النبي ثائراً
بقلم/ أحلام القبيلي
نشر منذ: أسبوع و 6 أيام و 12 ساعة
الثلاثاء 27 نوفمبر-تشرين الثاني 2018 03:13 ص


بعث النبي- صلى الله عليه وسلم- في مجتمع جاهلي قال عنه جعفر بن أبي طالب للنجاشي: " أيها الملك. كنا قوم جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله فينا رجلاً منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الأرحام، وحسن الجوار، والكف عن المحارم، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئاً..
إنها الثورة المحمدية.. أعظم ثورة عرفها التاريخ منذ قامت إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها الثورة المحمدية..
شجرة جذورها الصدق والأمانة وأوكسجينها الأخلاق وماؤها الحب.. أينعت وأثمرت وأزهرت وكانت ظلاً ظليلاً، وظلت على مدى العصور شجرة أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أكلها حتى قيام الساعة وبعد قيام الساعة.
ثورة غيرت وجه التاريخ، ثورة سمت بالنفس البشرية إلى أعلى عليين، ثورة جعلت من رعاة الغنم قادة أمم، ومن بدو رحل يتقاتلون من أجل العشب والماء إلى زعماء وأدباء وعلماء وعظماء.. ثورة وحدت القبائل المتناحرة في دولة إسلامية واحدة، ثورة ساوت بين العبد الحبشي والسيد القرشي.. ثورة كان شعار قائدها صلى الله عليه وسلم " إنما بُعثت لا تمم مكارم الأخلاق" لعلمه أن الأخلاق إذا تمت مكارمها فلا ظلم ولا عدوان ولا تنازع ولا بغضاء ولا حسد ولا خيانة ولا كذب..
أسباب نجاح الثورة:
من أهم أسباب نجاح الثورة المحمدية الإخلاص والأخلاق.. فهل أخلصت النية لله تعالى في خروجك أيها الثائر؟ أم أن نيتك الحصول على وظيفة؟ أو نصرة حزب؟ أو شيخ أو جماعة؟ أو أي جهة كانت؟
راجع حساباتك وتذكر قول سيد الثائرين "من كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه".
ولما كانت ثورة النبي محمد- صلى الله عليه وسلم- خالصة لله تعالى قال لمن عرضوا عليه الدنيا بمالها ونسائها وجاهها على أن يترك هذا الأمر قال "والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه".
ثورة الأخلاق:
فهو القائل "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".. لاحظوا أنه لم يقل لأكسر الأصنام وأقاتل المشركين وأقطع رؤوس الظالمين، لأنه يعلم أن الأخلاق ستجعل عباد الأصنام يكسرونها بأنفسهم، وتقتل الشرك وتحارب الظلم وتخلق مجتمعاً يسوده الحب والرخاء والتآلف..
ثم شرح سيد الأخلاق لأصحابه وأتباعه معنى الدين وأن الترجمة الحقيقية للإيمان هو حسن الخلق، وأنه الترمومتر الحقيقي لقياس مدى علاقة العبد بربه.. " فأكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقا".. والدين حسن الخلق.. ومن أحبه الله حبب فيه خلقه، ولن يحب الخلق إلا حسن الخُلق..
الصادق الأمين:
إنه أطهر وأعظم وأشرف وأنبل ثائر عرفته البشرية...
عرف قبل البعثة بالصادق الأمين، وكان كفار قريش يودعون أماناتهم عنده رغم عدائهم له.
وقد ضرب أروع الأمثلة في الأمانة والوفاء عندما ترك ابن عمه علي بن أبي طالب في مكة ليرد أمانات المشركين وهاجر إلى المدينة.
ولم يكذب حتى مازحاً، وإذا مازح لا يقول إلا حقاً..
فيا أيها الثوار في كل ساحة..
أيها المعلم، أيها الطبيب، أيها الإعلامي، أيها التاجر، أيها الأب، أيها الموظف، أيها المسئول، كيف أنتم مع الصدق والأمانة؟
ولماذا الصدق والأمانة بالذات؟
لأنك إن كنت تسعى للتغيير وتطمح لإزالة المنكر بصدق، فستبدأ بنفسك وسيقودك الصدق في ذلك إلى أداء الأمانات على الوجه الأكمل كي تكون قدوة، فإذا دعوت الناس إلى التغيير وأنت أمين في عملك وفي تعاملك وفي عبادتك وفي تربيتك صدقوك واتبعوك وشجعوك وناصروك.
إن الصدق والأمانة بمثابة الأساس الذي سنؤسس عليه عملية الاتصال مع الآخرين بأكملها، وإن أي شيء ستفعله في اتصالك مع الناس عليك بداية أن تكون صادقًا معهم أمينًا لهم.، وكلما تحققت هذه الصفات في نفسك بصورة أكبر كلما كنت أنجح في الاتصال مع الآخرين.
وروى الإمام أحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: 'يطبع المؤمن على الخلال كلها إلا على الخيانة والكذب'.
وسُئل رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: أيكون المؤمن جبانًا؟ قال: نعم، قيل له: أيكون المؤمن بخيلاً؟ قال: نعم. قيل له: أيكون المؤمن كذابًا؟ قال: لا.