ياسين التميمي
ياسين التميمي
عدد المشاهدات : 250   
كورونا يكرس مشهد الموت في تعز
  

حل علينا شهر رمضان المبارك، بعظمته وجلاله وصفوه ونقائه، لكن جائحة كورنا تكفلت هذا العام بوأد الفرحة بمقدمه، بعد أن حولت البلاد إلى سرادق عزاء كبير، بما لا يسمح بإحياء العادات اليمنية الرمضانية المتميزة المتوارثة بالمستوى ذاته من الألق والفرحة والاستبشار، والأسوأ من ذلك أن تأثير الجائحة سيضاعف من حجم الخسائر الهائلة التي يتكبدها اليمن على المستويين الإنساني والمادي جراء استمرار الحرب المفتوحة.

 

وإذا قمنا بتركيز النظرة على جغرافية اليمن المتعبة فسنجد أن كورونا تزداد فتكاً بمدينة تعز الواقعة إلى الجنوب الغربي من البلاد، وعاصمة المحافظة التي تضم كتلة سكانية هي الأكبر بين محافظات اليمن، لتضيف إليها أثقالاً فوق الأثقال وآلاماً فوق الآلام.

 

فبينما كنت أكتب هذه السطور وصلني خبر رحيل أحد أصدقائي، وهو ضابط بحرية برتبة عقيد بعد إصابته بكوفيد-19، حينما كان يكابد للوصول إلى أحد المشافي الكبيرة الواقعة في صنعاء، للحصول على رعاية صحية أفضل هناك، لكنه لم يتمكن من الوصول إليها إذ كان يتعين عليه أن يقطع مسافة لا تقل عن 250 كيلومتراً، فيما تتوارد الأخبار عن إصابات يتعرض أشخاص يقعون في دائرة معارفي الشخصيين، وهو قياس يشير إلى اتساع نطاق الجائحة وأثرها المميت خصوصاً في ظل غياب الإمكانيات وانهيار المنظومة الصحية.

 

الأمر أيضاً ينطبق على العاصمة صنعاء الواقعة تحت سيطرة الحوثيين التي تعاني هي الأخرى من تفاقم الجائحة وتأثيرها القاتل، رغم وجود بنية صحية أفضل ودعم لا يتوقف عبر طائرات الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر الدولي؛ يخففان إلى حد ما من حجم المعاناة، وهو ما لا تحصل عليه مدينة تعز المنكوبة، في وقت توصف فيه الموجة الجديدة من الجائحة بأنها الأقسى والأخطر والأشد فتكاً.

 

فالموت الناجم عن جائحة كورونا يفتك بسكان مدينة تعز وبالمناطق الريفية للمحافظة، الأمر الذي يتسبب في كلفٍ عاليةٍ يتحملها المرضى وذويهم، خصوصاً أن الحوثيين الذين يسيطرون على القسم الشرقي والشمالي الغربي من المحافظة لا يقومون بأي شيء لمواجهة الجائحة، ولا يقدمون ما يمكن تقديمه من رعاية صحية مفترضة للمرضى.

 

العائلات تفقد أعزاءها وتبكيهم مرتين؛ مرة حين يصابون بالوباء ومرة حينما لا يستطيعون الحصول على فرصة لعلاج مرضاهم، فيموتون دون رعاية ودون قدرة على توفير هذه الرعاية.

 

المنظمات الدولية تركت تعز لوحدها، والحكومة عاجزة في ظل وضعيتها الراهنة عن تلبية احتياجات المحافظة فيما تتساقط المزيد من قيادات السلطة المحلية موتاً بكوفيد-19، مما يعطي مؤشراً واضحاً على تدهور القطاع الصحي في تعز، خصوصاً بعد تراجع المساعدات التي كانت تصل إلى تعز من الجمعيات الخيرية والتبرعات الإنسانية المقدمة من الدول الشقيقة والصديقة، بسبب القيود والعراقيل التي وُضعت أمامها نتيجة للسياسات العدائية التي كرستها الإمارات، وهي تصد كل محاولة لمد يد العون للمحافظة.

 

لم يكترث أحد للأثر الناجم عن التراجع الخطير لوتيرة العون الإنساني الذي كانت تقدمه منظمات عربية خصوصاً من قطر والكويت، نتيجة الممارسات الهمجية التي تكفلت بها مليشيا مسلحة محسوبة على الإمارات في عدن ومينائها الشهير، فيما لا تزال المنظمات الإنسانية التركية تواصل تقديم ما بوسعها تقديمه رغم الموانع الكثيرة والاستهدافات المباشرة لأطقمها الميدانية.

 

تتعرض تعز للإهمال وتفقد خيرة كوادرها الأكاديمية والعلمية والإدارية تحت وطأة هذه الجائحة، فيما تتسع دائرة استهداف المحافظة، انطلاقاً من قناعات أيديولوجية مشوهة ورغبة محمومة في احتواء المحافظة وأبنائها، وكسر إراداتهم، عبر اصطفافات سياسية وعسكرية دفعت بتعز وجيشها الوطني ومقاومتها لأن يصبحوا في قائمة أهداف الأجندة العدائية للحوثيين المدعومين من إيران، والانفصاليين الجنوبيين المدعومين من الإمارات، وتركة النظام السابق العسكرية في الساحل الغربي، وأذرع الإمارات في مفاصل صنع القرار السعودي، وفي ظل غض طرف مثير للاستغراب، وسكوت لا يمكن فهمه من جانب السعودية وقواتها المتواجدة في عدن عن سياسات حصار تعز.

 

إن متلازمة الحرب وكوفيد-19 تهدد بتقويض ما بقي من إمكانية وجود لليمن الذي يعاني من نزيف بشري حاد، واقتصاد متضعضع، وانسداد في الأفق السياسي، وسط تسارع خطير لوتيرة التغيير في البنية الهوياتية التي تعمق من الانقسام الاجتماعي وتخلق خطوط صدع مذهبية؛ اليمن في غنى عنها اليوم وفي كل وقت، وهو خطر تستثمر فيه إيران لاستكمال الطوق الشيعي الذي تطمح إلى إقامته حول شبه الجزيرة العربية.

 

أتمنى السلامة للجميع.. رمضان مبارك، وكل عام وأنتم بخير