ياسين التميمي
ياسين التميمي
عدد المشاهدات : 359   
مؤشرات عن دور قطري في حسم أزمة اليمن
تحت المظلة الأمريكية هذه المرة، ها هي قطر تعود بقوة إلى الساحة اليمنية، كلاعب أساسي وإن بدا الأمر أنه يندرج ضمن الأولويات التمويلية التي يقتضيها الوضع الخطير والأزمة الإنسانية الناجمة عن الحرب في هذا اليمن.
مائة مليون دولار تبرعت بها قطر مؤخراً لصالح برنامج الأغذية العالمي في اليمن، وهو تبرع وصفه وزير الخارجية الأمريكي بالسخي، خلال لقاء له قبل أيام مع نظيره القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني في العاصمة الدوحة.
قد يبدو من السابق لأوانه الحديث عن دور حتمي لقطر في تسوية الأزمة اليمنية، وهي التي بقيت طرفاً مستبعداً خصوصاً من جانب الدولتين الرئيسيتين المتدخلتين عسكرياً في الحرب الدائرة في اليمن، وهما السعودية والإمارات، لكن خطوة التبرع هذه ليست معزولة عن دور مرتقب وغير مستبعد للدوحة، خصوصاً بعد التطورات الإيجابية التي استعادت معها العلاقات بين الرياض والدوحة بعضاً من عافيتها إثر أزمة عاصفة كانت الرغبة في إبعاد قطر عن اليمن أحد أسبابها.
في الواقع، اليمن بأمسّ الحاجة إلى مقاربة مختلفة وإلى مشاركة إقليمية أوسع في حسم الصراع، وهو ما يبدو واضحاً اليوم من خلال تصاعد الدور العماني، الذي تحولت معه مسقط من مجرد داعم لوجستي للقاءات البينية التي تجري بين ممثلين لجماعة الحوثي الانقلابية، وبين ممثلين عن الأطراف الدولية والإقليمية ومع الحكومة الشرعية، إلى وسيط أكثر ديناميكية ومتصلٍ بدعم وغطاء أمريكيين كبيرين.
وما من شك أن تصاعد الدور العماني في اليمن مقترناً بتطورات إيجابية ومهمة على صعيد العلاقات بين مسقط والرياض، إنما يكشف عن توجهٍ دوليٍ بات يتبلور حول هدف إنهاء الطوق الذي فرضه التحالف العسكري الثنائي على البلاد، دونما نتائج إيجابية واضحة على صعيد استعادة الدولة والسلام والاستقرار. بل على العكس من ذلك، بدا الأمر وكأنه استفراد ضار بالجغرافيا اليمنية، تعزز مع النظرة الانتهازية والعبثية والأنانية لإدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، والتي جعلت الأمور تتجه نحو مآلات صادمة ومأساوية على الساحة اليمنية.
ليست مصادفة أن يكون ضمن برنامج زيارة المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، الدكتور أنور قرقاش، إلى الولايات المتحدة الأسبوع المنصرم، ذلك اللقاء الذي جمعه في واشنطن مع المبعوث الأمريكي إلى اليمن تيم ليندركينغ، وخلاله شدد المسؤول الأمريكي على ضرورة الضغط على الطرف الذي تدعمه الإمارات، وهو المجلس الانتقالي، من أجل تنفيذ اتفاق الرياض، على نحو يعكس اهتماماً أمريكياً متزايداً بملف بقي خلال العامين الماضيين رهن الاهتمام السعودي، مع تنسيق مع الإمارات فرضته تبعية المجلس الانتقالي الجنوبي المطلقة لأبو ظبي.
تبدو أبو ظبي بناء على لقاء كهذا طرفاً سيئاً في الأزمة اليمنية إن لم يتحدث المسؤولون الأمريكيون بشكل صريح حول هذا الأمر، وهو تقييم غير جزافي إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن الامارات عملت بمثابرة مكشوفة خلال سنوات الحرب الست الماضية، على شق مسار أزمة موازٍ في اليمن؛ أُريد له أن يكون بثقل وتداعيات الانقلاب الذي نفذه الحوثيون وحليفهم السابق صالح وحزبه على السلطة الشرعية، متصلاً بدعم إماراتي وسعودي هدف إلى الإطاحة بالحكومة التي أنتجها ربيع اليمن، إثر ثورة شبابية شعبية اندلعت في الحادي عشر من شباط/ فبراير 2011.
هذا لا يعني بالضرورة أن الولايات المتحدة بصدد إعادة تقييم تحالفها مع أبو ظبي، بسبب دورها السيئ في اليمن، ولكن تدرك الإمارات أنه بمجرد أن تصبح الساحة اليمنية مفتوحة أمام لاعبين إقليميين آخرين وبضوء أخضر أمريكي، فإنها ستكون قد خسرت كل رهاناتها بشأن الاحتفاظ بالنفوذ الذي تطلعت إليه في ساحة صراع كبيرة ومتعددة الأطراف، إلى حد أنها فكرت بسلخ أراضٍ حيوية من الجسد اليمني ولا تزال تحاول، خصوصاً في محافظة أرخبيل سقطرى المشاطئة للمحيط الهندي، وفي جزيرة ميون وباب المندب جنوب البحر الأحمر.
لا تزال أبو ظبي مصرة على الدفع بالمجلس الانتقالي وقواته إلى التصعيد المتواصل ضد السلطة الشرعية، ومنع الحكومة من العمل من العاصمة السياسية المؤقتة عدن، والإيعاز للدمى الانتقالية بإطلاق تهديدات لمواجهة خطط للسلطة الشرعية بشأن عقد اجتماعات لم يجر الإعلان عنها بشكل رسمي في مدينة سيئون التابعة لمحافظة حضرموت.
وغاية ما تود أبو ظبي تحقيقه من تصعيد كهذا هو ضمان أن تتحول الأزمة المصطنعة بين المجلس الانتقالي والسلطة الشرعية، إلى مسار تفاوضي منفصل وبمرجعية تتجاوز الرياض لتصبح ذات بعد دولي، وهو أمر ربما يسمح بتحويل وحدة اليمن وسلامة ترابه الوطني إلى قضية للنقاش، بعد أن حرص مجلس الأمن وهو أعلى سلطة دولية معنية بحماية السلم والأمن والدوليين، على ضمان وحدة اليمن كنقطة جوهرية في أي تسوية سياسية للأزمة والحرب.
ومن الواضح وبناء على المعطيات السابقة، أن الولايات المتحدة تمضي قدماً في التعاطي مع الأزمة والحرب في اليمن ضمن مستوى غير معهود من التصرف المباشر والحريص، والدفع بشركاء إقليميين كدولة قطر وسلطنة عمان للمشاركة في إنهاء الصراع، خصوصاً أن الأمر يتعلق باختبار مبدأ الدبلوماسية الذي أعلن عنه الرئيس الأمريكي جو بايدن من مقر وزارة الخارجية.
فقد جرى الإعلان عن ذلك المبدأ مقترناً بالالتزام غير المشكوك في مصداقيته بحل الأزمة اليمنية، وإلا لما حرص بايدن على الإعلان عن تعيين مبعوث أمريكي خاص إلى اليمن خلال خطابه الرئاسي الأول من على منبر وزارة الخارجية، بعد أيام فقط من توليه الرئاسة.