الرهان الخاسر
بقلم/ أحمد ناصر حميدان
نشر منذ: 10 أشهر و 23 يوماً
السبت 06 يوليو-تموز 2019 08:20 ص

الكنتونات الأسرية التي تنعم بأموال شعوبها وتتكرم عليهم بالفتات، ومطلوب منهم الشكر والعرفان على هذا الكرم، كنتونات يؤرقها الخوف من أن تصحو يوماً على شعوبٍ ثائرة حرية وتتطلع عدالة في توزيع السلطة والثروة.
هذا الخوف يدفعها لتحصين كيانها العفن، بسياج من التخلف والجهل ودعم القوى التقليدية وأصحاب المصالح والمشاريع الصغيرة في مواجهة أي ثورة شعبية وانتفاضة جماهيرية أو إصلاح سياسي واقتصادي في الجوار والمنطقة، الخوف من أن تُبنى نماذج حكم عادل تلبي تطلعات الإنسان في المواطنة والحرية والمساواة، حتى لا تستقطب شعوبها وتثير نزعاتهم التحررية.
الرهان على هذه الأسر الحاكمة الملطخة (فساداً واستبداداً وطغياناً), في التحرر والاستقلال ضرب من الغباء، لا يقبله منطق ولا عقل، بل ليس مقبولاً متعصب وفاسد، يسعى لتوارث منظومة الفساد والاستبداد ممن سبقوه، أو واهم باستعادة مجد أسلافه، أو منتقم حاقد يبحث عن دعم وفرصة ليصفي حساباته.
تلك الكنتونات الأسرية ترسم استراتيجية بعيدة المدى، لتبقي دول الجوار في تخلف وجهل وصراع وحروب، لتكون هي المثل الطيب والمرضي لشعبها، ولترسل رسائل لشعوبها أن الثورات تدمّر الأوطان، وانظروا حولكم ما يحدث!.
بكل بساطة.. من هو الداعم الرئيسي للثورات المضادة لثورات الربيع العربي؟ مجرد التفكير العقلاني سيعرف المتسائل أنها الأسر الحاكمة في تلك الدول، التي كانت الحليف الرئيسي للأنظمة الفاسدة التي اجتثها الثورة، وفيها تحويلات واستثمارات وأرصدة لأموال منهوبة، ومشاريع عملاقة تموّن من تلك الأموال التي نهبت من خزائن شعوب تتضور جوعاً وحاجة ووباء وتفتقد لأبسط سبل الحياة والخدمات الأساسية، وفي سيناريو قبيح تقدّم لهم معونات من فتات تلك الأموال.
لا يتوقف الأمر هنا، بل يتم البحث عن التناقضات والثغرات، يبدأ مخطط التغذية، وضرب أسفين في المجتمع ليتناحر وينقسم على ذاته، وتغذّي العصبية والمناطقية والطائفية، وتسلحها وتملشنها، لتكون في مقدورها السيطرة على حياة الناس.. كل هذا يتم بتمويل من تلك الأموال التي تنثر لتبيع وتشتري الضمائر والعقول، لتسقط القيم والمبادئ والأخلاقيات، لتولي على الناس أشرارهم وأغباهم، الارتهان للمال يسلب العقل، ونسمع من يردد شكراً للقتلة والمجرمين بمسميات الارتهان، وما خفي كان أعظم.
لوبي ضخم يحاصر المنطقة، يدير عمليات تهريب للممنوعات والمحظورات وأدوات القتل وكل ما لا يخطر على بال الإنسان من المادة للبشر.. لوبي كان ولازال يتحكم بصنع الأصنام البشرية التي يجب أن تعبد من قبل تلك الشعوب، تصنع لنا قيادات من أسوأ وأقذر ما فينا، وتحيطها ببروباغندا إعلامية وهيلمان وكم هائل من الإشاعات والشعارات، وترفع لها اللافتات وعبارات التمجيد، تختار بعناية كمقاول ينفذ أجندات مرسومة لتحقق أطماع تلك الأسر.
وبعد الشحن المناطقي والطائفي وشيطنة القوى الوطنية والعقلانية، ينجذب حول ذلك الصنم رعاع التعصب المناطقي والطائفي والأيدلوجي، والواهمون حلماً والمسلوبون إرادة، ولديهم من المبررات الكافية للانتهاكات بل للقتل والانحطاط القيمي والأخلاقي.
إلى متى سيظل البعض مخدوعاً، ملهياً عن معركته الرئيسية، الدولة الضامنة للمواطنة والحريات والعدالة، دولة التحرر والاستقلال من التبعية، ملهياً في معارك جانبية صغيرة، وجماعات متناحرة تتقاتل على حدود وهمية صنعها المستعمر، ورايات تحمل نفس الرمزية، غباء جعلهم يتنكرون لهويتهم التاريخية والحضارية، والبحث عن هوية منحطة لا تاريخ ولا عراقة، بتحول لعبد سيدي ومولاي، في لعنة القرش الذي يلعب بالعقول.؟
لو أدرك المخدوعون أن معركتهم إنسانية ووطنية نبيلة، لعرفوا أن المواطنة والحرية والعدالة هي جوهر معركتهم، من يخل بها أو يبرر انتهاكها هو عدوهم الرئيسي، وأن المستقبل في التوافق على أن نكون شركاء في وطن يجمعنا بكل اختلافاتنا ومشاربنا الفكرية والأيدلوجية وعقائدنا، دون ذلك سنبقى دهراً ودهوراً نتقاتل على أطلال وبقايا وطن ونكرر مآسينا كداحس والغبراء..