عدن وأضرار النفايات السياسية
بقلم/ أحمد ناصر حميدان
نشر منذ: 3 أشهر و 24 يوماً
الخميس 12 ديسمبر-كانون الأول 2019 09:52 ص

عدن تعاني ضرر نفايات سياسية وفكرية هي أشد خطرا من نفايات الشوارع ومخلفات الأمية، بسببها تنهار عدن، وتفقد مقومات العيش الكريم والحياة والاستقرار، جريمة تلي جريمة، تفصل بينهما ساعات وأحيانا دقائق معدودة، جعل من عدن ساحة لاستعراض العضلات، وتصفية الحسابات.

وعندما يسأل الناس القوة الجاثمة على عدن، لا يجد جواباً مقنعا وشافيا، يستمع لأسطوانة من كثر تكرارها صارت مصد للسخرية، مع ان المرحلة قد تجاوزتها والتكتلات- أيضاً- وواقع الأمر اختلف ولم تعد تقنع الناس.

من وجهة نظر من خضم المعاناة، إن الواقع المأساوي صنعته ثقافة دخيلة، هي مصدر السلبية القاتلة التي نحن فيها اليوم، حذرنا منها كثيراً، ولم يستوعب البعض خطورتها، وجعل منها لعبته المفضلة في مواجهة الآخر، وهو لا يدرك مدى خطورة سمها القاتل وهو يتسلل بين المجتمع لتسكنه دعوات الفتن وهوس الانتقام، هي الكراهية، مصدر تبرير كل خيباتنا ونكساتنا وفشلنا، كراهية جعلت من معتوه يبرر للناس لماذا هو عنصري، ويجتهد في سرد عيوب الخصوم، وتأليف حكايات الذم والتعزير، ويضع نفسه متحدثا عن الناس بدون إرادتهم، متحدثا باسم جغرافيا وهو يجهل تاريخها وسماتها الحضارية، يتحدث باسم مدن فاضلة كعدن وأخواتها، وهو غريب عن ثقافتها وإرثها الحضاري، وأن لغته وخطابه لا يمت بصلة بثقافة وأيقونة تلك المدن، التي تسخر من كل ذلك الكم من الكراهية المفرز فيها، فيجد نفسه مرفوضاً، لا يعبّر سوى عن ما فيه ومكنوناته، مجرد أنا ينضح قذارة.

الصورة أوضحها لنا الفيلسوف سقراط عندما قال «تكلم حتى أراك»، وهذه العقلية تكلمت كثيرا، وتزينت بالشعارات، وبثت سلبية قاتلة في الوسط الاجتماعي، بل تورطت وورطت البلد بثقافة الكراهية، التي تولد أحقاداً وضغائن ونفوساً عفنة وعنصرية مقيتة، وتبث في الوسط الاجتماعي طاقة سلبية مدمرة، وتبرر لانتهاكات تخلف اثر نفسية وخراب مجتمعي، لتضاعف حجم التراكمات والأمراض، والنتيجة سقوط واضح للقيم والأخلاقيات، وما يحدث في عدن.

مثل هذه العقليات هي كارثة بحد ذاتها، تفتقد لأدنى مستوى من الوعي والثقافة الانسانية، تبث سلبية قاتلة، تقتل القضية وتنخر المجتمع بالأمراض.

من المفاهيم الخاطئة، اعتقاد البعض أن المثقف، إنسان متعلم يحمل أعلى الشهادات وكم معرفي، والحقيقة أن المثقف هو ذلك الإنسان الذي يعمل على تقليص أكبر قدر من السلبيات في المجتمع ويوسع من حجم الإيجابيات فيه، مهما كانت مهنته يكفي انه يقرأ ويكتب ولدية روح إيجابية، كثيرا ممن يحملون شهادات عليا هم مصدر سلبيات قاتلة في المجتمع.

مثل هكذا عقلية هي عار على النضال والمجتمع والقضية عار على الحاضر والمستقبل، عار بكل سلبياتها القاتلة التي تبرر التدمير والخراب، من كراهية وأحقاد وضغائن وانتقام ومناكفة، وكل سموم تفكيك المجتمع وترسيخ صراعات سلبية قاتله وحروب عبثية، وترسيخ اصطفافا مناطقيا وطائفيا، ليعزز دولة المنطقة او الطائفة للوصول لدولة عنصرية مقيته.

فالخيرون يبثون خيراً، هم المناضلون بكل طاقاتهم الإيجابية، في مواجهة الطاقة السلبية وسمومها في الوسط الاجتماعي، ويشكلان إضافة رائعة في المجتمع وثراء اجتماعيا تنمويا ونهضويا، من حب وتسامح وتصالح، هي تشكيلة من الأطياف التي تكمل بعض، ولا تستغني عن بعض، تشكيلة فسيفسائية جميلة من التنوع الفكري والثقافي والاجتماعي، وترسخ معا اصطفاف بنيوي، من أدوات التنمية السياسية للدولة المدنية الضامنة للمواطنة، كأحزاب سياسية ومنظمات مجتمع مدني ومكونات ثقافية، ضامنة للدولة النظام والقانون الخالية من الأحقاد والضغائن والكراهية.

الطاقات السلبية اليوم تدمر عدن، وهي أعجز من أن تقدم عملاً إيجابيا تشكر عليه، هي مصدر فقدان عدن لأمن يحميها وأمان يهدئ من روعتها، واستقرار يخفف من مصائبها، طاقة سلبية جاثمة بقوة تحمي عبثها بعدن، من بسط وسطو ونهب واغتيالات في وضح النهار، والناس تصرخ وتئن، وكأنها في غابة لا صوت مسموع غير البندقية وفرض أمر واقع دون استحقاقات، لا أمنية ولا خدمية ولا إنسانية، الجاثم هو مصدر كل ماسينا، من ارتفاع الأسعار, في السلع الضرورية خضار ولحوم ودجاج، وإتاوات النقاط العسكرية، بل احتكار الأسواق، وما يفرض من إتاوات الموانئ البحرية والبرية، وسطو على إيرادات الدولة، كل هذا وهل تعتقد انهم عاجزون امر انهم متورطون ؟!!!.

ويأتي معتوه ليقول من حقه جنوبي ولا شمالي، ليكتمل سخافة المشهد..

والله يستر على البلد من سلبيات هذا الاكتمال، ولله في خلقة شؤون..