ياسين التميمي
ياسين التميمي
عدد المشاهدات : 370   
لماذا تهيئون مسرح تعز لانقلاب بدلاً من إصلاحات تدعمها خزينة الدولة؟
  

لم يستقر بعد مجلس القيادة الرئاسي في العاصمة المؤقتة عدن، ولم يتمكن بعد من تأمين المتطلبات اللوجستية لممارسة مهامه كرأس جديد للسلطة الشرعية متعدد الوجوه والولاءات، ولم يحسم موضوعاً جوهرياً يتصل بالوضع الأمني في المدينة التي تعاني من فشل ذريع على كافة المستويات .

 

لا يوجد في عدن أنموذجاً مشرفاً يمكن أن يلهم قيادات سياسية بالتفرغ لمحافظة تعز والتصرف معها كساحة لتصفية حسابات ذات طبيعة سياسية وحزبية صرفة، فيما لا تزال تحتاج إلى حماية أمنية ميلشياوية في عدن .

 

وبينما كانت الأنظار قد اتجهت منذ بدء سريان الهدنة، نحو تعز مكرسة مطلباً إنسانياً ووجودياً بالنسبة لهذه المحافظة، والمتمثل في فتح المعابر وإنهاء الحصار الذي ضربه يضربه الحوثيون منذ شراكة الانقلاب التي جمعتهم بعلي عبد الله صالح ونجل شقيقه طارق صالح وحتى اليوم، ولعلنا نتذكر العبارة الشهيرة التي قالها علي صالح ذات اجتماع مع وجهاء وأعيان من محافظة البيضاء ينتمون إلى حزبه المؤتمر الشعبي العام، حينها قالها بكل وقاحة مخاطباً القناصة التابعين للانقلابيين في تعز، "دقوهم بالقناصة ".

 

لكن هناك من يحرف البوصلة دائماً فيما يخص نكبة تعز، فقد تعالت الأصوات، بعضها صدر عن إخلاص وحرص وحسن ونية وبعضها، صدر ويصدر عن سوء نية مقصود، حيث أعيد التركيز على التجاوزات التي شهدتها المدينة، وهي استمرار لحالة الفوضى التي عانت وتعاني منها عاصمة المحافظة منذ سنوات بعد أن تُرك جيشها ومقاومتها والمدافعون عنها بلا مرتبات ولا سلاح ولا اهتمام .

 

لا شيء يبرر التجاوزات التي تطال حقوق الناس بكل تأكيد، لكن الذي نحتاجه اليوم وكنا بأمس الحاجة إليه بالأمس، هو الحديث بصراحة ووضوح عن التضحيات التي تبذل في هذه المحافظة والدماء التي تسكب هل هي جديرة بالتقدير والاهتمام والعناية والإكرام أم أنها دماء مستباحة وتخص عدونا السياسي النموذجي (الاخوان والإصلاح) الذي يتعين التخلص منه وإزاحته بأي ثمن في الوقت الذي تتعاظم تضحيات هذا الحزب إلى الحد الذي يستدعي تنافساً في التضحيات معه لا منافسته على مغانم يصعب الحديث عنها في تعز شديدة الفقر والبؤس .

 

تحدث البعض عن التجاوزات والتي بلغت ذروتها بالتهجم على محلات أبو الذهب وهي الحادثة التي انتهت بتسوية واعتذار، وكان منصفاً عبر تذكيره بأدوار الجهات المسؤولة ابتداء من المحافظ المؤتمري وانتهاء بأصغر مسؤول مدني وعسكري وأمني، فهم يتحملون كامل المسؤولية عما يلحق بالناس ومصالحهم .

 

وهناك من ينتقد الجبايات التي تفرض على المحال التجارية، وفي هذا الأمر مزايدة لا تخلو من المكر والخبث معاً، لأن هذه الانتقادات تتجاهل الوضعية المزرية للمدافعين عن المدينة، وقد حرموا من المرتبات، ثم إن السلطة المحلية تحتاج إلى أن تفرض رسوم وجبايات للحصول على جانب من النفقات التشغيلية، وهنا تبرز الجبهات والمقاتلين ورجال الشرطة والمعلمين والمرافق الخدمية الأساسية، كأولوية في إنفاق ما يتم الحصول عليه من جبايات، والتي ينبغي أن تؤخذ بطرق سلمية وعادلة ومنصفة .

 

وإلى الذين يروق لهم أن يلحقوا ما يحدث في تعز بحزبٍ بعينه أو جماعة سياسية معينة(الإصلاح) أن يعودوا إلى تقرير فريق الخبراء الدوليين الذي فصَّلَ في مسألة الجبايات التي تفرضها الجماعات المسلحة المدعومة من التحالف في الساحل الغربي وعدن وغيرها والنقاط الأمنية الكثيرة التي تثقل كاهل المسافرين والمدنيين وأصحاب المصالح التجارية، وكيف تحدث عن سلطة الأمر الواقع التي تمارسها تلك الجماعات خارج نفوذ وإشراف السلطة الشرعية، في وقت لا يتوفر فيه مبررٌ واحدٌ يمنع أن تخضع المناطق المحررة لإشراف السلطة الشرعية .

 

لا أتمنى أن تتورط شخصيات سياسية في مهمة تقويض الوضع الراهن في تعز، ليبدو الأمر وكأنه انقلاب على طرف سياسي، هو في الأصل جزء من السلطة الشرعية ويتواجد في الهيئات القيادية الجديدة لهذه السلطة .

 

يمكن لرئيس مجلس القيادة الرئاسي وهو على معرفة كاملة بمحافظة تعز ورجالاتها والمؤثرين فيها، ان يتخذ الخطوات والإجراءات المناسبة لتصحيح الأوضاع في المحافظة بحيث تبدو بالفعل إجراءات رسمية تفضي إلى تمكين القيادات والشخصيات الكفؤة من إدارة الشأن العسكري والأمني والمدني وتستنهض السلطة المحلية بكل مستوياتها ومكوناتها لما يخدم محافظة تعز، وتجنب كل ما من شأنه أن يجعل من هذه الإجراءات تصفية حسابات حزبية .

 

ليس من الحكمة أن تتورط الأحزاب الصغيرة في محافظة تعز في إبقاء طرفاً سياسياً بعينه ذريعة للمزيد من الإجراءات والمخططات التي تستهدف كيان الدولة اليمنية، على نحو ما تكشف عنه حملة الانفصاليين المدعومين من الإمارات والتي تنسب إلى الاخوان المسلمين مخططاً لإحياء الإقليم الشرقي والذي يمثل أهم مخرجات الحوار الوطني الشامل حينما فرض الرئيس هادي صيغة الأقاليم الستة .

 

أعيد وأؤكد أن من المعيب أن يدفع البعض ويتحمس لتهيئة مسرح تعز لانقلاب، تستعيد معه الكيانات العدمية والشخصيات المرتهنة للأجندات الإقليمية أحلام السيطرة على المحافظة المثقلة بالأزمات المعيشية التي كرستها سياسيات الشرعية والتحالف .

 

فالمنطق يقول إن أحوج ما تحتاجه تعز هي الإصلاحات التي يشرف عليها الرئيس وتمولها خزينة الدولة وهي إصلاحات تتجاوز الحاجة إلى تغيير في المناصب أو نقل السلاح لميلشيات يدعمها التحالف، إلى ما هو أعمق بكثير وهو إعادة تأهيل البنى التحتية وتثبيت المرتبات وتأمين  الحاجات الأساسية للشريحة الأكثر فقراً .