ياسين التميمي
ياسين التميمي
عدد المشاهدات : 362   
الدوافع الخارجية للضغط العسكري على مأرب
   

مواجهات الأيام الأخيرة التي دارت جنوب محافظة مأرب وشمال غرب محافظة شبوة؛ أغرت الإمارات لتوظيف نتائج المعارك في النيل من الشرعية وإعادة إحياء مخطط الإحلال الممنهج للمليشيات محل الشرعية، والذريعة دائما أن الشرعية فشلت في هزيمة الحوثيين وردعهم .

 

هكذا وبكل جرأة تتحول خسائر الشرعية في حرب حرم جيشها فيها من الحصول على الأسلحة؛ إلى هزيمة برسم "الخيانة" التي يمارسها الإخوان المسلمون، بحسب ما تدعيه زمرة التضليل الإعلامي المرتبطة بالإمارات .

 

هذه الزمرة وبإيعاز من الماكينة السياسية والاستخبارية والإعلامية لأبو ظبي؛ تسوق وبصلف أكذوبة مفادها أن الإخوان يسيطرون على كل المقدرات التابعة للشرعية، ومع ذلك يواصلون الانسحابات والتنازل عن الأرض للحوثيين، مع أن رواية كهذه لا يستسيغها اليمنيون الذين أثخنتهم حرب السنوات السبع بجراحاتها وتحولاتها وانحرافاتها، واستهدافها الممنهج للأصدقاء والحلفاء وشيطنتهم وتشريدهم وتقتيلهم .

 

لم تدع زمرة التضليل الإعلامي الممولة بسخاء من الإمارات والتحالف؛ شيئاً يسيراً مما تردده قابلا للتفسير المنطقي أو التأويل أو المناقشة، إذ أن مسألة التقاعس أو سوء التصرف أمران واردان من أي طرف كان، لكن كيف لنا أن نصدق كذبة أن الإخوان، وهم في هذه الحالة قيادات وأعضاء حزب الإصلاح، يسيطرون على قيادة الشرعية وعلى مقدراتها وهم في الوضعية المزرية التي نشاهدها؛ إما مشردون في الأرض أو مقاتلون في الميدان بلا مرتبات ولا ذخيرة ولا إمدادات .

 

الهجمة الإعلامية الشرسة تستهدف هذه الأيام الجيش الوطني والإخوان، ومحافظي مأرب وشبوة، سلطان العرادة ومحمد بن عديو، وهما المسؤولان الوحيدان اللذان يقودان السلطة المحلية في محافظتيهما، بصلاحيات مالية وأمنية كاملة، وتحت سلطة الشرعية وإشرافها وتوجيهاتها، وصادف أن هذين المحافظين يرتبطان بصلة تنظيمية تخليا عنها بالتجمع اليمني للإصلاح .

 

ونسيت زمرة التضليل أن وجود محافظ في شبوة محسوب على الإصلاح لم تفرضه الآلة العسكرية لهذا الحزب؛ بقدر ما عكس إرادة الرئيس عبد ربه منصور هادي نفسه ومزاجه وأولوياته. فقد سبق لهذا الرئيس أن أصدر قرارات بإنشاء الأحزمة الأمنية في عدن ولحج، والنخبة الحضرمية في حضرموت والنخبة الشبوانية في شبوة، منذ بداية الحرب بإيعاز من التحالف، وهذه التشكيلات يقاتل معظمها اليوم من أجل فرض الانفصال .

 

والرئيس هادي عيّن أيضاً القيادي السلفي المدخلي المتطرف هاني بن بريك وزيراً للدولة، وشخصيتين مرتبطتين بإيران هما عيدروس الزبيدي في منصب محافظ عدن وشلال شائع مديراً لشرطتها، وعين محافظ شبوة السابق، الحارثي الذي تنسب إليه تهم بتهريب المشتقات النفطية والأسلحة للحوثيين عبر محافظة شبوة، ومع ذلك لم يلمه أحد ولم ينتقده لأنه كان أيضاً يتخادم مع الإمارات ومع النخبة الشبوانية .

 

بعد نحو سبع سنوات من الحرب؛ كل ما تحقق هو هذه الجُزر المتصارعة داخل معسكر الشرعية والتي تعكس في الحقيقة سياسة دولتي التحالف، اللتين قررتا منذ اللحظة الأولى تقسيم اليمن ودعم المشاريع المتصارعة فيه، وإطلاق منصات وصحف ومواقع وقنوات فضائية في جهد انصب في خانة الإنهاك الممنهج لليمن وشعبه وتأييسه وتهيئته للقبول بالحلول التي سيفرضها التحالف عليهم، والتي تشمل في ما تشمل تقسيم البلاد وتفكيكها، ليبدو ذلك محصلة طبيعية لمعركة خاضها اليمنيون ضد بعضهم على مدى أكثر من سبع سنوات .

 

في الحقيقة هناك مخطط بالغ السوء تنفذه دولتا التحالف، ويستهدف الشعب اليمني ودولته وسيادته، وهو مخطط يجري تنفيذه في ظل الأصوات الصاخبة لمدافع العدوان الطائفي الداخلي الذي تشنه جماعة الحوثي المرتبطة بإيران على اليمنيين، فيما يحاول الخطاب الإعلامي لهذه الجماعة إقناع اليمنيين بأنها هي من يقاوم "العدوان" الخارجي، وأن الشعب الذي خرج بالملايين في ثورة 11 شباط/ فبراير قد تحول فجأة إلى "مرتزقة للعدوان"، وهي كذبة صارخة تكاد تطبع وعي الناس بما يريده هؤلاء المجرمون الذين كانوا إحدى الأدوات الفتاكة التي استخدمها المتدخلون الخارجيون في المؤامرة الخطيرة التي يتعرض لها اليمن اليوم .

 

جميعنا نعلم أن الثورة المضادة التي نجحت في معظم بلدان الربيع العربي، قد اعتمدت على الدولة العميقة بسلطاتها وطبقتها السياسية وأجهزتها العسكرية والأمنية وشبكة المنتفعين من رجال الأعمال، لكن في اليمن أضاف ممولو الثورة المضادة لاعباً جديداً وأشد فتكاً؛ هو جماعة الحوثي التي تصدرت مشهد الثورة المضادة، وأسمتها إيران الثورة الإسلامية في اليمن .

 

لا يوجد طرفٌ اليوم أكثر حرصا على هزيمة الشرعية من هذا التحالف الذي نصب أدوات ميدانية سياسية وعسكرية وإعلامية هي الأرخص في تاريخ الارتزاق، ومضى يشعل الخلافات وينتج إطارات سياسية لها ويعسكرها ويوفر لها كافة الإمكانيات المالية والتسليحية .

  

لذا ليس مصادفة أن تعرضَ الأدوات العسكرية الانفصالية والجهوية نفسها بديلاً عن السلطة الشرعية لخوض المعركة مع الحوثيين، مستندة إلى الإمكانيات الكبيرة التي وفرها لها التحالف، وحرم الجيش الوطني منها وحال بينه وبين الحصول على ما يحتاجه من الأسلحة والمعدات، فيما تتوفر أدلة قوية على التخادم القائم بين هذه الأدوات وبين الحوثيين، وقد سمحت بتدفق الأسلحة النوعية للحوثيين من إيران .

 

لكن في الحقيقة لا معركة سيخوضها هؤلاء مع الحوثيين، فقد كانوا على الدوام متفقين مع هذه الجماعة الإرهابية حول هدف إسقاط الدولة اليمنية لكي يمرروا مشاريعهم أو يحلون بديلاً عنها؛ في نطاقات جغرافية أو ضمن مشاريع سياسية ماضوية وكهنوتية وطائفية .

 

إنه لمن سخرية الأقدار أن نرى المجاميع الإرهابية التي وصمت اليمن في فترة حكم الرئيس السابق علي عبد الله صالح، بأنها ثاني أهم ساحة لنشاط تنظيم القاعدة وانسحب تأثيرها على تقييم المجتمع الدولي للشرعية ومعسكرها، وهي تتحول إلى كتائب تقاتل ضمن المشروع الانفصالي، وتتحول إلى برد وسلام على الحوثيين، وأن نرى كذلك جماعة الحوثي الكهنوتية التي تدور حول عبادة الفرد السلالي وطاعته العمياء ترفع علم الجمهورية اليمنية، وتمضي تحت ظله في سحق الكرامة وتجريف مؤسسات الدولة وتقويض مبدأ سلطة الشعب .

 

وهذا يدفعنا إلى تأكيد حقيقة الدوافع الخارجية لما تتعرض له مأرب وشبوة اليوم من ضغط عسكري من جانب الحوثيين، فهاتان المحافظتان تدفعان ثمن انحيازهما المطلق للدولة اليمنية الجمهورية القوية والموحدة، وتحتضنان الجيش الوطني الذي يدافع عن هذا المشروع، وأثار قلق التحالف خصوصاً بعد أن تمكن في آب / أغسطس 2019 من الوصول إلى مشارف عدن وسط هلع واضطراب الأحزمة والقوات الانفصالية المدعومة من الإمارات؛ ما اضطر هذه الأخيرة لقصف هذا الجيش وقتل أكثر من 300 من ضباطه وأفراده، لتبدأ على الفور عملية سياسية قسرية فرضتها السعودية على الشرعية لقبول الانفصاليين قوة أمر واقع باستحقاقات سياسية خطيرة للغاية .