قذارة الحرب
بقلم/ أحمد ناصر حميدان
نشر منذ: 3 أشهر و 4 أيام
السبت 28 ديسمبر-كانون الأول 2019 05:12 ص

قذارة الحرب

أقذر الحروب هي التي تستهدف الإنسان، قيمه ومبادئه وأخلاقياته، وتشحنه كرهاً وحقداً وانتقاماً، وتعيد روح العصبية فيه، لإظهار أسوأ مكنوناته من مناطقية أو طائفية، لتوهمه أنه الأحق والأصلح بالحكم، وعلى الآخرين طاعته.

وأكثر دناءة هو استثمار المظالم والقهر، بفن البحث في قمامات الماضي، والاختيار من أطباقه وجبات تغذي الكراهية وتدفع للعنف الانتقام والروح السلبية المدمرة، لتجعل من الأفراد والجماعات معاول هدم، يهدمون فيهم إنسانيتهم وثقافتهم المدنية، وعدالة قضيتهم، لجعلهم معاول هدم فكرة الدولة الضامنة للمواطنة والحقوق، الدولة التي ستنصف الجميع وتنصفهم.

الدولة بشخصيتها الاعتبارية كمؤسسات وثقافة، تحترم النظم والقوانين والدستور، ترسيخ ثقافة الاحتكام لمؤسسات ضبط إيقاع الحياة والعلاقات، التي تحد من التطاول على حقوق الآخرين وأطيافهم وأعراقهم، واحترام اختياراتهم ومواقفهم وحقهم بالحياة كما يحلو لهم، بحيث لا ضرر ولا ضرار.

الدولة التي تضمن عدم الانفلات، لتزج بالبلد لفراغ مؤسسي وقيمي وأخلاقي، بخطط شيطانية تترك فراغاً تملئه القاذورات، وعقليات متخلفة مشحونة عصبية، لا تستطيع التعايش مع نظم منضبطة وقوانين ضابطة.

وعندما تغيب ثقافة الدولة، يتاح المجال لثقافة لا دولة (للفوضى), تجعل من الوطن مجرد غابة، كلا يبرز عضلاته في وجه الآخر، حيث تغيب العقلانية والمنطق، يتصدر المشهد التوحش والجشع والأنانية، والصراخ المرتفع، تفريط بالسيادة والإرادة ليتاح المجال لتدخلات مهينة ومعيبة بحق وطن وإنسان.

انفلات يترك شروخاً يتسلل منها العفن، يفسد الحياة، عفن يستهدف كل خير وأخيار، كل المناضلين الصادقين في نضالهم، والقابضين على قيمهم ومبادئهم ومن صعب تخليهم عن أخلاقياتهم وإيمانهم بعدالة القضية التي يحملونها وسيادة الوطن، وتستبدلهم بمجموعة من المنافقين واللصوص والفاسدين والعنصرين، وكل ما يمكن إدارته بطعم ومطامع شخصية، فيحدث ما يحث اليوم من بسط ونهب وقتل واتهام وتخوين خارج إطار النظام والقوانين الوضعية والسماوية.

بل انفلات يستهدف الجنوب كقضية، بزرع كيان يفرق أكثر مما يلملم شتات الناس، يصدع أكثر مما يرأب التصدعات، يوسع الهوة أكثر مما يبني جسور للثقة، يرسّخ العصبيات الصغيرة، ويجعل الناس في تناحر، وسباق على المصالح والتسلط والتملك والفساد الروحي والمادي، فلا غرابة لما يحدث في عدن، ولا استغراب لعدم تجاوب المسيطر لصراخات واحتجاجات الناس وغضبهم، كيان خيب آمال الناس، وتحوّل لمجرد متسوّل للرواتب والخدمات، عاجز عن تقديم نفسه كبديل لو لشبه دولة، تضبط إيرادات المناطق التي تحت سيطرتها، لتديرها وفق استحقاقات الدولة المعنية بالرواتب والخدمات، المعنية بالأمان والأمان، المعنية بالنظام والقانون، المعنية بالعدالة والإنصاف، المعنية بالسيادة والإرادة.

يسأل الناس هل وجد ليكون أداة تكريس لخيبات، وهل صنع خصماً للدولة، يحمي مصالح لا دولة، ليكون الصورة السياسية للإعاقة والتغيير والتحول المنشود، النظام الديمقراطي المصدع للجوار والإقليم الغير ديمقراطي؟.

هل صنع ليكون مجرد كيان يرتب وينظم احتجاجات ومطالبات كأداة ضغط سياسية بيد أطراف النزاع الإقليمي، وأداة ضغط عسكرية لتحقيق أطماع إقليمية؟.

الناس اليوم تلعن كل الشعارات التي رفعتها بالمسيرات، كما لعنت الوحدة بسبب منظومة حكم فاسدة، تلعن الانفصال بسبب منظومة كيان عاجز وفاسد خيب آمالهم، وقدّم لهم مستقبل الانفصال بصورة مشوهة تتعارض وتطلعاتهم وآمالهم وقيمهم ومبادئهم العادلة.

الناس في حالة من الضغط لامثيل له، رواتب غير منتظمة، خدمات تنهك وتنهار، انفلات أمني والسلم الاجتماعي مفقود، العدالة والإنصاف معدومة، شرعية هزيلة وكيان أكثر هزلاً، وتحالف طامع يحاول كسر إرادة الناس وسلبهم كرامتهم وسيادتهم على بلدهم، سيدفعهم هذا الضغط لبروز كتله وطنية تقاوم وتتصدى لكل هذا العبث لتحمي وطناً ومستقبل أمة وشعباً احتمل الكثير والكثير ولم يعد قادراً على الاحتمال، بل سيكون مقاوماً وبشراسة لا تلين.