الانتصار للأفكار الكبيرة..
بقلم/ محمد علي محسن
نشر منذ: 11 شهراً و 29 يوماً
الخميس 30 مايو 2019 07:29 ص

الحوثيون مهما حاربوا أو سيطروا, سيهزمون في المنتهى؛ لأن معضلتهم كامنة في عنصرية الفكرة, وفي تمايزها الطائفي, وفي تكوينها البيولوجي الجيني المزدري للجنس البشري, بكونها الفئة المصطفاة من السماء لحكم العالم.
إنَّهم هنا أشبه بأحبار اليهودية الذين احتكروا العهدين القديم والجديد, وحرفوا قدسيتهما, بل واختزلوا الله وخلقه وخلافته وشرعيته بجنسهم السامي المبارك والنقي.
ومن حيث لا يعلمون أغلقوا دين موسى بقفل ومفتاح عنصريتهم, فلم تعد اليهودية ديناً فيه متسع لغير سلالة أسباط يعقوب " إسرائيل "، هذا إن عاد هنالك من يؤمن أصلا بوجود سلالة من هذا القبيل.
والحوثية كفكرة عنصرية سلالية لا تختلف عن سواها من الحركات العنصرية, السياسية أو الدينية أو حتى الأيديولوجية, فلا يغرنكم ما حققته خلال الأعوام المنصرمة, فلكم رأينا حركات مماثلة وهي آخذة مساراً عنيفاً، تصاعدياً وأفقياً.
ومع كل ما حققته الحركات الشيوفينية من صعود وبروز في مستهل وجودها وفتوتها كحاملة لراية شعبوية جاذبة لألباب الجماهير المخدوعة ؛ لم يمهلها التاريخ كثيراً, فمثلما برزت وصعدت بسرعة الصاروخ ؛ كان سقوطها مدويا وبسرعة الضوء.
ففي النهاية التاريخ لم يكن إلا مع كل فكرة منصفة عادلة قابلة للحياة والتكيف والتجدد والانتشار...
وإذا كانت هذه العنصرية البغيضة أفلحت- ولبعض الوقت وفي أماكن وتواريخ عدِّة- فلا يعني نجاحها واستمرارها رغما عن أنف التاريخ والجغرافيا والسياسة وووو.
نعم, لا تنتصر المجتمعات الإنسانية بقوة اقتصاداتها وترسانة جيوشها فحسب, وإنما يسبق هذه الأشياء مقومات أساسية وحتمية, كقوة الحق والعدل والمبرر الأخلاقي والإنساني وغيرها من قيم ومبادئ وطنية وإنسانية جمعية مجسدة لروح العدل والمساواة.
فهذه المبادئ والقيم الأصيلة ليس لها حدود أو مساحة أو فضاء, فهي من هزمت النازية والفاشية, وهي من غلبت وستغلب أي حركة أو فكرة عصبوية طارئة على المجتمعات البشرية.
كما وهي من مرَّغت كرامة كل قوة متجبرة متعصبة لجنسها أو دينها أو لغتها, ولعل ما حدث في دول يوغسلافيا السابقة أو رواندا أو سوريا أو أفغانستان أو العراق لدليل وبرهان, بأن الأمم القوية لا تنتصر أو تستقر وتزدهر بطغيان الأفكار الشوفينية الضيقة, وإنما بالأفكار الكبيرة وغلبتها.
فكل فكرة أو أيديولوجيا تقوم وتبنى على أساس التعصب الأعمى للدين أو المذهب أو الاصطفاء السلالي أو التمايز الطبقي أو الاثني أو الجغرافي أو التاريخي ؛ ليس لها بقاء أو حياة مهما بدت لأصحابها جاذبة ومحققة لهم انتصارات سياسية وعسكرية.
وطالما ونحن نخوض حرباً ضروساً مع مليشيات كهنوتية تدعي حقها الإلهي في حُكم اليمنيين واستعبادهم، فحتماً سننتصر, عاجلاً أم آجلا, بشرط أن لا نتخلى عن الفكرة الوطنية الجمعية, وأن لا نسقط في مهاوى العصبية للمكان مهما بدت فكرتها صائبة وجاذبة للكثير ممن لا تجربة لديهم أو قراءة واعية وعميقة للتاريخ وأحداثه.
فالانتصار الحقيقي لمن يمتلك مبررات أخلاقية ووجودية منحازة للتعايش والمساواة والحياة الإنسانية المعاصرة, وليس لمن يقسر الناس على طاعته والانصياع له بقوة وجبروت سلطته ونفوذه, أو بقدرته على تضليل وتسميم أذهان البسطاء والمستضعفين.
وبما أننا نروم ونتطلع لتحقيق النصر, فهذا النصر لن يتحقق فقط بالدم والمهج المزهقة, وإنما - أيضاً - بما نملكه من أفكار كبيرة, وأخلاق عظيمة نابضة بالحياة.
فهذه التضحيات لم ولن تكون لغير وطن حر يسود فيه العدل والمساواة والتسامح والوئام والسلام والتنمية والازدهار.