د.محمد جميح
د.محمد جميح
عدد المشاهدات : 3,809   
جاءت صنعاء ومخلب طهران ينهش خاصرتها الجنوبية والشمالية..مقعد فارغ وعلم بنجمتين

أخيراً انعقد اللقاء، تنفس الشيخ صباح الصعداء، لم تكن هناك مطبات، (على الأقل أثناء لقاءات اليوم الأول)، ولا حتى مواقف طريفة من مثل تلك التي كان بطلها ‘الأخ العقيد’، ومن المحاسن كذلك أن بشار الأسد لم يعد قادراً على الحضور إلى القمة ليحاضر القادة العرب عن المقاومة والنظام العالمي الجديد، والاستراتيجيات التي تبخرت مع أول ظفر تم قلعه من أصابع حمزة الخطيب. جاءت القمة وعلي عبدالله صالح في بيته في صنعاء، وحسني مبارك في محبسه في القاهرة، وبن علي في منفاه، في جدة.

صور القمة كانت في الحقيقة أبلغ من كلماتها، بما في ذلك كلمات القادة أو من ينوب عنهم. الصورة لديها قدرة عجيبة على اختصار الكلام وتكثيف المعاني، لأن بلاغة الصورة في صمتها.

في الصورة، ظهر الشيخ صباح متوسطاً أمير قطر تميم بن حمد وولي العهد السعودي سلمان بن عبدالعزيز، وقد أمسك بيد كل منهما أثناء الدخول للقمة. الثلاثة يبتسمون، وأمير الكويت الذي خرج للتو من عملية جراحية أجراها مؤخراً، يبتسم ابتسامة لم تخف المعاناة، يريد الشيخ أن ينجح اللقاء، ويحاول تنقية الأجواء. ونحن الذين نشاهد الصور تراودنا أسئلة من مثل: ترى لماذا تحتاج السماء العربية دائماً إلى ‘تنقية الأجواء’، ولماذا هي دائماً ملبدة بالغيوم والضجيج، رغم أن اسم هذه المنطقة ‘شرق’، وهو المكان الذي تشرق منه الشمس؟ ترى لماذا غربت الشمس في الشرق وأشرقت من مغربها’؟ ترى هل هذا هو تفسير النص المذكور في كتب الحديث؟

يواصل أمير الكويت ورئيس القمة السير ويداه ممسكتان بيدي ضيفيه، مخافة أن تنفلت إحداهما أو كلتاهما، فتتسع الهوة الواسعة في الأصل.

أمير قطر يصف مصر بـ’الشقيقة الكبرى’، ويعطي إشارة إلى أن الحل فيها يكون بالحوار. الإشارة مهمة لأنها تعني أساساً انفتاح حلفاء الدوحة في القاهرة على الحوار، فهل يلتقط السيسي الإشارة، ويخرج بمصر وبنا جميعاً من ضباب هذه اللحظة السوريالية؟

في الصورة الأمير سلمان مغادراً قاعة الاجتماع، لا إلى مقر إقامته في العاصمة الكويت، ولكن إلى الرياض، على الرغم من أن المؤتمر منعقد ليومين, مغادرة سلمان الكويت قطعت على من أراد أن يعمل على جمع الدوحة والرياض الطريق. مغادرة سلمان أوصلت الرسالة التي مضمونها أن الرياض غضبى من الدوحة، والرياض أصلاً غضبى من عواصم عدة وليس من الدوحة وحدها، غضبى من واشنطن وموسكو وقلقة من طهران، لكن العبرة ليست بالغضب، العبرة في كيف يتصرف الغضبان.

القاهرة حضرت إلى القمة لتبلغ رسالة مفادها طلب إدانة الإرهاب، الرياض كذلك طالبت بتكاتف الجهود لمكافحة الإرهاب، كان الإرهاب في السابق يعني تنظيم ‘القاعدة’، واليوم الإرهاب يعني الإخوان المسلمين، والواقع أن للإخوان في مصر أخطاء كبيرة، غير أن اعتبار الجماعة ‘إرهابية’ ليس السبيل الأمثل للتعامل معها، علاوة على أن هناك خشية من أن تكون الأحكام الأخيرة بإعدام 529 من أعضائها، والأحكام التي استهدفت بالسجن آخرين، ممهدة لدفع بعض أعضاء الجماعة إلى الانتقام بالقيام بأعمال إرهابية، ألم تكن السجون التي دخلها أعضاء الجماعة في الماضي هي المحاضن التي خرج منها التطرف والغلو، الذي خرج من عباءته ما نعانيه اليوم من ‘إرهاب’، لماذا يحلو للتاريخ أن يتكرر بشكل حرفي في هذه المنطقة من العالم؟

الدوحة جاءت لتقول إن غزة محاصرة، وينبغي رفع الحصار، وجاءت لتقول إن خطوة ‘سحب السفراء’ لا تقلقها، وأنها ستحافظ على الخط الذي تمشي فيه مع ترك الباب مفتوحاً لعودة السفراء، الدوحة في ما يبدو راغبة في إعادة ترتيب أوراقها، لكن ضمن سلة تتم فيها إعادة ترتيب الكثير من الأوراق في القاهرة والرياض ودمشق وصنعاء وطرابلس وغيرها من العواصم.

وجاءت صنعاء، كان لحضورها نكهة البن، الذي أدار به اليمنيون حوارهم، وتجنبوا به الانزلاق للحرب، لكن صنعاء جاءت مثخنة بندوب لم تندمل بعد، وعلى محياها مسحة بؤس عادة ما تلوح على محيا من يعاني من شح الإمكانات. قالت صنعاء إنها قطعت أشواطاً كبيرة في مضمارها، ولكنها تحتاج لبعض المساعدة لإكمال المشوار. جاءت صنعاء ومخلب طهران ينهش خاصرتها الجنوبية والشمالية، جاءت تنوء بأثقال ‘صندوق وضاح’ الذي تحدث عنه شاعرها الكبير البردوني.

الصورة المعبرة كانت صورة مقعد سوريا في مؤتمر القمة, بدا المقعد فارغاً، إلا من العلم ذي النجمتين، وقنينتين من الماء وباقة ورد. بإمكان محلل الصورة أن يتحدث ما شاء عن المعاني الكامنة وراء المقعد الفارغ كان بالفعل مقعد القمة، كان لرمزيته حضور خاص ربما فاق الكثير من المقاعد الممتلئة، يحدث أن يكون الفراغ أحياناً أكثر تعبيراً من الامتلاء، تماماً كالسكوت الذي يكون في بعض الأوقات أبلغ من الكلام، وكالصورة التي تكون غالباً أكثر دلالة من النصوص.

سوريا كانت غائبة حاضرة في حضور ‘المقعد الفارغ’، عين الجربا كانت عليه، وقد تعجب كيف يظل فارغاً كل هذا الوقت! كان قاب قوسين أو أدنى منه، غير أنه لم يستطع الوصول إليه، وعين الأسد كذلك عليه، فراغ المقعد يعني له إمكانية أن يعود هو إليه ليملأه مرة أخرى. ألا يتهيأ الأسد اليوم للجلوس على عرش الأمويين مجدداً بعد سنوات ثلاث من الدماء التي سالت حول عرش دمشق؟ قاتل الله هذه المقاعد كم تسيل لأجلها دماء!.

العلم ذو النجمتين كان حاضراً فوق الطاولة، وليس العلم ذو النجمات الثلاثة، وبين النجمتين والثلاثة تختصر معاناة السوريين وكفاحهم المرير ضد واحد من أسوأ الأنظمة التي شهدتها المنطقة العربية. شدني وأنا أطالع المقعد الفارغ صور قناني الماء وباقة الورد على المقعد، إنها بالفعل صورة تعكس عبثية صارخة يمر بها المشهد السياسي العربي في هذه الفترة التي تفلتت من عقال التاريخ، وانطلقت في كل اتجاه، وانطلقت معها طاقات هائلة لم يعد بالإمكان اعتقالها وإعادتها إلى حيث كانت، إنها عبثية هذا ‘الربيع الأحمر’ الذي يعكس تناقضات المشهد العربي في سوريا بكل معاني الكلمة, لمن أحضرت القناني وباقة الورد على الطاولة أمام المقعد الفارغ يا ترى؟

وغير بعيد عن المقعد الفارغ كان محمود عباس يملأ مقعد ‘دولة فلسطين’، وقد بدت عليه علامات الارتياح، يبدو أنه إلى حين لن يعاني من ضائقة مالية في صرف مرتبات موظفي حكومته، وهذا أبلغ ما استطاع العرب تقديمه لفلسطين بعد أن أصبح مصيرها معلقاً بين أصبعي راعي البيت الأبيض، الذي لا يجزم أن يلزم إسرائيل بالاعتراف بدولة فلسطينية على حدود 67، ويطلب من الفلسطينيين الاعتراف بإسرائيل ‘دولة يهودية’، الاعتراف بإسرائيل لا يكفي إذن، لا بد من أن نعترف بأن إسرائيل مولودة من ‘أم يهودية’، لكي يتم بعد ذلك التعامل مع عرب 48 على أنهم ضيوف عند اليهود، لا أصحاب الأرض قبل أن يأتي يهود العالم إليها.

كان يوم الثلاثاء الخامس والعشرين من مارس/اذار 2014 يوماً حافلاً، لكن بالصور، التي عكست بشكل صادق ما حاولت الكلمات إخفاءه عن الجمهور العربي، الصور التي ناقضت بعضها بشكل صارخ. صور البسمات البروتوكولية التي تبادلها رؤساء الوفود، والتي لم تكن كافية لحجب الصورة الأبلغ في اجتماع أمس، وهي صورة المقعد الفارغ الذي ينتظر من يملأه، المقعد الذي انتصب أمامه علم بنجمتين، وقنينتان وباقة ورد.

القدس العربي