمة من صاحب النعم الجسيمة..
فقط سأشكر الله أن جعل لنا ظلاماً ومن الظلام وهب لنا نوراً.. شكراً لله.