بنطلون صالح وغيره من التذكارات!!
بقلم/ آدم بارون /ترجمة "أخبار اليوم"
نشر منذ: 7 سنوات و 3 أشهر و 3 أيام
الأربعاء 01 مايو 2013 04:13 م

بنطلون الزمن الجميل للرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح هو الآن معروض في صنعاء، الذي كان يرتديه عندما وقع انفجار دار الرئاسة في يونيو 2011. لم انتهي من قراءة الجملة الأولى من أول تقرير عن المتحف الأكثر نشرا في اليمن، حتى أيقنتُ أن عليَّ أن أزوره.
لم يكن عن أنياب الفيل أو منتجات سويدية للغذاء الصحي، فقط أردت أن أعرف إن هذه المعروضات كانت بعض المقتنيات التي سيتم عرضها لاحقا. أول شيء عرفته حول المتحف الذي بناه الرئيس السابق لإحياء ذكرى حكمه أنه عرض بنطلونه في المتحف. لكن ليس أي بنطلون: إنه البنطلون الذي كان صالح يرتديه في ذلك اليوم المشؤوم عندما انفجرت قنبلة كانت تقريبا ستودي بحياته.
كنت بحاجة لرؤية البنطلون الأكثر شهرة في اليمن. في رأيي، كان العرض على ما يبدو مزيجا غريبا من السياسة والفن الهابط والحنين إلى الماضي القريب. لكن المتحف لا يزال غير مفتوح أمام الجمهور.
لم تكن لدي رغبة في الانتظار، فقررت إجراء اتصالاتي للوصول إليه. على ما يبدو أن المسئول عن المتحف كان أحد أتباع صالح، أحد الأصدقاء حصل على رقم هاتف مساعديه، وبالاتصال به تم تحديد لقاء مع السكرتير في اليوم التالي.
كان معظم الحديث في السياسة، وبالكاد تم ذكر المتحف في حديثنا. اعترفت لمساعده عن السبب الرئيسي لزيارتي. لم يكن هناك أي مشكلة: بعد يومين ذهبت إلى المتحف الواقع داخل جامع الصالح الذي تم افتتاحه قبل أربع سنوات وبلغت تكلفة الجامع 60 مليون دولار. عندما نزلت الدرج في مجمع مزين وفاخر ودخلت المعرض، اكتشفت أنني لم أكن الزائر الوحيد.
كان الغريب أن هناك بعض السياح الآسيويين يتجولون في المتحف. المتحف كان مُزيناً بشكل جذاب. المواد المعروضة، التي معظمها عبارة عن هدايا مقدمة لصالح من كبار الشخصيات الأجنبية، كانت تقريبا غير متناسقة بشكل غريب. تشكيلة رائعة من السيوف المزخرفة كانت موضوعة بعيدا عدة مترات عن عرض لقلادة مقدمة من وكالة المخابرات المركزية ولوحات من مجلس النواب.
لقد كانوا محقين في إعطاء صدارة المتحف للبنطلون المتفحم الذي جئت لرؤيته. تم وضع البنطلون الأسود في النصف السفلي من مجسم عارض أزياء موضوع داخل صندوق عرض زجاجي في وسط أكبر غرفتين في المتحف.
على ما يبدو أن الجزء الأمامي من البنطلون قد تبخر في الانفجار الذي كاد تقريبا أن يودي بحياة صالح. مع ذلك فإن حزامه الأسود لم يتضرر.
وأنا أحدق في البنطلون بدهشة، عدت بذاكرتي مرة أخرى إلى 3 يونيو 2011. لا أذكر أني سمعت صوت الانفجار المشؤوم، لكن مع انتشار الكلام عن وقوع انفجار في المسجد الذي كان صالح يصلي فيه، انطلقت فجأة من جمعة أخرى للاحتجاجات الشعبية وتحفزت للاندفاع وسط الحشد في سعيي للحاق بمحطة تلفزيونية.
في تلك اللحظة لم يكن أحد يعرف أين تتجه البلاد. على الرغم من التأكيدات المخالفة للواقع، بدا صالح متصلبا أمام توقيع الاتفاقية المدعومة دوليا والتي من شأنها أن تدفعه للتنازل عن السلطة.
قبل 12 يوما من الانفجار المشؤوم، أشعلت الاشتباكات بين القوات الموالية لصالح ومقاتلين موالين لأحد مشايخ القبائل الأكثر نفوذا في البلاد، الذي أنشق عن صالح قبل نحو شهرين. عندما انحدرت صنعاء إلى حرب المدن، أغرقت أصوات القصف آمال وتطلعات أولئك الذين نزلوا إلى الشوارع بهدف إسقاط صالح بالوسائل السلمية.
الجميع يعرف أن تجربة صالح في الاقتراب من الموت ستكون لعبة تبديل، وإن كان في ذلك الوقت لم يكن أحد يعرف بالضبط كيف يحدث ذلك. كان مسئولو الحكومة يزعمون أن صالح يعاني فقط من جروح طفيفة، لكن فشله في الظهور على التلفزيون في تلك الليلة كان تأكيدا للشكوك في أن الأمور كانت أكثر خطورة. وأنا أنظر إلى صنعاء الذي يلفها الظلام المعتم من على سطح عمارة سكنية يسكن فيها أحد أصدقائي، استولى علي شعور بنذير شؤم.
في خضم تلك اللحظة، كان سفر صالح إلى السعودية لتلقي العلاج الطبي يوفر وسيلة لإخراج البلاد من الأزمة السياسية. كان المواطنون يأملون بحفظ بلادهم. بتفاؤل قال محلل يمني في اليوم الثاني: "سيكون من السخف عودة صالح". وبالطبع عاد صالح إلى صنعاء بعد ثلاثة أشهر.
وجها لوجه مع بنطلون صالح المتفحم، كان من الصعب أن أشعر بأي شيء آخر سوى التعاطف معه والإعجاب بالزعيم المثير للجدل، الذي ارتفع من بدايات متواضعة إلى حكم اليمن لفترة أطول من أي رئيس آخر منذ سقوط الحكم الملكي في البلاد.
قل ما شئت عن الرئيس السابق، لكنه عمل شيئا رفضه جميع الرؤساء الذين استهدفهم الربيع العربي: إنه التخلي عن السلطة وبناءً على شروطه.
عند مغادرة المتحف في نهاية المطاف، بدلا من التفكير الذاتي في تقرير عن الملابس المتفحمة، خلصت إلى أن المتحف قد حقق الغرض منه. لكن هل سيشعر اليمنيون بذلك؟
في ظهيرة اليوم التالي وأنا استعرض مع أحد الأصدقاء ووالده الصور التي التقطتها من المتحف، كنت متحمسا لقياس ردود أفعالهما. كانا متباينين، شيخ قبلي واقعي وابنه المثالي الجامعي. لم أكن أعرف بالضبط إيهما سيخفي ازدرائه من صالح. لكن هذه المرة لم أعهد منهما ألا يتحدثا كثيراً عن ذلك. بدلاً من الغضب نحو صالح، يبدو أن شعورا بالضيق هو ما وحدهما بشكل رئيسي.
صديقي الذي تعرفت عليه خلال الاحتجاجات، خاطر بكل شيء من أجل الانضمام إلى الثورة. إنه كان التمرد الوحيد تجاه والده: عند اكتشاف أمر انضمام صديقي في الخفاء إلى المظاهرات، غضب والده خوفا عليه وجره إلى قريتهم وقيده بالقيود في الطابق السفلي من المنزل. لكنه ظل على موقفه متحديا ورفض الطعام والشراب لعدة أيام حتى رضخ والده.
لكن التناقض بين الواقع السياسي في اليمن والأماني التي كان يأمل الكثيرون بأن الاحتجاجات ستحققها حولت صديقي إلى متشائم. قال لي بعاطفة منهزمة: "كان والدي على حق وأنا كنت مخطئا. لا جدوى من كل ذلك، فلا شيء تغير".
بعيدا عن المثالية، كثيرون اعتبروا الطبيعة التفاوضية لرحيل صالح خطوة ضرورية أنقذت اليمن من الاحتراق في حرب أهلية. ومع ذلك، فإن الهدف من احتجاجات 2011 لم يكن فقط إنهاء فترة حكم صالح، بل كان إسقاط النظام، كما كان المشاركون في الاحتجاجات يرددون في ذلك الوقت.
لكن اليوم هناك رئيس جديد كان نائباً لصالح لفترة طويلة، وهو عبد ربه منصور هادي، الذي تم انتخابه، إذا جاز التعبير في اقتراع كان فيه المرشح الوحيد.
لكن إذا نالت خطوات هادي تجاه الإصلاحات دعما حذرا من العديد من أشرس المعارضين لسلفه، فهناك عدد قليل يتجنبوا الإشارة إلى أن النظام السابق لا يزال يتمتع بحضور. حتى الخطاب السياسي للأطراف المشاركة في الحكومة الحالية مشابهة بشكل لافت لعهد صالح. بالنسبة لليمنيين مثل صديقي، فإنه من الصعب الحصول على أي شيء حتى يبذلوا جهدا كبيرا لإنجاز ما يشبه متحف صالح.
حتى أولئك الذين يواصلون نضالهم كان ردهم على افتتاح المتحف بقليل من الذهول المعتدل. عند لقائي بمجموعة من أصدقائي الناشطين، بالكاد أثرت ردة فعل عندما أعلنت عن نيتي زيارة المتحف. أحدهم غضب وصرخ قائلا إن الجريمة الحقيقية للثورة هي تفتيت الشباب في عملية انتقالية يرأسها معظم الأشخاص الذين نزل الشباب اليمني إلى الشوارع للإطاحة بهم.
لكن عند استعادة مئات الساعات من الاستماع لتطلعات ومخاوف مجموعة متنوعة من اليمنيين الذين مكثوا في ساحة التغيير، من الصعب ألا أتعاطف مع أولئك المنكسرة معنوياتهم بسبب عدم حدوث التغيير.
النظام القديم لا يزال على قيد الحياة: بعد مرور عامين، لايزال اليمنيون يتحدثون حول نفس الأشخاص الذين كانوا يتحدثون عنهم حتى قبل أن تبدأ الاحتجاجات.
ربما أن افتتاح أي رئيس "مخلوع" متحفا مخصص لحكمه قد ينبه بقية العالم إلى هذا، لكن الغالبية العظمى من اليمنيين لا يحتاجون إلى تذكير.
*صحيفة واشنطن بوست الأمريكية
عودة إلى كتابات
الأكثر قراءة منذ 24 ساعة
إبراهيم مجاهد
كسر محسن بعد القبيلة.. المهمة 2
إبراهيم مجاهد
كتابات
محسن فضل/محسن فضلالأمل المتوارث
محسن فضل/محسن فضل
تيسير السامعىتعز...!!!!
تيسير السامعى
محمد سيف عبدالله العدينىعلى الجميع التخلي عن العنف والسلاح
محمد سيف عبدالله العدينى
أحمد حمود الأثوريهذا ما أبكاني بحرقة ( 1- 3 )
أحمد حمود الأثوري
مشاهدة المزيد