أحمد محمد الحاضري
أحمد محمد الحاضري
عدد المشاهدات : 1,950   
البصيرة..توازن النفس ورُشد العقل

البصيرة هي انعكاس الهدى الإلهي والرحمة الربانية على الحياة العامة والخاصة للإنسان والمجتمع فيبصر طريقه بوضوح (القدرة على استشراف المستقبل ) ، فحينما يتسلط النور الإلهي على باطن الإنسان (الصافي والكبير) ينعكس بنور أشد، وقابلية أكبر للنفوذ إلى كافة أجزاء الحياة والعمل، فتستنير كل أجزاء الحياة ، فيرى الإنسان نفسه في مسيرة مضاءة وطريق مضيء ، ولن تبقى أمامه عتمة وظلمة تسبب له خلطاً في تصرفاته ، والتباسا في ممارساته وأعماله فهو يعمل عن رؤية وبصيرة ونور يسعى بين يديه فلا يخشى أحداً إلا الله ولا يخاف منعطفاً ولا يجد الحزن إليه طريقاً ونور الله هو نتيجة للعمل بمنهجه الذي يقوم على التوحيد والعدل والعلم والعمل والتوحد والإصلاح والولاء في جميع مناحي الحياة فينبثق من العمل بمنهج الإسلام كمنهج حياة عقلية رشيدة وعمل صالح .

 

أما العقلية الرشيدة فتتجسد لأنها تبني تصوراتها على كليات وأصول منهج الله الذي يجعلها مستنيرة في استيعابها لمقاصد الإسلام وقادرة على الإدراك والتدبر والتفكر والابتكار فتصل إلى الرشد والحكمة في استغلال ما سخر للإنسان وفي واجبها نحو الحرية وتحرير الإنسانية ، فتتجسد في الإنسان سلوكيات تثمر نفس سوية تعمل الخير في كل مناحي الحياة وفي مقدمتها ممارسة الحرية والدفاع عنها. إن هذه السلوكيات التي منها الرحمة والصدق والعفو والإنفاق والتواضع والكرم والصبر والإيثار .....إلخ

 تصنع مجتمع العدل والمساواة والعمل بمنهج الإسلام(عقيدة وعمل) يثمر نتائجه السببية مضاف إليها بركة الله وكرمه التي وعد بها من يلتزم بمنهجه وهو لا يخلف الميعاد قال تعالى:{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ }[1]                 

قال تعالى: {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقاً }[2]

وهناك حالتان في حياة الإنسان:

 الأولى: أن يكون عقله غير قادر على استيعاب النور الإلهي والبصائر القرآنية فتنعدم استنارة العقل بنور الله ، أو تكون قليلة ، ويترتب عليها أن يصبح العقل عاجزاً عن إنارة حياة الإنسان فتشوش رؤيته فتصبح حياته مضطربة .

 والثانية: أن عقله يكون على أشده استعداداً لتقبل النور الإلهي المنبعث من بصائر الحق، فيعكسها، على كافة مرافق الحياة ليضيء له مسيرته وغاياتها وتفاعلاتها ويوضح مكامن الالتباس ومنعطفات الضياع والانحراف ، فيصبح العقل مصدراً لإشعاعات النور الإلهي المسلط على باطنه الصافي فكلما كانت قابلية العقل على النمو في الإدراك كلما كانت قابلية العقل على استيعاب النور (منهج الله ) كبيرة .. وبالتالي تكون قدرته على تنوير حياة الإنسان أكبر ، وكلما ضعفت قابليته العقل على استيعاب منهج الله ، تضاءلت قدرته على تنوير حياة الإنسان، فيتعرض بذلك إلى مزالق مهلكة وعواقب وخيمة، وسبحانه وتعالى يشير إلى حالة استيعاب العقل لأنوار الله وعدم استيعابها وما يترتب عليها من ظلمة حياة البشر فيقول سبحانه: "أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ "[3]

فمن يعرض عن منهج الله كمن "يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ" أي يمضي بنمط يخالف النواميس والسنن والفطرة؛ لأنه لم يُبصر الحياة بعقلٍ مستنير بمنهج الله الذي ما جاء إلا هدى ورحمة للمؤمنين.

هذه البصائر القرآنية، والأنوار الإلهية، وكل الرؤى الإيمانية، لم تكن نافعة لأي إنسان كان...بل لمن يعمل بمنهج الله عقدية وسلوك ومن هذا شأنه، فهو من المؤمنين والموقنين والمتّقين ، والمحسنين ، ..لأن أولئك لهم القدرة العقلية و النفسية على أن يستوعبوا منهج الله ويعملوا به ، وإن هذه القدرة إنما جاءت نتيجة لحاكمية العقل في نفوسهم ونضجه ، وإمكانية استيعاب عقولهم لأكثر ما يمكن من البصائر والرؤى ، وبالتالي إشعاعها على الحياة بنور أكثر وانتشار أوسع فيغطي ساحة العمل والتفكير فقال سبحانه :"فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ "[4]                                                                                                                         

وأحسن القول منهج الله وما يوافقه ويؤدي إلى العلم والتعلم والعبادة وزيادة الإحسان في كل قول وعمل فيتكون مجتمع العدل والحرية مجتمع لا يضل ولا يحزن؛ لأنه يتحرر من استبداد الموروث بمنهج الحق ويتلمّس أحسن القول في الأخذ بعوامل الوحدة، وفتح قنوات الحوار الداخلي لإزالة الحواجز بين المسلمين، وزيادة مساحة القواسم المشتركة، وتوسيع دائرة الوعي والتفاهم والتبصر بالتحديات الداخلية والخارجية ، والاجتهاد المشترك لكيفية التعامل معها ، وتحقيق المصالحة بين أبناء الأمة، وإشاعة أدب ،الاختلاف، والارتباط بخلق  المعرفة "

ذلك المجتمع عندما يصل إلى مستوى الرشد وسيتحصّن من الاستبداد لامتلاكه الوعي بأهمية الحرية التي ستطلق الدوافع والقدرات لمقاومة البغي والطغيان الذي لا يتفشى إلا مع الجهل الذي يثمر عقولاً غير مدركة "ولذلك عمل الإسلام على تحرير ذهنية الإنسان "وحرّر العقل الإنساني من الخوارق والخرافات ، وعتق نفسه من الخوف والقنوط ، وحماه من السقوط والعبودية لغير الله ، بضمان رزقه وأجله ، وشرع له السنن والقوانين في الأنفس والآفاق، ودعاه للتعامل معها وتسخيرها، وقدّم له نموذجَ الاقتداء، وجعل تحرير الإنسانية مسؤولية الأمة الإسلامية..

 

ومن هنا يجب أن ندرك أهمية دور الإسلام في تحرير الإنسان من ذاته ومن أخيه الإنسان ومن الطبيعة والوهم الذي ينطلق من الإعداد الذهني للإنسان ليفهم الحرية ثم ليعمل بما شرع لحمايتها وبذلك تتحقق الحرية وفقاً للمنهج القرآني الذي يعتبر أن الحياة تستوي على التسخير والرحمة, فالله سخّر السموات والأرض وما بينهما للإنسان.

ويوضح المنهج القرآني أن الحياة الدنيا مطلوبة لذاتها ضمن منهج الحق الذي خلقت به.. هو فعل يدفع به الله إلى الأمام؛ لأنه يستوي بوعيه على قاعدة فعل إلهي خلاّق.

 

إن منهج الإسلام يعمل بتكامل من أجل أن يطلق الإنسان لكامل حيويته في استغلال ما سُخِّر له، لتتوفر لدية القوة والقدرة في الارتقاء بالحياة الإنسانية في ظل الحق والعدل والحرية.

إن الدين هو احتواء لهذه الحيوية البشرية المبدعة ضمن شمولية القرآن المنهجية؛ ليعطيها آفاقها الكونية ويدفعها إلى الأمام، فالدين هو ترقية للكماليات الإنسانية الفطرية وتزكية لها وأحكام لها وليس حداً لها أو انتقاصاً ... لهذا بُعِث الرسول ليعلّمنا الكتاب والحكمة وليزكّينا؛ ولهذا أكمل الله لنا ديننا وأتمم علينا نعمته ورضي لنا الإسلام دينا.

 

[1] - ( الأعراف96)

[2] - (الجن16)

[3] -( الملك22)

[4] - ( الزمر18 )