التصحر الأخلاقي للجماعة الحوثية
بقلم/ أحمد عبدالملك المقرمي
نشر منذ: شهرين و 9 أيام
السبت 12 يناير-كانون الثاني 2019 09:24 ص


الجدب في الأخلاق أشد ضرراً وأكبر مصيبة من تصحر الأرض وجدب الوديان:
وإذا أُصيب القوم في أخلاقهم فأقم عليهم مأتما وعويلاً
والخير أو الشر ليس ملازما لفئة أو أسرة أو عائلة، وإنما هو عمل وسعي يضعك في الخير أو الشر( إن أكرمكم عند الله أتقاكم).
لما عاد مشركو قريش منهزمين من معركة بدر، كانت قلوبهم تغلي كالمرجل؛ غيظا وحقدا على الرسول- صلى الله عليه وسلم- وعلى المسلمين، وكان دافع الانتقام لديهم طاغيا، ووافق أنه بعد المعركة بوقت خرجت زينب بنت الرسول(ص) من مكة المكرمة تريد المدينة المنورة مهاجرة إلى الله ورسوله، فتعرض لها حين خروجها بدوافع الانتقام بعض نفر أخذوا يهيجون البعير حتى أسقطها من على ظهره وطرحت جنينها الذي كانت حاملة به, وكانت ممارسة انتقامية بائسة، فاستفز هذا العمل الدنيء هند بنت عتبة التي قالت ساخرة من هزيمتم ببدر ونقدا لانتقامهم من امرأة في موقف ضعف :
أفي السلم أعيار جفاء وغلظة وفي الحرب أمثال النساء العوارك
فاستحقوا بفعلتهم الخسيسة أن تشبه الواحد منهم بالعَيْر أي الحمار في الجفاء والغلظة.
هذه الحادثة التي حفظها لنا التاريخ استدعتها الممارسات الحوثية التي خرج مسلحوها بالأمس يستعرضون بتبجح وفجاجة ضد أسرة الهامة الوطنية محمد قحطان، أسرة ليس فيها غير أطفال ونساء وعزّل من السلاح.
لم تقف بي الذكريات عند أولئك الأعيار فحسب، ولكن راح البال يتساءل أحقاً هؤلاء من يزعمون أنهم أصحاب المسيرة القرآنية؟ ثم قفز إلى ذهني تساؤل آخر: وهو أنهم يدعون شرف التميز على الآخرين بالحسب والنسب، مع أن القرآن الكريم حسم هذه المزاعم مبكراً محدداً ومبينا الأشرف والأكرم (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) وأكد على ذلك المصطفى (ص) يوم أن نبه على عشيرته لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم.
هذا التصحر الأخلاقي والجدب السلوكي في من يدعون حب الآل أو من يتخذون من النسب طريقا للممايزة والفخر هو سلوك تمترس خلفه المدعون منذ زمن سحيق، وهو حب كاذب وتشيّع مخادع، أظهر زيفه بكلام صحيح صريح الخليفة الراشد الرابع علي بن ابي طالب- رضي الله عنه- يوم أن خذله أولئك المدعون للحب، حيث نقل عنه ابن أبي الحديد في نهج البلاغة - وهو شيعي - قوله فيهم: ( يا أشباه الرجال ولا رجال... لوددت أني لم أركم ولم أعرفكم معرفة جرّت والله ندما، وأعقبت سدما، قاتلكم الله؛ لقد ملأتم قلبي قيحا، وشحنتم صدري غيظا، وجرعتموني نغب التهمام - غصص الهم - أنفاسا، وأفسدتم عليّ رأيي بالعصيان والخذلان..).
وهي عبارات من خطبة له يستنكر فعال مدعيي حبه، الذين خذلوه وعصوه.
لم يكن حال الحسن ابنه- رضي الله عنه- مع هذه النوعية بأحسن حال من أبيه، فقد نهبوا بعض متاعه وأرادوا قتله، حتى قال الحسن:( يزعمون أنهم لي شيعة؟ ابتغوا قتلي ونهبوا مالي).
وأما الحسين- رضي الله عنه- وقد والوا إرسال الرسائل والرسل إليه يلحون في طلبه إليهم وسرعة وصوله ليبايعوه، فلما أن أتاهم استجابة لذلك الإلحاح الشديد منهم خذلوه وغدروا به وكانوا ممن قاتله، فدعا عليهم قائلا: (اللهم إن متعتهم إلى حين ففرقهم فرقا، واجعلهم طرائق قددا، ولا ترض الولاة عنهم أبدا، فإنهم دعونا لينصرونا ثم عدوا علينا ليقتلونا )!
وأما علي بن الحسين- زين العابدين - فقد وصف أولئك المدعين في عهده الذين ساروا على نهج سابقيهم وسار من جاء بعدهم على نفس طريق ادعاء الحب ؛ لقضاء أغراضهم وتحقيق منافعهم وغاياتهم؛ وصفهم بقوله:( إن هؤلاء يبكون علينا فمن قتلنا غيرهم).
إنه تراكم الجدب الثقافي، والتصحر السلوكي، الذي صار مذهبا متبعا عند من هم على تلك الشاكلة، وهم أبعد الناس عن علي، وأقصى عن الطريق السوي.
لقد ظل ذلك الخلق البائس ينمو خارج ضوابط الاستقامة، ويتمادى بعيدا عن سبل الهداية، متمترسين بزعم الحب والنسب، وما لهم به من صلة غير صلة الوسيلة والسبب.
أفيعجب البعض اليوم من سلوكياتهم التي يرون غايتهم ومصلحتهم تبرر كل وسيلة، وتجيز لهم كل جريمة!؟ وما سلوكهم المارق تجاه أسرة المناضل النبيل الاستاذ محمد قحطان إلا حلقة من حلقات طيشهم وجزءا يسيرا من فظائعهم التي لا ترقب في مؤمن إلا ولا ذمة.
لقد تكشفت سوءاتهم للقريب والبعيد، وما يستر عوراتهم من شيء، كلا ولا دعايات ولا تغريدات، ولا إعلام ولا صحافة!
فيا له من مشروع بائس، وحوثية خائبة، ولا أكثر منهم بؤسا وخيبة إلا من يصدقهم أو يتمسح بأقدامهم !