أحمد محمد الحاضري
أحمد محمد الحاضري
عدد المشاهدات : 2,165   
القرآن هو المعيار الناظم للعمل بالتشريع المنزل

إن تعدد العقليات الناتجة عن اختلاف المدارك والأنظار، وتنوع الأفكار البشرية، واختلاف الرؤى والتصورات والقرارات نحو حدث واحد بين البشر مسألة شغلت اهتمام الباحثين والدارسين في الفكر الإنساني عبر العصور. وكانت أيضاً موضع عناية في الفكر الديني عموماً والفكر الإسلامي خاصة بعد عصر النبوة لتعدد العقليات نتيجة لتعدد رؤى وأهواء المؤولين، قال تعالى: " كانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ""البقرة : 213"

قال تعالى : " إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ""آل عمران : 19"

فجاء رسول الإسلام ليصوب عقلية تدين الأولين، قال تعالى: "لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ "النحل: 39"

فكان مقصد الإسلام هو تصويب عقلية التدين المؤول و العودة بها إلى عقلية التدين المنزل

قال تعالى "قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ" ""المائدة : 68" ثم حث على ضرورة فهم الدين بإدراك منطقي بعقلية رشيدة، قال تعالى: " وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ "78"

ثم حذرهم وحذرنا من الإضافة أو الحذف في دين الله قال تعالى: " "فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ ""البقرة:78، 79"

أما في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم – فكانت عقلية المسلمين عقلية رشيدة ذات قيم مشتركة "وحدت عقلية المسلمين في البحث" نحو الحق والعدل والقبول بالآخر، لواحدية المرجعية المتمثلة في القرآن الكريم والسنة النبوية المتوحدة مع القرآن والمبينة له فكانا مرجعاً عند الإشكال وموئلاً عند الاختلاف، فلم يكن لاختلاف الفهم والنظر أثر كبير في حياة المسلمين، فكل اختلاف ينتهي بعد حين إلى ائتلاف واجتماع على رأي واحد، لأن العقلية الإسلامية بناها التشريع المنزل.

فقد كان نزول الوحي يتوالى في تكوين العقلية الإسلامية التي تمَثَلها المسلمون كمنهج حياة تطور حركة المجتمع وتوحد البنية المجتمعية كان النبي صلى الله عليه وسلم قائماً كأنموذجاً كاملاً للعقلية الإسلامية يتأسى به المسلمون عقلية رشيدة شاملة في الحكم والقضاء في جميع الحوادث، فكان الله يوجه حركة الحياة بالقرآن الكريم وكانت سنة النبي صلى الله عليه وسلم، القولية أو العملية تمثلاً وتطبيقاً للقرآن فقيل "كان النبي "ص" قرآن يمشي على الأرض" حتى إذا اكتمل الدين وتمت النعمة، بتشكل العقلية الرشيدة القائمة على الحق والعدل والمساواة والشورى والعلم والعمل، ورافق ذلك بتوازي الإعداد السلوكي للإنسان، قال صلى الله عليه وسلم " إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ..الخ"

فلما انتقل النبي - صلى الله عليه وسلم- إلى الرفيق الأعلى، فانتقل أمر تدبير شؤون المسلمين والبت في قضاياهم والحكم بينهم والاجتهاد في ما ينزل بهم إلى أهل العلم والخبرة من الصحابة تنزيل أحكام القرآن على الظرف الموضوعي.

ومن المعلوم بالبداهة والضرورة، أن الصحابة سيعملون العقلية التي نشأها عليهم الرسول "ص" في الاجتهاد لما يحقق الخير والنماء للمجتمع الإسلامي، ومضوا على ذلك بعقلية لا ترفع الرؤى البشرية إلى منزلة التشريع المنزل فلم يجعلوا لاجتهاد أياً منهم ومن بعدهم وجوب الإتباع فليس لهم ما للنبي- صلى الله عليه وسلم- من التأييد بالوحي والعصمة من الغلط والخطأ.

فسنة النبي - صلى الله عليه وسلم – هي فهم وتطبيق التشريع المنزل، وهذا هو العمل بالتشريع، ومعنى ذلك بالضرورة أن الاجتهاد من غير النبي - صلى الله عليه وسلم - يحتمل الصواب والخطأ، تلك هي العقلية المشكلة بمنهج الله والتي تجعل التشريع المنزل هو المعيار الضابط للاختلاف، قال تعالى : "" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا """النساء : 59"

فرد محل الاختلاف والتنازع إلى الله وإلى الرسول لا يكون إلا بمنهج القرآن في فهم القرآن الذي وعدنا الله ببيانه، قال تعالى: " ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ".

والإدراك المنطقي لدلالة الآية هو أن القرآن تضمن في طياته منهجية فهمه... ولعدم العناية بهذا كان أخطر وأهم ما وقع فيه المسلمون من اختلاف وانقسام بسبب الأخذ برؤية البشر في فهم القرآن ... فالقرآن يبين للمسلمين كيفية فهم القرآن ويبدأ ذلك بفهم لغة القرآن ويتبلور الفهم الدقيق بتحديد دلالات المفاهيم.

قال تعالى: "{إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } وأكد القرآن على أهمية لغة القرآن ببناء لغوي وصياغة مختلفة في ثمان آيات.

ففهم لغة القرآن هو المتطلب الأول لفهم دلالاته ومقاصده فيصبح ناظم معياري لتنزيل أحكامه على حركة الحياة ومتطلبات التغير الزماني والمكاني "التطور الحضري" وقد أسهب الموروث في سرد المترادفات مما سار بدلالات كلمات القرآن نحو الظن فأفسح مجال الاختلاف.

ويتضمن منهج القرآن لاستيعاب القرآن رد المتشابه إلى المحكم، قال تعالى:"{هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ}

ونورد بعض الآيات المحكمات التي تمثل أصول الإسلام مثلاً:

-الألوهية والربوبية لله وحده، قال تعالى : " "قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ ""الناس " تلك هي أول محكمات الآيات "التوحيد " المحرر للإنسان مما سوى الله في الحكم والحب والتقديس والتبعية .

-العدل، قال تعالى " إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ اْلإِحْسَانِ " وقال تعالى: "- "وَإِذَاَ حَكَمَتُمُ بَيَنَ اَلنّاَسَ أَنْ تَحَكَمُوَاَ بِاَلَعَدِلَ" والعدل يقوم على المساواة ومن أجلها ، مساواة في الأمر والنهي ومساواة في المكانة عند الله وفي التلقي المباشر من الله وفي الارتباط بالله ومساواة في قيمة الإنسان وعلاقة الإنسان بالإنسان

-حسن وصلاح العمل هو مقصد كل تكليف إلهي في إطار أفعل ولا تفعل قال تعالى : "وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ""البقرة : 25"

وقد قرن القرآن الإيمان بالعمل الصالح متلازمان في 50 آية، وحسن العمل هو الإخلاص والإبداع والدقة والصلاح هو الخيرية...

وكلما بعد المسلمين عن منهج القرآن في فهم وتنزيل آياته على الواقع كلما هيمن التشريع المؤول على عقلية المسلمين الذي أدى إلى اختلافهم لأن الاختلاف حاصل لا محالة- في فهم مراد الله ومراد رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وفي بيان الصواب وتقدير المصالح فيما يعرض للناس في شؤون دينهم وأحوال دنياهم.

وإذا حصل الاختلاف، وجد الصواب والخطأ، فيكون الاحتمال قائماً أن يذهب الناس مع الخطأ ويعرضوا عن الصواب. وهذه هي طبيعة التشريع المؤول فكان الاختلاف في ما تعم به البلوى وما يتصل بالقضايا العامة للأمة في السياسة والاقتصاد والعلاقات الدولية، إلى أن وصل المضمضة والاستنشاق فتشكلت عقلية تقوم على التعصب والتقليد فقادت إلى الجمود والصراع فلم يتحقق للأمة العمل بعقلية رشيدة واحدة، فدخلت في ديمومة متنامية من الصراع والاختلاف المؤدي إلى التخلف وهذا يفرض العودة إلى تنشئة المسلمين على عقلية التشريع المنزل التي تقوم على الحق والعدل ووسيلتها العلم والبحث حتى اليقين, والتي تجعل المعيار الناظم للاختلاف التشريع المنزل و منهج الاختيار لحسم الخلاف هو منهج البحث حتى اليقين عند إرادة العمل، وبهذا لن يتعذر الجمع بين المختلفين ولن يكون الاستبداد بالرأي هو السائد، ولن يكون تعصب كل فريق لمذهبه والتمسك بصواب رأيه وسيكون توحيد الصف واجتماع الكلمة.

ولا يخفى أن إعادة بناء عقلية المسلمين بمنهج التشريع المنزل ليست من الأمور اليسيرة ولا القضايا الهينة، وإنما يتم ضبطها بأيمان الغيورين من المسلمين بأهميتها واجتهاد المخلصين من علماء الأمة وأهل الخبرة والدراية فيها عن طريق البحث والتثبت والتدرج حتى الوصول إلى حق اليقين عبر علم اليقين إلى أن نلمس عين اليقين.

إن الخوف من أن تمضي الأمة، بعقلية غريبة عن منهج الله وعن مسيرة التطور الإنساني تلك العقلية اتسقت بعلاقة طردية بين التخلف و البعد عن التشريع المنزل عظيم الكمال وتمام النعم.. قال تعالى: " الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ""المائدة : 3"

وكان اهتمامي بالعقلية الإسلامية نتاج مسيرة أفنيت فيها جل عمري لتلمس أسباب تخلف المسلمين فكان أول ما ترجح لي أن الاستبداد والبغي والظلم في علاقة الحاكم بالمحكوم أهم عامل في تخلف المسلمين، وقد شملت ذلك في كتاب "فتنة الإمامة والحكم " أوضحت في طياته أن الاستحواذ على السلطة والثروة الذي أبتدأ باختزال دور الأمة في أهل الحل والعقد.

ثم أفرز تأبيد الحاكم وولاية العهد وتوارثه، قد أدى إلى ظهور مذهب الحاكم وفقيه الحاكم وقاضي الحاكم، وأصبحت الرؤى البشرية هي الإسلام أو هي ترجمته وأوقفوا الاجتهاد ونشئوا الناس على ثقافة الجمود والتقليد والتعصب ولم تتفق المذاهب بقسميها "السنية أو الشيعية" إلا على التأسي والاقتداء بما دون رسول الله .

ولوقوف الموروث في طريق العودة إلى العمل بالتشريع المنزل أصدرت كتاب "منهج الإسلام في القضاء على الاستبداد" بينت فيه منهج الإسلام في القضاء على الاستبداد السياسي واستبداد الموروث وما رافقه من ظهور الوساطة والوساطية, واختلال في عقائد بعض الفرق والمذاهب ثم بعد ذلك، ثم تبين لي أن الاستبداد لا يتلاشى إلا بمزيد من الحرية فأصدرت كتاب "الحرية منهج الإسلام وتشريعه " تلمست فيه النص القرآني المبين أن الحرية أصل من أصول الدين قام عليه استخلاف الإنسان وبينت ما هي الحرية في التصور الإسلامي وأنواع الحريات التي يذود عنها التشريع الإسلامي..

وفي ختامه بينت أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان مجرد صدى للمنهج الإسلامي وعلى عظيم قيمة ومكانة الحرية وحقوق الإنسان في الإسلام تدنى الاهتمام والعناية بها والبحث فيها.

ولخطورة ما عم بين المسلمين من اختلاف وانقسام فمضيت بمشيئة الله وتوفيقه فأصدرت كتاب "الوحدة فريضة إسلامية " بينت فيه أن الوحدة تنبثق من أصل التوحيد تضمن معنى الوحدة ووجوبها في التشريع المنزل بمنهجية الوحدة العضوية، بين كتاب الله وسنة نبيه، وأسباب الفرقة والانقسام ونتائجها المهلكة وتلمست منهج الإسلام المنزل العظيم في توحيد الأمة، ثم بعد ذلك بحمد الله أصدرت كتاب "القيمة الكاملة للمساواة في الإسلام " وكانت قد تملكتني فكرة البحث في قيمة ووجوب المساواة منذ وقفت على النتائج المدمرة في تأصيل التميز الطائفي والسلالي والطبقي في الرؤى المذهبية وما أفرزته من بغي وصراع وانقسام وتخلف عبر العصور وفي نهاية تلك المسيرة الساعية إلى إثبات فرضية "الحق المطلق لا يفرز التخلف" فالحق المطلق هو الإسلام الذي هو هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، والتخلف هو واقعنا اليوم نتيجة لانحراف الفهم والتطبيق عن الإسلام المنزل الذي كان ومازال بسبب تخلف عقلية المسلمين، وبهذا ستبنى عقلية التدين الرشيدة التي تحررنا من استبداد الصراع المذهبي.