هكذا يحتفل المنتصرون
أحلام القبيلي
أحلام القبيلي

" قال تعالى" إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً فسبح بحمد ربك واستغفره انه كان توابا"
ولكن لماذا قال العليم الحكيم " واستغفره إنه كان تواباً" في هذا الموضع؟
بحثت عن تفسير سورة النصر في ظلال القرآن ووجدت التالي:
الاستغفار من الزهو الذي قد يساور القلب أو يندس إليه من سكرة النصر بعد طول الكفاح, وفرحة الظفر بعد طول العناء. وهو مدخل يصعب توقيه في القلب البشري. فمن هذا يكون الاستغفار.
والاستغفار مما قد يكون ساور القلب أو تدس إليه في فترة الكفاح الطويل والعناء القاسي, والشدة الطاغية والكرب الغامر.. من ضيق بالشدة, واستبطاء لوعد الله بالنصر.
والاستغفار من التقصير في حمد الله وشكره, فجهد الإنسان , مهما كان ضعيفاً محدوداً , وآلاء الله دائمة الفيض والهملان.. "وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها", فمن هذا التقصير يكون الاستغفار..
وهناك لطيفة أخرى للاستغفار" لحظة الانتصار".. فيه إيحاء للنفس وإشعار في لحظة الزهو والفخر بأنها في موقف التقصير والعجز, فالأولى أن تضامن من كبريائها وتطلب العفو من ربها. وهذا يصد قوى الشعور بالزهو والغرور..
ثم إن ذلك الشعور بالنقص والعجز والتقصير والاتجاه إلى الله طلباً للعفو والسماحة والمغفرة يضمن كذلك عدم الطغيان على المقهورين المغلوبين.
ليرقب المنتصُر اللهَ فيهم , فهو الذي سلطه عليهم , وهو العاجز القاصر المقصر. وإنها سلطة الله عليهم تحقيقاَ لأمر يريده هو. والنصر نصره. والفتح فتحه . والدين دينه.. وإلى الله تصير الأمور.
هناك فرق:
قال تعالى واستغفره ولم يقل" اذا جاء نصر الله والفتح" فارقصوا وغنوا واشمتوا وانتقموا.
 إن الاحتفال بالنصر عند العرب رغم أنهم لا ينتصرون إلا في الأغاني والرقص "على بعضهم البعض" وإلا فهم فاشلون في كل مناحي الحياة وانتصاراتهم في مجالات محدودة وغير مذكورة
ولكن اذا شاء الله لهم النصر فتراهم يحتفلون بنصر الله تعالى ويشكرونه على نعمة النصر بمعصيته والهزيمة أمام الشيطان وأمام أنفسهم, فتقام الأفراح والليالي الملاح ويرقص الشباب والشابات حتى الصباح ويؤتى بالفنانين والفنانات والراقصين والراقصات ويخرجون للشوارع بالسيارات وتذكرت كيف كان يحتفل النبي- صلى الله عليه وسلم- وصحابته والتابعون رضوان الله عليهم أجمعين:
فبعد أن طُرد الرسول الكريم -صلوات ربي وسلامه عليه- من مكة وقتلوا أصحابه ولاقى منهم من الأذى ما لاقى, دخل مكة فاتحاً منتصراً ومعه عشرة آلاف مقاتل من خيرة أجناد الأرض متواضعاً خاشعاً لله تعالى مطأطئ الرأس يؤمِّن الناس قائلاً": "من دخل البيت فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل بيته فهو آمن"، ثم عفا عنهم وسامح كل من أذاه في عرضه وماله ودينه وأصحابه, قائلاً لهم:" اذهبوا فأنتم الطلقاء" ويبكي الصحابي الجليل أبو الدرداء في يوم نصر المسلمين وفتح جزيرة قبرص فقيل له: سبحان الله!! ما الذي يبكيكَ في يومٍ أعزّ الله فيه الإسلام وأهله، وأظفرهم على عدوهم، ومكّنهم من رقابهم؟!!
فقال: ما أهون الخَلق على الله إذا هم عصوه وتركوا أمره، بينما أهل هذه الجزيرة أمة قاهرة عزيزة ظاهرة، لهم الملك في الأرض، إذ تركوا أمر الله عز وجل وخالفوه، فصاروا إلى ما ترون من الذل والهوان، ويدخل الخليفة الراشد عمر بن الخطاب القدس فاتحاً منتصراً حافي القدمين يجر حماره وغلامه راكب في دوره المتقاسم بينهما أثناء سفرهما..
بالله عليكم قارنوا بين نصرهم ونصرنا واحتفالهم واحتفالنا, وتخيلوا لو أن قادات الثورات العربية كانوا مكان هؤلاء العظماء ماذا سيفعلون؟؟
وما النصر إلا من عند الله:
النصر من عند الله تعالى وليس من عند جيش أو مجلس أمن أو أميركا أو الجامعة العربية
يقول سيد قطب رحمه الله تعالى:
قال تعالى: "إذا جاء نصر الله".. فهو نصر الله يجيء به الله, في الوقت الذي يقدره, في الصورة التي يريدها, للغاية التي يرسمها, وليس للنبي ولا لأصحابه من أمره شيء , وليس لهم في هذا النصر يد, وليس لأشخاصهم فيه كسب, وليس لذواتهم منه نصيب, وليس لنفوسهم منه حظ! إنما هو أمر الله يحققه بهم أو بدونهم.. وحسبهم منه أن يجريه الله على أيديهم, وأن يقيمهم عليه حراساً, ويجعلهم عليه أمناء.. هذا هو كل حظهم من النصر ومن الفتح.
في الجمعة 31 مايو 2013 01:52:02 ص

تجد هذا المقال في صحيفة أخبار اليوم
http://akhbaralyom-ye.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://akhbaralyom-ye.net/articles.php?id=71996