ياسين التميمي
ياسين التميمي
عدد المشاهدات : 337   
معركة مأرب وتداعياتها الإقليمية
لا شيء أكثر حضوراً من محافظة مأرب في المشهد اليمني المشتعل بمعارك حامية الوطيس؛ أشدها عنفاً وعناداً وتضحيات تلك التي تدور رحاها في محيط العاصمة الإدارية للمحافظة، التي تحتضن الملايين من خيرة أبناء اليمن، المتشبثين بحلم استعادة الدولة والمكافحين والباذلين الأرواح حتى لا يسقط الملاذ الكريم الذي وفرته مأرب لهم، وبهم شعر أبناء المحافظة بالعزوة والأمان، وزاد عنادهم وكبرياؤهم أمام هجمات المليشيا الطائفية المدعومة من إيران.
على أبواب هذه المدينة يموت الآلاف من المقاتلين الذين دفعت بهم القيادة السلالية لما بات يعرف بـ"أنصار الله"، وهو اسم مستنسخ من الإرث الحركي للحرس الثوري، الذي أنتج عشرات الجماعات المسلحة الدائرة في فلك منظومة شيعية موتورة ومسلحة بإرث تاريخي مثقل بالادعاءات والأكاذيب، وغرسها مثل ألغامٍ موقوتةٍ في العراق وسوريا ولبنان واليمن والبحرين.
تخوض مليشيا الحوثي الحرب بتقنية إيرانية خالصة، حيث لا تدخل التضحيات البشرية والقتلى والأسرى ضمن حسابات المعركة، إذا ما حققت هدف الإغراق الذي يراد له أن يُنهكَ الطرف الآخر في المعركة، وهو الجيش الوطني والمقاومة ورجال القبائل. لكن قوات الجيش والمقاومة استطاعت على مدى نصف شهر مضى استيعاب هذه الهجمات وصدها، وإلحاق خسائر فادحة في صفوف مليشيا الحوثي وآلياتها.
لكن السؤال الذي يحضر أمام جلال اللحظة وخطورتها بالنسبة لمأرب ومصيرها، ومعها الشرعية والمشروع السياسي الذي تمثله، هو ما الذي جعل الجيش الوطني والمقاومة اللذين يساندهما التحالف بقيادة المملكة العربية السعودية يتحولان إلى موقع الدفاع؛ بعد سنوات من التموضع في موقع الهجوم والمكاسب الاستراتيجية الثمنية على الأرض؟
والإجابة هي أن هذا التحالف هو نفسه الذي أوصل القوات الحكومية إلى مرحلة الدفاع الحرج على واحدة من أهم معاقل السلطة الشرعية، التي يستقر رئيسها في العاصمة الرياض منذ بدء الحرب، مجرداً من أي خيار حاسم لإعادة توجيه المعركة لصالح معظم اليمنيين الحريصين على دولتهم الموحدة ونظامهم الجمهوري الديمقراطي التعددي، هذا إذا افترضنا أن هذا الرئيس لا يزال يمتلك إرادته أو يفكر بعقل من يمثل بلداً وازناً مثل اليمن.
لو عرض الموقف العسكري في مأرب على كل ذي عقل فسيذهله هذا التفريط الذي تقوم به السعودية في محافظ1ة متاخمة لحدها الجنوبي، وهي التي ترفع شعار مواجهة المد الإيراني على الساحة اليمنية، متجاوزة حق اليمنيين الطبيعي في توجيه مسار المعركة نحو هدف سياسي متحرر من الأجندات الطائفية والأيديولوجية، وهو استعادة الدولة وإعادة فرض الديمقراطية التشاركية.
في السنوات الأخيرة من الحرب سددت إيران أهدافاً عديدة وخطيرة في المرمى السعودي، وضربت هذا البلد العربي الكبير في أهم مرافقه الحيوية وهددت وجوده، ودفعت به إلى استجداء الشراكات الدفاعية مع القوى الكبرى.
ومع ذلك لم نر على الساحة اليمنية ما يشير إلى أن الرياض تعيد توظيف وجودها العسكري في إنهاء المخاطر المشتركة التي تحيط بالبلدين؛ على أساس تقاسم المخاطر والاستعداد للتصرف مع اليمن كشريك يمتلك قراره، وما نراه هو المزيد من إيقاد الحرائق التي تلتهم الحلفاء وتلتهمهم.
وفي مقابل الاستهداف الأحمق الذي تمارسه الرياض ضد حلفائها بغية تحقيق أهداف تكتيكية، من بينها هزيمة الإخوان المسلمين واستئصالهم بعد وفاق تكتيكي معهم استمر لعقود، لم تتردد إيران في التصرف ضد إرادة المجتمع الدولي. فقد أوفدت في تشرين الأول/ أكتوبر 2020، ضابطاً كبيرا في الحرس الثوري ليلعب دور السفير في صنعاء؛ المدينة التي لا يعترف بسلطة الأمر الواقع المهيمنة عليها سوى إيران ومنظومة المليشيات الطائفية الموالية لها.
ليس لدي أدنى شك في أن للرياض هدفا في استنزاف من يفترض أنهم حلفاؤها، وهو هدف لطالما تأسست الشراكة العسكرية السعودية الإماراتية على إنجازه، وبات هدفاً أكثر إلحاحاً في عهد ترامب الذي دفع بالبلدين إلى مرحلة من القطع مع الخلفية الإسلامية لنظاميهما، كتعويض للتخلي عن الدور الإيراني الذي كرسه الاتفاق النووي بناء على حسابات وتصورات تبناها الديمقراطيون في عهد أوباما ويبدو أنهم عادوا إلى مقاربتها في عهد بايدن.
من المؤسف حقاً أن الرياض تصرفت كبلد يمتلك كل ممكنات القوة للتحكم بمجريات الأحداث في اليمن، متجاهلة أن إيران لا توفر الجهد أو الوقت للاستحواذ على بلد يزيد عدد سكانه عن 35 مليون نسمة، مستثمرة خامةً طائفية مرنةً قابلة للتشكل والتصلب لتتحول من الزيدية إلى الإثني عشرية، على نحو ما تؤكده الحسينيات المنتشرة في العاصمة صنعاء وصعدة وذمار.
لذا ليس من المستبعد أن يكون حصاد الرياض مراً وثقيلاً إذا لم تتدارك المخاطر المحدقة بمأرب، والتي تتكرس، ليس لأن المدافعين عنها تنقصهم الشجاعة والمراس، ولكن لأن السعودية منعت عنهم المدد والعدد، وحرمت حكومتهم من التصرف بمواردها وأسلمتها إلى جماعة انقلابية هي المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي يتحكم بعدن ويضيِّقُ الخناق على الحكومة، رغم علم الرياض بأن تلك الجماعة تتقاسم الولاء لطهران والرفض المبطن للدور السعودي في اليمن.