كتب / سامي الكاف
كتب / سامي الكاف
عدد المشاهدات : 177   
المواجهة الحاسمة التي لا مفر منها
  

  * من الواضح تماماً، بعد مرور أكثر من عام على توقيع اتفاق الرياض، أن هناك من لا يريد تنفيذه، ربما لاعتقاده أن أمر تنفيذه سيضع نهاية لمشروعه، أو لعله سيضعه في مفترق طرق: فإما ينحاز إلى مشروع اليمن الواحد الكبير الذي يضم الجميع بلا تمييز لأي سبب من الأسباب، أو يقف ضده. 

  

ثمة حقيقة تقول ان السياسات التي تنتهجها الكيانات السياسية، الساعية إلى تبني مشاريع صغيرة، دائماً ما تفشل في مواجهة المشاريع الكبيرة؛ فالأولى اقصائية، والثانية جامعة. 

  

يقول رئيس حزب الإصلاح، وهو أكبر وأهم كيان سياسي في الساحة اليمنية، في منشور نشره على صفحته الشخصية في موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، أمس الأحد: "إن عدم تنفيذ ما تم الاتفاق عليه من تنفيذ الشق العسكري والأمني سيجعل ولادة الحكومة أمراً متعسراً وغير قابل لأعذار لا معنى لها ولا تصب في مصلحة أحد ...! 

  

إن الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك.. والأمر بالخيار، إما الاستفادة من الوقت أو الشتات في الأمر...!!". 

  

ولكن ما هي السياسات التي تم انتهاجها في سياق المشهد السياسي الراهن خلال السنوات الست الماضية في ظل فشل تنفيذ اتفاق الرياض بكامل بنوده ونصوصه حتى الآن؟! 

  

يقول واقع اليوم، بكل وضوح، لا نفعت سياسة "قضم الشرعية كل يوم قضمه قضمه" لإضعافها تحجيماً لدور حزب الإصلاح، الأهم على مستوى الساحة اليمنية، ولا تم استعادة هذه الشرعية كهدف أساس مُعلن من قبل التحالف رغم مرور كل هذه السنوات الفائتة؛ بل على العكس، استمرت الشرعية بكل ما فيها من أخطاء وعثرات وصراعات وتكتلات، رافعة شعار الحفاظ على [يمن اتحادي كبير يضم الجميع]. 

  

ولا سياسة تنصيب المجلس الانتقالي ليكون ممثلاً وحيداً لجنوب اليمن، نفعت هي الأخرى، حتى وقد جعلوه كياناً في موازاة دولة منذ أول يوم لتأسيسه في مايو ٢٠١٧، ليس لأنها سياسة إقصاء عقيمة لم ولا تضع في اعتبارها صعوبة الوضع المعقد في ظل تعدد الكيانات الجنوبية، واستخفافها بثقل صراعها المناطقي الممتد إلى ما قبل ١٩٦٧، بل ولأنها - أيضاً - سياسة تهدف إلى ضرب النسيج الوطني وتفتيته عبر مشروع الجنوب العربي.

  

ولا نفعت، كذلك، سياسة مواجهة الحوثي والانتصار عليه مستندة إلى كيانات جديدة، متعارضة الأهداف والتوجهات، علاوة على أن لا أحد يعرف الأسباب الحقيقية لخلقها، وهي التي، فوق هذا وذاك، لا تعترف بالشرعية مثل "حراس الجمهورية"؛ فحوثي اليوم في ٢٠٢٠، حتى وهو يستند إلى مشروع سلالي رجعي لا إنساني يهدف إلى تقسيم المجتمع اليمني إلى سادة وعبيد، ليس هو حوثي الأمس في ٢٠١٤.

  

ولذلك؛ لن تفلح أي سياسة ساعية إلى إقصاء أي طرف من الأطراف اليمنية صغيرها وكبيرها على حد سواء؛ لا نفعت ماضياً، ولم تفلح حاضراً، ولن تفلح مستقبلاً.

  

ما لم نضع هذه التداعيات، كنتائج ماثلة على الأرض، لمواجهة كل هذه السياسات، المُشار إليها بعالية، مواجهة حاسمة لا مفر منها، كأساس لأي تسويات تفاوضية سياسية قادمة، من خلال فهمها في سياقاتها التداعياتية الخطيرة، كما هي لا كما يريد هذا الطرف أو ذاك أن تبدو، فلن تنجح أي جهود للوصول إلى حل سياسي عادل لكل الأطراف في كل اليمن. 

  

وقد كنتُ بتاريخ ٣ أبريل ٢٠١٨ كتبتُ بوضوح تام خارطة طريق:

((في قراءة موجزة، للمحطات التي مررنا بها، في شمال وجنوب اليمن، قراءة موضوعية لمكامن الخلل التي جعلت الجميع يغرقون في دوامة لا متناهية من الصراعات، يمكن القول ان المراهنة في الوصول إلى حل سياسي عادل، أمر لن يتم إلا من خلال الاستناد إلى ان الدولة لا يمكن لها أن تقوم عن طريق استثناء طرف أو أطراف لطرف أو لأطراف أخرى، كما أن الإرادة الشعبية الجمعية لا يمثلها طرف دون طرف، ولا يمكن احتكارها من قبل طرف على حساب طرف أو أطراف أخرى.

  

ان فهم مثل هذه الحقائق، تلك الحقائق التي لا تقوم على الإقصاء، من شأنها في نهاية المطاف ان تُمكّن جميع الأطراف السياسية من الوصول إلى طاولة المفاوضات، وإلا فإننا سنظل نراوح ذات المكان، واستمراره على هذا النحو، هذا النحو المتمثل في اللا دولة، سيؤدي تالياً إلى ظهور قوى أشد تطرفاً تتصارع داخل دويلات متناحرة لا لغة يجمعها غير لغة السلاح.

  

ان أي توجه لقوة، أو لقوى تريد أن تنفرد بالحكم على حساب قوة أو قوى أخرى، توجه لا مستقبل له، وهو ما سيقود الجميع من جديد إلى مربع صراع تناحري، أشد وطأة من سابقه، إذ هو في هذه الحالة توجه، يقوم على إقصاء الآخر حتى لو بدا في نظر من يعتقد أنه الأقوى هو الحل الوحيد له، ذلك أنه ببساطة يجتر من تجارب الماضي الفاشلة، ليعيش وفقها حاضراً و يريد فرضها على الجميع كعنوان للمستقبل..!)) 

      

أُرسلت أطفال الحرب ... ليث أنموذجا 

 

محمد مصطفى العمراني 

 

في 13 مارس آذار 2015م ولد ليث وبعد 13 يوما من ولادته وبالتحديد في 26 مارس آذار 2015 أطلق التحالف السعودي الإماراتي عملياته العسكرية في اليمن تحت مسمى " عاصفة الحزم" ليبدأ ليث معنا السنوات العجاف من الخوف والرعب والقصف والنزوح والتشرد، مع دوي انفجار أول صاروخ سقط بالقرب من حينا حيث أهتز المنزل وسقطت بعض النوافذ صرخ ليث فزعا فحملناه على عجل ونحن نتعثر ونجري ونصرخ وكأن القيامة قد قامت للتو، كانت الزوجة لا تزال مريضة بعد العملية القيصرية التي أجريت لها لكننا هرعنا مع بقية السكان إلى بدروم العمارة المليء بالأثاث المهمل الذي يعلوه التراب وتسرح تحته القوارض، انتحينا نحن الرجال جانبا وبقيت النساء والأطفال في الجانب الآخر، كان الصراخ من كل جانب واختلط بكاء النساء مع صراخ الأطفال وصيحات الكبار، كنا نحاول تهدئة الأطفال ونطمئن بعضنا بأن ما يحدث هو قصف خاطف على المطار والمعسكرات وسيتوقف، بعد هدوء القصف عدنا إلى الشقة وما كدنا نصل حتى عاودت مقاتلات التحالف القصف فعدنا إلى البدروم مرة أخرى .!

  

وبقينا على هذا الحال أسابيع وأشهر في جو من الرعب، ليث يصحو فزعا ويظل يصرخ لقد أصيب الطفل بصدمة ورعب أثر على صحته ولم يستطع النطق حتى الآن، ما يزال يتأتأ ببعض الكلمات كما أصيب بصور ذهني بسبب الفزع.

  

نزحنا من المنزل الكائن في حي النهضة قرب الفرقة الأولى مدرع إلى حي عصر، فررنا من قصف الفرقة إلى قصف جبل عطان الذي ظل هدف ثابتا لمقاتلات التحالف لسنوات، ليث وأمه وأخته ذات الست السنوات حينها أصيبوا بنوبات فزع وتشنج مستمرة، كانوا ينامون لدقائق فقط ويصحون فزعا وكنت أقضي وقتي ساهرا أهدئ من روعهم وأعطيهم أقراص الدواء المنوم ولم أعد أتذكر: متى كنت أنام ؟!

  

ولأن الشقة التي كنا نستأجرها في حي النهضة قد تطايرت نوافذها بسبب القصف المتواصل على معسكر الفرقة المجاور فصارت الرياح تزوعب فيها فقد تركناها وغادرنا إلى منزل أحد الأقارب بحي عصر والذي كان مسافرا خارج اليمن، تركنا أثاثنا للأقدار، لم نكن ندري متى سنعود وكيف سيكون الحال في الغد وإلى أين سنمضي؟!

  

ومضت الأيام وليث ما يزال عاجزا عن النطق ومصابا بالقصور الذهني كما أصبت أنا بمرض السكري بسبب الرعب والخوف حيث عاينت الموت مرات عديدة، بحثنا عن طبيب لعلاج ليث ولكننا لم نجد سوى عبارة " ننصحكم بالسفر إلى الخارج " ومع هذا بقينا في صنعاء بين الخوف والرعب وتحت القصف من 26 مارس آذار 2015 إلى 26 أبريل نيسان2018 حيث غادرنا صنعاء إلى مصر للعلاج وبعد رحلة طويلة وشاقة من صنعاء إلى سيئون وبعد انتظار لأسابيع فيها تمكنا من السفر إلى القاهرة.

  

في صنعاء كان كل من يلقاني ينصحني بالسفر فكوني صحفيا فهذا يعني أنني في خطر وعرضة للاختطاف من قبل الحوثيين لكنني قررت البقاء رغم الخطر، خطر القصف العشوائي الأعمى لمقاتلات التحالف وخطر الاعتقال بسبب وشاية رغم أني قد توقفت عن الكتابة ولكن عندما تدهورت صحتي بشكل كبير اضطررنا للسفر.

  

ثلاث سنوات في صنعاء لم يغمض لي جفن ولم أذق طعم النوم بعمق ولم أعش يوما بطمأنينة، كان خوفي من القصف أكثر من خوفي من الاختطاف وكان حال الطفل ليث قد أضاف لي هما آخر إلى همومي الكثيرة، أشتعل الرأس شيبا وأحسست أنني قد دلفت إلى مرحلة الشيخوخة خلال سنوات.!

  

 ليث طفل الحرب الذي عانى الكثير وفقد قدرته على النطق وتعرض معنا للمعاناة والخوف والنزوح والتشرد ولكني أعزي نفسي بأن طفلي أفضل حالا من ملايين من أطفال كثيرون قتلوا بالقصف وبالخوف والمرض وبرصاص الأطراف المتحاربة في مناطق عديدة، أطفال أصيبوا بجروح وآخرون فقدوا أطرافهم وغيرهم فقدوا عائلهم وتشردوا وتوقفوا عن التعليم وزج بهم في جبهات القتال، لقد رضعوا المآسي والمعاناة ودفعوا ثمن الحرب التي يتاجر بها الكبار.

  

في القاهرة ذهبنا إلى طبيب متخصص في التخاطب والقصور الذهني، كنا نسافر من حي الفيصل إلى مدينة مصر الجديدة كل يوم لكي يتلقى ليث دورس في التخاطب وتقوية الذهن، نصرف يوميا ما يقارب 400 جنيه تكاليف المواصلات فقط وهي حوالي (15 ألف ريال يمني) هذا غير تكاليف الجلسات وخلافه، بعد 20 يوما اضطررنا للتوقف بعد ان أرهقنا ماليا ولم يعد علاج ليث يمثل لنا أولوية.!

  

فررنا من الخوف والرعب والقصف إلى الغربة، والغربة حرق للعمر، جربناها لسنوات ووجدناها أمر من العلقم حتى لو كانت الأسرة كلها معا فقد بقينا في غربة وظلت في قلوبنا وحشة وفي حياتنا أشياء ناقصة وظل فينا شيئا من الذل والانكسار والشوق لليمن بكل ما فيه.

  

أسأل ليث: ماذا تتمنى أن تكون عندما تكبر؟ فيحدق في ببراءة دون جواب فتتداعى في قلبي جدران كثيرة من الأحلام والطموحات وأشعر أن شراييني وأوردتي تتمزق حزنا على طفلي الذي يدفع ثمن الحرب التي لم يكن له ذنبا فيها.

  

 تمنيت أن يكون ليث كبقية الأطفال يعيش حياته بشكل سوي يلعب ويمرح ويتحدث ثم يدخل الروضة والمدرسة ويعيش حياته كبقية الأطفال ولكن ما كل ما يتمنى المرء يدركه.

  

 قبل أكثر من عام تم ترحيلي من مصر بسبب كتاباتي الناقدة للإمارات والسعودية فعدنا إلى اليمن، عاد ليث وأمه إلى صنعاء وبقيت في حضرموت، حاولت أم ليث إلحاقه في رياض إحدى المدارس الأهلية فهو يحتاج رعاية واهتمام من نع خاص ولكنها رغم كل الجهود لم تجد له مكانا فكل المقاعد مليئة. 

  

عادت الأسرة إلى صنعاء وبقيت في وادي حضرموت أتجول بين المدن والفنادق ومنازل الزملاء الإعلاميين، أعيش الغربة في حضرموت، ويعيش ليث الغربة في صنعاء، تخبرني أمه أن يحدق في صورتي ويقول: بابا ويجهش في البكاء، فتعود جدران القلب للتداعي وأردد وأنا أذرف دموعي: وأنا اشتقت إليك يا ابن الذين تشردوا..