ثورة فبراير.. نبراس التحول
بقلم/ أحمد ناصر حميدان
نشر منذ: 4 أشهر و 25 يوماً
السبت 15 فبراير-شباط 2020 01:42 ص
 

تسع سنوات من انطلاقة ثورة فبراير الشبابية الشعبية، ثورة ليست حزبية ولا أيدلوجية، ولم تكن طائفية ولا مناطقية، حملت همّ الجميع، وأخذت على عاتقها قيم وأخلاقيات وطن يستوعب الجميع، مع الحفاظ على التنوع الفكري والثقافي والسياسي والعرقي، كفسيفساء تزهو بالثورة، لتجعل من ذلك التنوع والاختلاف فيضاً من الثراء لا من الوحشية والعداء، ودافعاً حقيقياً للنهضة والتطور.

ثورة سلمية تنبذ العنف، وتصر على التغيير بالأفكار والآراء، لتنتج تحولاً سلساً وناعماً، ثورة فرضت واقع الحوار الوطني، ليصيغ كل الأهداف والأفكار المتداولة والرؤى المختلفة، كنصوص عملية وقوانين فاعلة، ودستور كعقد اجتماعي ملزم للجميع ومنظم للحياة والعلاقات، وكان لها في مخرجات ذلك الحوار ومسودة الدستور، اللذين ازعج القوى الرافضة للتغيير، قوى الاستبداد الديني والسياسي، وقوى الفساد والنفوذ والمصالح الضيقة، والمشاريع الصغيرة.

لكل يمني أصيل كان جنوبياً أو شمالياُ فبراير، أمل في التحرر من هيمنة وتسلط ذلك النفوذ الذي جثم على كاهل الشمال دهراً والجنوب ربع قرن، وصحر الحياة فيهما وجرف خيراتها، مما جعل من اليمن بلداً مرتهناً للوبي الفساد وعصابات النهب والتسلط، المدعومة بدول وأنظمة، لا تريد لليمن أن ينهض، بل تريده مجرد حديقة خلفية، تضم عدداً من الفقراء الباحثين عن لقمة عيش، يقدمونها لهم مغمسة بالذل والهوان، بعد أن تسلب منهم كرامتهم وسيادة وطنهم.

لا قيمة لفبراير كواقع يفرض بالقوة، لا على الجنوب، ولا على الشمال، بل هي حاجة تلبي تطلعات وآمال الجنوب والشمال معاً، تمثل التحرر والاستقلال من ذلك النظام، هذا المشروع الكبير والنبيل والسامي الذي حملته فبراير، أزعج أصحاب المشاريع الصغيرة، وها هي اليوم بعد أن صارت جزءاً أصيلاً من الثورة المضادة لفبراير، تتضح مساوئها، وتفوح روائحها الكريهة، روائح نتنة أزكمت الخيرين، ونشاهدهم اليوم يتبرؤون من تلك المشاريع، وبقت ثورة فبراير السلمية نبراسهم، يتمنون لو أنهم ظلوا صدوراً عارية تتصدى لرصاص الغدر والظلم والقهر بشرف، دون أن يحملوا السلاح في وجه بعضهم بعضاً، ويتحملون وزر نتائج هذا السلاح، لتجرفهم معارك دموية، وتصفيات حسابات أيدلوجية وعقائدية، ويجدون أنفسهم في خضم حرب إقليمية، ضحيتها وطن وشعب وأمة متطلعة لمستقبل وطموحه بصيغة عادلة لدولة المواطنة والحريات ترفض الاستبداد والتبعية والارتهان لغير ذلك الوطن.

مجرد أن تقرأ وثيقة مخرجات الحوار الوطني، وتتمعن بوعي لمسودة الدستور، وتقارن بواقعنا اليوم، تصاب بحالة من القهر لا مثيل لها، ماذا كانت تريد لنا فبراير من خير ؟ وما أردنا لأنفسنا من شر..

تلك المليشيا في الشمال والجنوب، والعبث هو نفس العبث، كل القوى الناعمة والمثقفة والمفكرين والعقلانيين، كل دعاة وحدة الصف والمصير والتوافق، مغضوب عليهم، وتصدر المشهد قوى عنيفة ومتخلفة ومتعصبة وأصولية و كارهة ومنتقمة، هي اليوم كارثة بكل المقاييس، كارثة أصابتنا في العمق في مرحلة فاصلة من مراحل التاريخ المعاصر التي تلبي طموحات وآمال الناس في الدولة المنشودة، كارثة تتعامل مع الآخر بازدراء ودونية، غير أمينة في حمل السلاح، وهي تستخدمه في ترويع الناس، وفرض واقع يرفضه الناس.

كارثة بلد غير آمن، بلد يتعرض للنهب والسطو، وأراضيه تستباح، برجال بزيهم العسكري والأمني، والإرهاب يغتال الآمنين بالطريق العام وفي وضح النهار، وقوات مسلحة هنا وهناك لا تجد فيهم من تحرك ضمائرهم تلك الأعمال، وإن أخطأ فرد من تلك الجماعة، وتصدى له الشرفاء من الناس، تهب جماعته لتستنفر قوتها ضد العزل والمدنيين والطامحين بدولة النظام والقانون، والكارثة تسبب عدداً من الكوارث، تهدر كرامة الناس في الشارع العام، أو مداهمة مساكن الآمنين والمطاعم والأسواق وسطو وبسط على الأراضي والمتنفسات والأملاك العامة والخاصة.

فبراير ترسل رسالة مفادها، أن الوطن ليس جغرافيا و وحدة جوار أو ساحة لمناطحة الأثوار، لأجل أن يرث الحكم عجلاً من صلب ذلك الثور، الوطن حلم كبير غني بالقيم السامية والنبيلة، وطن الوعي والعدالة والانسانية والبشرية، وطن الكرامة والعزة والآباء، وطن الحرية والعدل والمساواة.