وطن...حقل تجارب
بقلم/ أحمد ناصر حميدان
نشر منذ: 3 أشهر و 12 يوماً
الثلاثاء 24 ديسمبر-كانون الأول 2019 07:27 ص

ألا والله ما خلقنا لنكون مجرد فئران في حقل تجارب طائشة، كلما ارتقى بنا الوعي، واهتدينا لتجربة طيبة، تغلق كل منافذ الصراعات، وتقضي على كل مبررات الحروب العبثية، كلما برز لنا لا وعي من بين الشعاب والجبال، يرفض أي تجارب تحد من تعصباته، وميوله السيكولوجية الكامنة وراء العنف السياسي والديني والأيدلوجي.

كلما بدأنا ننهض بالعقل والمنطق، والتوافق السياسي على ما هو خير للأمة، لنبدأ مسار تغيير حقيقي لواقعنا، ونواكب متغيرات العصر، كلما جرنا تيار العصبية والتخلّف لمساره العدواني المدمّر للأمة والوطن.

رحم الله جار الله عمر عندما قال: يكفي عداء لبعضنا، واستطاع ورفاقه إخراج مشروع إنقاذ أمة في لقاء مشترك جمع اليسار باليمين والإسلامي بالعلماني، تحت مظلة وطن، تجمعنا قيم ومبادئ الدولة الضامنة للمواطنة والعدالة، نحتكم لصندوق انتخاب نزيه ونظام وقانون عادل، تكتل استطاع أن يلملم شتات التطلعات والآمال لتثمر ثورة الربيع، وكل ما يحدث اليوم هي ثورة مضادة تحاول تفكيك هذا التكتل، واعادة التطلعات للشتات والآمال للخذلان، ثورة مضادة حضر لها من يوم مقتل الشهيد جار الله عمر.

رحم الله عبدالله الناخبي- الأمين العام للحراك الجنوبي- عندما قال يكفي صراعات ودماء تسفك، لنكون شركاء في الحل، ونجلس معاً على طاولة الحوار، كان رفاقه الجنوبيون في الحوار الوطني يناضلون من أجل الحق الجنوبي سياسياً وأخلاقياً، وحققوا ضمانات هذا الحق في مخرجات الحوار، هم أصحاب الحق في الاعتراف الإقليمي والدولي بالقضية الجنوبية، في المبادرة الخليجية وقرارات مجلس الأمن.

لا يقتصر النضال على تصلب العقل، التشنج والحماس المرتفع، النضال بحد ذاته وعي وفكر مبني على قيم إنسانية عظيمة ومبادئ ساميه، النضال هي روح إيجابية تنشر حباً وسلاماً ووئاماً، وتثمر ثماراً طيبة، يتذوق طيبها الجميع دون تمايز وامتياز، النضال خبرة ومهارة تكتسب في الميادين والساحات وعلى الطاولات والمواجهات السياسية، المناضل في عملية التحوّل مثله مثل السياسي في حكومة البناء والتعمير، كلما كان تكنقراط كان أكثر قدرة على تقديم الأفضل، ليس بالضرورة أن يكون المناضل هو ذلك القادم من جبهات القتال، هو ذلك القائد العسكري الذي يحمل نياشين الفخر في مواجهة الأعداء عسكرياً، معظم خراب وخذلان الثورة ناتج من عدم خبرة ومهارة من وضعتهم الصدفة ليكونوا قادة مفرغين من الخبرة السياسية، والفكرة العلمية، بعقلية عسكري وقروي ومتخلف وعنجهية وشطح وتهور ومجازفة، دون احتساب لعواقب نتائج تلك الأعمال، وفي نهاية المطاف نكتشف أن خبرته تتسم في مخالفة النظم والقوانين والدستور، معطل للدولة الضامنة للمواطنة والحريات، ويضع نفسه فوق كل ذلك، يمتلك قوة الفرض العسكرية والإعلامية، ويتحول بقدرة قادر لقوة اقتصادية من العدم، قوة تتحدث في خطابها عن الفساد والإرهاب وتبرير كل الانتهاكات.

رحم الله الشهيد المناضل جار الله عمر، والجلد الذي تلقاه من رفاقه في اليسار، عندما اعتبروا أن اللقاء المشترك هو ارتماء لحضن الرجعية والإسلاميين، وهو ما كسر قيود التقارب والتوافق، وجمع شتاتهم في كل ربوع الوطن، في لقاءات اتسمت حينها بالإيجابية وحسن النوايا، وبناء جسور الثقة والتقارب، تبلورت الأفكار حينها في مواجهة اعتى نظام استبدادي تسلطي عائلي، وارتقوا في اختلافاتهم، وتمكنوا معاً من تحطيم الأسوار التي يحتمي بها هذا النظام والعرش الذي يتربع.

رحم الله المناضل الفقيد/ عبدالله الناخبي، عندما جلده رفاقه في ساحات النضال واتهامه بالارتماء في حضن أعداء القضية الجنوبية، وهو ورفاقه حققوا للقضية الجنوبية ما كان حلماً ومستحيلاً، وانتزعوا اعتراف القوى السياسية والإقليمية والدولية، التي يتشدق بها صغار اليوم.

غاب الكبار، وترك المجال للصغار يعبثون بوطن وشعب في حقل تجاربهم الفاشلة، برز الخطاب الناري والحماس الملتهب، بدا مسيرته بفتوى الاجتثاث، ودعوى الارتهان، والشكر لفلان، أعاد استدعاء الماضي، وأسس لصراعات أشد ألما ووجع للإنسان والوطن، مزق النسيج الوطني والاجتماعي طعن في الهوية، وحول الوطن لغابة وحوش بشرية، وساحة تناحر وتجادل عقيم، وارتهان وتبعية لأسر الرجعية وأعداء الأمة، ثم ضاعت وتلاشت أحلام وتطلعات الناس والأمة.

أخذوا وقتهم من التجربة، وجربوا فينا بتكلفه عالية من الدماء والأرواح والعبث، وسلموا أمرنا لغيرنا، حتى شبعوا مالا وانتقاماً وكراهية، وأخيرا عرفوا أن الحق ما قاله الأولون، وأن الصراع يولد صراعاً أشد وطاءة والعنف يولد عنف مضاد، وأن الحروب هي بيئة مثلى لتنامي الإرهاب وتربع الإرهابيين، ولا حديث عن محاربة الإرهاب والفساد في ظل عدم استقرار وأمان ودولة نظام وقانون ضامنة للحرية والمواطنة والعدالة، وعاد الخطاب مهزوماً يتودد من الناس الصبر والثبات، والقبول في الاستمرار في حقل من التجارب عسى ولعل أن تتحقق التطلعات والآمال، وأن اليوم الظروف الموضوعية غير مهيأة، والظروف الذاتية تغيرت مع تغيير المصالح والتحالفات التي فرضتها تلك المصالح، والنهاية نكسة وخذلان لشعب، بعد انشغالهم في إدارة أعمالهم واستثماراتهم وعقاراتهم والموزعة على دول العالم ما عدا وطنهم إن كان فعلاً لازال وطنهم.