أطواق النجاة ....
بقلم/ محمد كريشان
نشر منذ: 8 سنوات و 9 أشهر
الخميس 03 نوفمبر-تشرين الثاني 2011 04:30 ص

قد لا يـُــرمى من جديد!! وقد لا يكون بعد اليوم متسع لرميه أصلاً!! 
إنه طوق النجاة الذي ألقي إلى الرئيس السوري/ بشار الأسد حتى يطفو على السطح، فيخرج وبلاده من العاصفة الحالية.. ما طرحته اللجنة العربية المعنية بسورية على قيادتها من ضرورة سحب الجيش وآلياته من الشوارع ووقف حمام الدم المراق منذ أشهر والدخول في حوار مع المعارضة هو طوق النجاة الذي يبدو أن دمشق أشاحت إلى حد الآن بوجهها عنه بامتعاض ليس خافياً.. فعلت ذلك مع أن هذا الطوق ليس بمذلّ لها، هي قادرة حتى على تجييره لصالحها بالقول: إن الداعين إلى إسقاط النظام لم يظفروا بما سعوا من أجله جاهدين.. دمشق لا تبدو أنها تريد من أي طوق سوى أن يكون انكساراً لخيار الثورة مع إرجاع المتظاهرين إلى بيوتهم صاغرين. 
إذا ما استمرأ نظام الحكم في دمشق هذه المكابرة بالتوازي مع تخويف العالم بأنه مقدم على "زلزال" أو "أفغانستان" أخرى، فذلك يعني أنه لا يريد هذا الطوق العربي وأنه يفضل المضي بالمنازلة مع جزء هام من شعبه إلى الآخر، فإما أن يقهره أو يكون هو من المقهورين.. ولطوق النجاة هذا مع حكام عرب كثر قصص كثيرة.
بن علي المسكين أُخذ على حين غرة، لم يدرك أحد أن هذا الرجل يصارع أمواجاً عاتية، فلم يرم له أحد بشيء.. كان يغرق بسرعة ومع ذلك ظن كثيرون أنه سباح ماهر، قادر على كسر جسارة الأمواج.. غرق الرجل بسهولة لم يتوقعها إلا قلة في الداخل والخارج.. وعندما أدرك بعد مكابرة لم تدم طويلاً أن طوق نجاته لن تكون إلا في الاستجابة الكاملة لمطالب شعبه الهادر، كان الوقت قد انتهى وسُــحب صاحبنا من قدميه إلى قاع البحر.. حدث ذلك في لمح البصر أمام دهشة المستلقين على الشاطئ وقد كانوا خليطاً من الحريصين والفضوليين والشامتين. 
مبارك، وقد كان يفخر بأن لديه دكتوراه في العناد لم يكن مصيره أفضل حالاً، اتضح أنه لا يحمل حتى شهادة الابتدائية في فن "الخروج الآمن"، كما تمنى له قلة من مريديه.. أكثر من ذلك، عندما أدرك بعض المحيطين به أن ثورة المصريين عليه بعد صبرٍ أيوبي رهيب لم تكن بالهزل، رموا له بطوق نجاة سرعان ما اتضح أنه مثقوب!!، أراد أن ينجو بجلده فعين نائباً له.. قال أمهلوني رأفة بعمر وتصديقاً لوعد، لكنهم لم يراعوا لا هذا ولا ذاك، فكان أن قذفته الأمواج خارجاً، حيث يلتف حوله الناس الآن ليقرروا مصيره بين داع إلى الانتقام وآخر إلى الصفح وبينهما من ما زال يراوح متردداً. 
القذافي، لم يكن مطروحاً البتة إلقاء أي نوع من أنواع الأطواق إليه، لأنه ظن باختصار أنه قادر على شفط ماء البحر ليمشي مختالاً على ترابه.. كان يعيش في عالم آخر لا علاقة له بالدنيا وما فيها، ظن أنه مخلـّــد وأن ملكه لن يبلى أبداً، أقصى ما كان يفكر فيه -تكرماً وإحساناً- هو البحث عن صيغة ملتوية تبقي على سلالته حاكمة لليبيا، لم يكن وارداً أن يتنازل عن شيء، وكيف له أن يتنازل عن حكم يقول إنه ليس له؟! لم يكن يهمه أن استنجد الخارجون عليه بـ"الشيطان" طالما هو مطمئن إلى أنه من "الملائكة" الأخيار، لم يصدقه أحد، فلم يكن له سوى أن يدمر ليبيا على رؤوس أهلها، ظل في حالة إنكار مــرَضية حتى كانت تلك النهاية المأسوية البشعة. 
علي عبدالله صالح، هو الوحيد الذي كانت ترمى له، وسط أمواج اليمن العاتية، أطواق النجاة الواحد تلو الآخر.. كان يسارع دوماً إما باللهو بها أو ثقبها أو المطالبة بتغيير لونها!! بدا كأنه يتسلى بهذه الأطواق عوضاً عن أن يمسكها بقوة ليخرج إلى بر الأمان بسرعة.. لم يسبق أن عومل رئيس ثار عليه شعبه بهذا الدلال، قيل له تفضل بالمغادرة معززاً مكرّما، بكل ما أخذتـَـــه (التعبير مهذب بلا شك!) طوال عقود حكمك الثلاثة ولن يلحقك أحد بمساءلة أو محاسبة!! مع ذلك، الرجل ما زال يبحث عن طوق على مقاسه تماماً وبالزخرفة التي يرتضيها مع أن الغريق يمسك بأي شيء حتى ولو كان قشة.. ربما لن يجد صالح هذه القشة عندما يحزم أموره نهائياً يوماً ما، بعد مراوغات لم تعد مكشوفة فقط، بل ومملــّـة أيضاً.
× نقلاً عن القدس العربي