ياسين التميمي
ياسين التميمي
عدد المشاهدات : 340   
الجميع على مفترق طرق.. وهذا هو خيار اليمنيين
 

يقف اليمن بكل أطيافه وأطرافه المتقاتلة والمتدخلين الإقليميين والمؤثرين الدوليين على مفترق طرق حقيقي، بعد أن أُفرغت جعبة الحاوي تقريباً من أي شيء يمكن أن يصرفَ الأذهان عن حقيقة ما يدور على الساحة اليمنية، باعتباره مؤامرة قذرة وشديدة الانحطاط على بلدي اليمن؛ الطرف المستهدف فيها هو الشعب اليمني ودولته ووحدته وديمقراطيته .

 

هالني ما سمعته من قائد القيادة المركزية الأمريكية، كينيث ماكينزي، في مقابلة تلفزيونية مع قناة النيل للأخبار، والذي تنبأ فيها بحدوث "هجوم فظيع" على السعودية في معرض حديثه عن الهجمات الصاروخية التي يقوم بها الحوثيون على العمق السعودي بمساعدة من إيران، وتأكيده أن بلاده سوف تقدم الدعم العسكري لمساعدة القادة السعوديين على الدفاع عن بلادهم، وهو تقريباً تنبؤ أخطر ما فيه أنه يبقي المعركة مفتوحة وخطر الحوثيين سارياً دون إجراءات عقابية .

 

لم يعبث أحد في الساحة اليمنية الخطرة كما عبثت السعودية، في ظل هيمنة إماراتية لا ينكرها أحد على السلسلة العنقودية من جيل القادة الجدد المرتبطين بولي العهد الأمير محمد بن سلمان .

 

حدث ذلك رغم أن الجميع يعلم أن التصرف في الساحة اليمنية بعد 2011 لم يعد كما كان عليه الحال قبل هذا التاريخ، عندما كانت تربط اللجنة الخاصة (شعبة استخبارات مرتبطة بالديوان الملكي)، وعلى مدى ستة عقود تقريباً، كل ذي تأثير من قادة وساسة وشيوخ قبائل وقبلهم العائلة الإمامية المخلوعة وحاشيتها والعائلات السلاطينية القادمة من المحميات البريطانية في جنوب البلاد وعساكرهم؛ بأعطيات شهرية ومكرمات سخية .

  

وفي مقابل كل ذلك مارست الرياض سياسة تحييد استراتيجي للدولة اليمنية، وتمتعت بنفوذ كبير على اليمن الجنوبي اليساري والشمالي الرأسمالي، وتحولت إلى صانع قادة ورؤساء ومحركة أساسية للأحداث، وغرفة عمليات بجهوزية كاملة لتدمير قدرات الدولة اليمنية وطموحاتها الاستراتيجية .

 

كل ذلك لم يعد متاحاً اليوم، فقد دخلت إيران بمثابرة عجيبة إلى الساحة اليمنية من البوابتين الشمالية والجنوبية وبنفس طائفي صريح، وأصبحت لاعباً مؤثراً وتمكنت عبر نشاط الحرس الثوري وشبكته العنقودية من أحزاب ومنظمات في المنطقة؛ من جر معظم النخب السياسية من إعادة إنتاج نسخ مستحدثة وسيئة من النخب اليمنية، لممارسة التأثير في مجريات الأحداث وإعادة توجيه ربيع اليمن نحو نهايات نشهد ملامحها اليوم؛ في تموضع ما باتت تعرف بقوى أمر واقع وسيطرتها على الأجزاء المهمة من البلاد، ومطالبتها بتسوية سياسية تقود البلاد إلى الانفصال والتفكك، وإلى إعادة إحياء الإمامة الزيدية الكهنوتية المقبورة .

 

هذه المظاهر تشكل خلاصة تداخل مثير للاستغراب يحكمه الصراع الوجودي بين أكثر الأجندات تأثيراً اليوم، وهي الأجندات السعودية والإماراتية والإيرانية، وامتداداتها في الفضاء الدولي .

 

حينما تواطأت السعودية، وربما اشتركت فعلياً في تقويض سلطة الرئيس هادي الهشة في عدن صيف 2019 وأملت عليه - إثر ذلك - اتفاق الرياض، كان الأمر حينها يتم في سعة من السكوت الدولي الذي تماشى تقريباً مع أجند الرئيس الأمريكي المنصرف دونالد ترامب، الذي اختتم عهدته الرئاسية المثيرة للجدل بتصنيف الحوثيين منظمة إرهابية أجنبية .

   

حينها كان يمكن ملاحظة المسؤولين السعوديين المعنيين ومعهم المعلقين السياسيين والمنابر الإعلامية؛ وهم يواصلون خداع السلطة الشرعية ومعسكرها ورسم الابتسامات الكاذبة، والجميع يعلم أن ما يدور على الأرض هو في حقيقته شر محض ويستهدف الدولة اليمنية بشكل واضح، فيما كان الطرف الإماراتي يمضي قدماً في صلفه المثابر لاستهداف سيادة الدولة اليمنية .

 

ما كان للأمور أن تبقى على ما هي عليه، لذلك، فقد ذهب ترامب وجاء بايدن ومعسكره الذي أظهر عزماً مثيرا للشفقة على إنهاء الهجوم السعودي "الشرير " على الحوثيين "المظلومين"، شاهراً سلاح الدبلوماسية وحده، ومنهياً الدعم الأمريكي المفتوح للرياض، قبل أن تكتشف إدارته، وبعد جولات مكوكية للمبعوث الأمريكي إلى اليمن تيموثي ليندركينغ، أن الحوثيين هم وقود الحرب اليمنية، وأنهم أبعد ما يكونون عن السلام، بل وأكثر فزعاً من السلام .

 

واشنطن في تقديري لم تكتشف للتو أن الحوثيين رأس حربة في منظومة إقليمية طائفية، فقد سبق وأن منحت إدارة الرئيس الأسبق أوباما؛ إيران وتوابعها، وضمن ما عرف بـ"الاتفاق النووي"، فرصة ثمينة لإعادة هندسة المنطقة طائفياً وإلحاق الهزيمة بالأمة الإسلامية، التي احتُسبت ظلماً وعدواناً على داعش والقاعدة .

 

تقريباً يمكن للسلطة الشرعية اليمنية الضعيفة والمحاصرة في الرياض أن تتشارك الشعور ذاته بالخطر الوجودي (إن تبقى لديها شعور أصلاً)، بعد أن أصبحت مأرب وجيزان وعسير أهداف بل وأهم المنشآت الاستراتيجية السعودية، أهدافاً روتينية للحوثيين المدعومين من إيران .

   

والأكثر مدعاة للقلق الوجودي، أن رؤية غربية شديدة الخطورة تتعلق بمقاربة الأزمة اليمنية، هي اليوم تزداد رسوخاً، ولطالما كرست الحوثيين طرفاً مقبولاً في هذه الحرب. وبناء على هذه الرؤية فإن الحوثيين يتمتعون بحق حصد نتائج سياسية تليق بدورهم العسكري وتضحياتهم المليشياوية، ما يعني أنها تجاهلت عمداً التعامل معهم كطرف انقلابي غير شرعي .

 

لم يكن مستغرباً أن تذهب دولتا التدخل العسكري إلى إنتاج كيان انقلابي جديد في جنوب البلاد هو المجلس الانتقالي الجنوبي، كمكافئ في أي تسوية سياسية وضامن لأن تلبي تلك التسوية الأطماع الجيوسياسية لقطبي التحالف السعودي والإماراتي

 

ولذلك لم يكن مستغرباً أن تذهب دولتا التدخل العسكري إلى إنتاج كيان انقلابي جديد في جنوب البلاد هو المجلس الانتقالي الجنوبي، كمكافئ في أي تسوية سياسية وضامن لأن تلبي تلك التسوية الأطماع الجيوسياسية لقطبي التحالف السعودي والإماراتي، والتي تتجلى في الرغبة الصريحة والمضمرة بالتصرف بشكل منفرد وفي معزل عن السلطة الشرعية في أهم المواقع الحيوية والجيوستراتيجية لليمن، من محافظة المهرة وموانئ محافظتي حضرموت وعدن مروراً بمحافظة أرخبيل سقطرى وانتهاء بجزيرة ميون ومضيق باب المندب والمخا .

 

وما نحتاجه اليوم هو أن يتخلى الجميع عن مقارباتهم الكارثية للأزمة والحرب في اليمن، وأن يقروا للشعب اليمني بحقه في استعادة دولته ووحدته وديمقراطيته، وإلا فإن اليمنيين يمكنهم أن يفتحوا صفحة جديدة مع الجميع عنوانها الكفاح حتى إنهاء الانقلاب والتمرد والتدخل العسكري المتخاذل للأشقاء .