معايرة التجنيس
بقلم/ سلمان الحميدي
نشر منذ: سنة و 5 أشهر و 28 يوماً
الإثنين 14 يناير-كانون الثاني 2019 07:40 ص


في الخليج، يتأرجح اليمني بين قدرين، الفخر به وإلصاقه بالدولة التي يقيم بها، أو الإلقاء على عاتقه أي سلوك سيء والتأكيد على أنه يمني لا علاقة له بالدولة التي يقيم بها.
الحديث هنا تحديدًا حول اليمنيين، أو المغتربين من جذور يمنية الذين يحملون جنسيات أخرى.
في 2013، بزغ اللاعب عمر عبدالرحمن في المنتخب الإماراتي، موهبة اللاعب قادت الإماراتيين للفوز بلقب خليجي 21 في البحرين، الصحفي الرياضي محمد العولقي كتب في إحدى الصحف القطرية "يمني يصنع ربيع الكرة الإماراتية".
كان الربيع وقتها مرتبطًا بالثورات التي شهدتها تونس، مصر، اليمن، سوريا. غير إن نشر الموضوع في صحيفة قطرية آثار حساسية بين البلدين، قطر والإمارات، نظرًا لموقف البلدين من الثورات.
كان اللاعب المقصود الذي صنع الربيع الإماراتي هو "عمر عبدالرحمن" عموري، اشتعل الإعلام الرياضي وقتئذ، وكان الإماراتيون يردون، واعتذرت الصحيفة القطرية بكل تأكيد.
أتذكر أني كنت أتابع إحدى القنوات الناقلة للبطولة، كان الضيف الإماراتي غاضبًا، وأعجبني رده رغم أنه تكملته تبدد الاعجاب، مما قاله تقريبًا: عموري إماراتي، وبعدين ايش فيها، اليمن أصل العرب، وعموري على الأقل يحمل اسم عربي أفضل من غيره. كان يرد على القطرين ويشير إلى اللاعب الأورغوياني الذي جنسته: سبيستيان سوريا.
في الدول المتقدمة لا يوجد معايرة في التجنيس.. امرأة من أصول صومالية تفوز بمقعد في الكونجرس في أمريكا، رجل من أصل باكستاني يصبح عمدة لندن، وفي فرنسا قام أحد المهاجرين الأفارقة الذين دخلوا البلاد بطريقة غير شرعية، بإنقاذ طفل كان على وشك السقوط من النافذة، قابله الرئيس الفرنسي شخصيًا ومنحه الجنسية بفخر واعتزاز. لم يعايره باللون ولا الديانة ولا الفقر المدقع في وطنه الأصل، والأهم من كل ذلك، أن الشرطة لم تقتاده إلى السجن وتعيد ترحيله إلى بلاده.
فازت فرنسا بكأس العالم، كان منتخبها خليطًا من الأعراق والأديان، اجتازت المعايرة والحساسية المثارة في التجنيس، أنت تحمل جنسية بلد الآن، سيخلد اسمك بقدر خدمتك له، لولم تخدمه بما يليق فلا فرق بين المجنس والأصل!.
أسماء عربية في معظم المنتخبات الأوروبية، أسماء أخرى في مجالات غير الرياضة أيضًا.
في صفحة الفنانة بلقيس أحمد فتحي، تعرف نفسها: إماراتية من جذور يمنية!.
نجل الفنان الكبير أبو بكر سالم، أصيل، كما لو أنه يرى انتقاصًا في هويته الأصل.
الفنان الكبير أبو بكر سالم، رغم حمله لجنسية أخرى، يكتب ويلحن ويغني: أمي اليمن.. أمي!.
ولو فحصت النماذج الثلاثة، وتتبعت أعمالها، وأخذت الانتشار كمعيار لقياس الشعبية واحترام الناس، والتألق الإبداعي في سماء الفن، بكل تأكيد ستجد أبو بكر سالم وحيدًا في القمة!.
الناس يحترمونك عندما لا تنكر أصلك، عندما لا تنساه ولا تنتقص منه!.
كان اللاعب السعودي الشهير سامي الجابر، لا يتوانى أن يقول: أنا من أصول يمنية.. أمي يمنية. الكابتن الخلوق كان ومازال محبوبًا في وطنه وأوساط متابعيه أينما كانوا.
عندما يتألق أحدهم من "جذور" يمنية، بتعبير بلقيس فتحي، يحاولون قطع الجذور والتأكيد على أنه ينتمي للبلد التي يحمل جنسيتها كابرًا عن كابر!.
نحن لا نملك عقدة نقص في الهوية.. ومتابعة آثار جذورنا الممتدة في العالم، نحن مشغولين بأنفسنا. لكن الآخرين يثيرون عقدة الهوية كما لو أن اليمن "شتيمة"، وليست أصل العرب وإحدى مواطن التاريخ.
كان زيدان من أصول جزائرية حمل كأس العالم، لكنه لم يقل بأنه متفرنس بالجينات، ولم ينكر جزائريته على الإطلاق!.
قبل فترة، قامت فتاة سعودية بزيارة مواقع سياحية في وطنها، خالفت عادات النساء في السعودية، كانت ترتدي تنورة قصيرة وفانيلة ضاغطة، نشرت صورها في مواقع التواصل الاجتماعي، قامت الدنيا ولم تقعد على الفتاة، أخذتها أجهزة الأمن هناك، بعدها انتشر هاشتاق في تويتر يقول أن "الفتاة يمنية" أو من "أصول يمنية".
وقديما قال المتنبي:
يقولون لي: ما أنت في كل بلدةٍ؟!
أما أبو تمام فقال:
هل اجتمعت عليا معد ومذحجٍ
بملتحم إلا ومنا أميرها
بل اليمن استعلت لدى كل موطنٍ
وصار لطىء تاجها وسريرها..
وبعدين مش إلا إحنا أصل العرب.