أحمد محمد الحاضري
أحمد محمد الحاضري
عدد المشاهدات : 1,840   
تنوير الذاكرة بأمجاد اليمنيين

إن ظاهرة تهوين الذات المجتمعية وغمط المبدعين، ظاهرة لها جذور في المجتمع اليمني يمكن إرجاعها إلى البيئة الاجتماعية ولا سيما التميز والاستبداد السياسي واحتكار التعليم في الصفوة من أبناء الحكام وفقهائهم، إن ثقافة غمط المبدعين شهد على تجذرها شيخ الإسلام محمد بن علي الشوكاني وبعثها إلى الأجيال من بعده بعثها إلينا وإلى أبنائنا واستهلها بقوله:

"مع كثرة فضلاء اليمنيين ووجود أعيان منهم في كل مكرمة على تعاقب الاعصار لهم عناية كاملة ورغبة وافرة في دفن محاسن أكابرهم وطمس آثار مفاخرهم فلا يرفعون إلى ما يصدر عن أعيانهم من نظم أو نثر أو تصنيف رأساً وهذا مع توفر رغباتهم إلى الاطلاع على ما يصدر من غيرهم والاشتغال الكامل بمعرفة أحوال سائر الطوائف, والاكباب على كتبهم التاريخية وغيرها وإني لأكثر التعجب من اختصاص المذكورين بهذه الخصلة التي كانت سبباً لدفن سابقهم ولاحقهم وغمط رفيع قدر عالمهم وفاضلهم وشاعرهم وسائر أكابرهم ولهذا أهملهم المصنفون في التاريخ على العموم كمن يترجم لأهل قرن من القرون أو عصر من العصور..

وإن ذكروا النادر منهم ترجموه ترجمة مغسولة عن الفائدة عاطلة عن بعض ما يستحقه ليس فيها ذكر مولد ولا وفاة ولا شيوخ ولا مسموعات ولا مقروءات ولا أشعار ولا أخبار..

لأن الذين ينقلون أحوال الشخص إلى غيره هم معارفه وأهل بلده فإذا أهملوه أهمله غيرهم وجهلوا أمره ومن هذه الحيثية تجدني في هذا الكتاب إذا ترجمت أحداً منهم لم أدرِ ما أقول؛ لأن أهل عصره أهملوه فلم يبق لدى من بعدهم إلا مجرد أنه فلان بن فلان لا يدرى متى ولد ولا في أي وقت مات وما صنع في حياته..

فمن عرف ما ذكره شيخ الإسلام علم عناء ومعاناة المبدعون اليمنيون في مختلف العلوم والفنون نتيجة لغمطهم حقهم المعنوي والمادي، ولا سيما إذا علمت أن ظاهرة تدني اهتمام اليمنيين بمبدعيهم كانت وما زالت ظاهرة في المجتمع اليمني إلى يومنا هذا..

ولذلك يجب تنوير ذاكرة اليمنيين بنتاج العلماء وأمجاد الأعلام عبر العصور لترسيخ المعرفة بأمجاد أسلافهم من الصحابة والتابعين وأئمة العلم والفقهاء والمبدعون الأعلام في مختلف أنواع المعرفة في مختلف أقطار العالم الإسلامي من كافة اليمنيين الذين استوطنوا الأقطار العربية والإسلامية ونظرائهم أيامنا هذه .

إنما وقفنا عليه من العدد الهائل للعلماء والأعلام والقادة اليمنيين في كتب التاريخ ودهاليز سير الأعلام والعلماء والمبدعين وتصانيف تخاريج الرجال في العالم الإسلامي له الدليل القاطع على أن البيئة السياسية القائمة على التميز السلالي والاستبداد هي العامل الأساسي في تدني معرفة اليمنيين بأعلامهم وعلمائهم المبدعين في اليمن وعلى امتداد الساحة الإسلامية لننطلق باتجاه التقدير المجتمعي للمبدعين، باعتباره البيئة الصالحة لتطوير وتنمية الإبداع اليمني .. ولا يتأتى ذلك إلا من خلال الاقتناع بأهمية الإشادة والتقدير بالتوجه الإبداعي وإظهار الدعم المعنوي والمادي للمبدعين لتكون حافزاً في بعث دوافعهم بيد أن الثقافة المجتمعية تسير في أتجاه غمط المبدعين بالتركيز على مثالبهم أو اختراعها..

ناهيك عن تدني الاهتمام بالإبداع الفني وانعدام الاهتمام بإبداع المهنيين والحرفيين على المستوى الرسمي والشعبي، تلك البيئة شكلت الإحباط الأهم للإبداع والمبدعين في اليمن فتخلق ثقافة الانكسار والهوان والدونية..

إن مسيرة بعث دوافع الإبداع في أي مجتمع تنطلق من خلال الإشادة والتقدير المجتمعي والرسمي وهو في ذات الوقت يعمل على حث الشباب اليمني للاقتداء بأسلافهم .

ولذلك فلا بد من دراسة أعلام اليمن وعلمائها، بجمع عيون فضائلهم وآثارهم، ونظم سيرهم وأخبارهم، والإشارة إلى إبداعاتهم ومنحهم المكانة والتقدير المجتمعي اللائق فكيف لا نرفع من رفعهم الله، قال تعالى : يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [المجادلة : 11]بل يجب الاهتمام بمنهجهم ونتاجهم الفكري ما أمكن للاقتداء بهم والانتفاع بعلومهم والترويج لهم بعقلية قائمة على الوسطية والاعتدال والحرية لإعلاء قيمة العلم والعمل الصالح ووسيلتنا في تقييمنا هي البحث والتحري بمنهجية تقوم على الدقة في النقل وأمانة النقل من مصادره، بحيث نراعي الشمول والموضوعية في بناء الأحكام، فنقتدي بإيجابيات مناهجهم ونتحاور مع نتاجهم وأدوارهم العلمية والعملية ما استطعنا ولا نألوا جهداً في الوصول إلى مصادر وموارد المعرفة قديمها وحديثها بما سخر لنا من تكنولوجيا المعلومات.

لأن الثقافة المجتمعية لا ترتقي إلا بانتشار ظاهرة التثاقف المجتمعي بمصنفات المبدعين، وتلك الظاهرة تمثل الطريق الممهد لانطلاق المجددون والمبدعون في مختلف العلوم.