أحمد محمد الحاضري
أحمد محمد الحاضري
عدد المشاهدات : 2,132   
الجمود والجحود في النظرة إلى التخلف

 إن عقلية الديمقراطيات الوطنية تخالف الصدق العقلي القائم على أن الحقيقة واحدة والحق واحد في رؤية حقيقة الظرف الموضوعي والزمني, معتبرين أن التخلف الناتج عن التطبيق البشري للدين هو الدين وهذه يطلق عليها "العقلية الجاحدة" وماثلهم اللبراليين بهذه القناعة..

لأنهم عمموا تجربة أوروبا في تسلط الكهنوت الكنسي على المجتمعات الإسلامية وآخرون تأثروا بالثورة الفرنسية وكتابها مثل "فولتر" ووقف أمامهم الجامدون بجعجعة الرفض والاستنكار ولم يواجهوا الفكر بالفكر كون فكرة التدين في جوهرها، تختلف بين الإسلام وكهنوت المسيحية, فالإسلام منهج حياة ينظر إلى الروح والمادة، ويأمر ويحث على إعمار الدنيا وينهى عن الكهنوت باعتباره رهبانية ووساطة, فليس في الإسلام من ينوب عن الله أو يتكلم باسمة, فالناس سواء في التلقي المباشر من الله بالقرآن الخالد والناس سواء في الارتباط بالله وهم سواء في المكانة عند الله, وهو منهج يحث على حسن وصلاح عمل الإنسان في الأرض ومثوبته في الدنيا والآخرة، قال تعالى "أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ * وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ" الجاثية : 21 ، 22"

تلك هي المشيئة الكلية الأولى التي قام عليها مقصد الاستخلاف على الأرض والتي جهلها الجامد والجاحد.

فالإسلام يبني الإيمان بالله على تصور شامل انبثق عنه قواعد معيارية لنظم الأوضاع الاجتماعية والسياسية والفكرية ويرتبط به المذهب الاقتصادي في منظومة واحدة، كما أنه لا يمكن تركيبه على تصور آخر, ولا على أوضاع سياسية واجتماعية وفكرية مغايرة وهو يتسم بالخلود والعالمية, فهو لا يصطدم مع التطور الحضاري الإنساني ولا يقف ضد تمكن الإنسان ورفاهة فينهى عن الرهبنة ويحث المسلم على الأخذ بالأسباب والعلم بشموله من التدين فهو الدين الذي يوازن بين الروح والجسد والدنيا والآخرة.

وليس معنى التصور الإسلامي وحدانية الأنماط وجمودها ليس معنى ذلك أنه لا يمكن أن ينبثق عنه إلا صورة اقتصادية وسياسية واجتماعية وفكرية واحدة محددة السمات والتفصيلات، بل تمثل عالميته وخلوده وحدانية المعايير ومرونة الأنماط وفقاً لتغيير المستوى الحضري أو تغيير الظرف الموضوعي أو الجغرافي, فالإسلام يهتم بالمضمون وليس بالشكل, فلا يحدد شكل الدولة الإسلامية أو النظام الاقتصادي, فللناس أن يختاروا ما يناسبهم وفقاً للقواعد المعيارية الإسلامية الناظمة لحركة الحياة ومنها العدل المساواة الشورى والأمة مصدر السلطة، تحريم الربا، تحريم الاحتكار، التكافل الاجتماعي، التعاون، المسئولية الإنسانية تلك باقة من القواعد المعيارية الناظمة لمضمون النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية .. وتلك هي كليات وأصول الدين التي جهلها الجامد والجاحد.

وبديهي أن التصور الإسلامي للألوهية والكون والحياة والإنسان هو تصور واقعي خالد وعالمي ولسنا ننكر أن تكون هناك مذاهب معينة ورؤى فكرية قد استحدثت في اليمن في عصر ما تلبسها النظام السياسي الذي جاء مجلوبا مصنوعا فأنتج وضعاً خاصاً من أوضاع التخلف، لتلبسه في عقلية التدين الشعبي لليمنيين وذلك ما كان ووقع بالفعل.. ولكن المتبصر بأساسيات الإسلام المنزل يرى أن ذلك من صنع الإسلام المؤول الرؤى البشرية والتطبيق البشري.

وحين قامت الثورة انقلب اتجاه التفكير في اليمن من ناحيتين اثنتين على الأقل، كلتاهما تعضد الأخرى.. فقد كان الفكر اليمني في فترة الحكم الأمامي قائما على أصول دينية – بصرف النظر عما وقع فيها من تحريف عن الأصل الصحيح – أي أن مصدرها هو الدين، ثم إن هذا الفكر كان متجهاً إلى الحق الإلهي في الحكم للحسنين والحسينيين على أساس ما رسخ في تدين الجماهير أنه الدين الحقيقي، وأن من يتجرأ على منافستهم في هذا الحق خارج عن الدين..

أما فكر الثورة فقد كان هدفه القضاء على الفكر والنظام ومقصده "إنساني" من جهة، وموجها إلى تطوير حياة الناس من جهة أخرى.. فلما أعلن النظام الجمهوري تاه في غياهب حروب المقاومة وترسيخ النظام ثم بالصراع على السلطة ولم ينشغل بالقيم العليا الإنسانية للثورة المتمثل في القضاء على الحق الإلهي في استحقاق السلطة الذي رسخ اللا مساواة والاستعلاء الذي حرم اليمني من إنسانيته كما ينبغي أن يكون في صورته الكريمة اللائقة بإنسانيته.

إلا أن الثورة قد أثرت في عقلية اليمني فخرج شيئاً ما من كهوف السلالة والقبيلة والمنطقة بعد الثورة إلى العقلية الوطنية باعتبار اليمن كله وطنا له.. وامتاز ذلك العصر بشعور الإنسان اليمني فيه بشخصيته المنطلقة نحو الغد وبمعارضته للقيود وأحس بتغيرات حقيقية في قيمته الإنسانية وشعر بما يجري حوله وصمم على التفكير بطريقة مغايره للماضي ولكنه لم يهتد إلى الفكر الرشيد لعوامل عدة أهمها مقاومة وذبذبة المضاويين لتوجهه..

أغفلت الرؤية المذهبية الأصولية قيمة العقل وجعلوا وظيفته إثبات النقل.. واعتمدوا على النقل وأهملوا العقل واستشهدوا بقرائن حمقاء مثل "لو كان الدين بالعقل لتساوى حكم الخطأ والنسيان "أو كما قالوا" لكان مسح باطن النعل خيراً من ظاهرها " وهم وقفوا هذا الموقف كردة فعل من إقحام العقل في غير نطاقه مع انتشار الفلسفة في القرون الأولى.. وأما الماديون فإنهم ذهبوا إلى ذلك لجهلهم في حقيقة الدين الإسلامي، ونقول لهم: ما دليلكم على أن العلم والدين نقيضان لا يجتمعان؟؟ وهذه العقلية تثبت بقولها هذا جهلها بحقيقة الدين واستنساخها لمقولتها تلك من مقولة عصر النهضة بالغرب حين تصادم الكهنوت المسيحي مع المكتشفات العلمية بل على العكس من ذلك فإن عدم تناقض أي حقيقة علمية أو مكتشف علمي مع القرآن يعتبر دليلاً عقلياً على خلوده وعالميته بل يدعوا إليه وإن العلم في الإسلام أصل في التدين ويثاب عليه، بل يعاقب الإسلام على الجهل.

قال تعالى "يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ" "المجادلة : 11"

قال تعالى " وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ " "الملك : 10"

بل كلما تقدم العلم خطوة كان الدين عندها، وكلما كشف العلم عن سر من أسرار الكون، كلما برزت حقيقة الألوهية المبدعة جلية واضحة، وازداد العقلاء المتدينون إيمانا فوق إيمانهم، بل وكثيرا ما رجع المفتونون بالعلم والمادة إلى الإسلام.

ولقد أشار القرآن- في وضوح- إلى أنه لا تنافي بين العلم والدين، بل نراه يجعل العلم تديناً وفي أكثر من آية بل يدعونا القرآن إلى قراءة كتاب الكون بما حواه من أسرار العلم وعجائب المعرفة التي لا يزال يظهر منها كل يوم جديد وغريب فيقول {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ}. 

 صلاح الدنيا أساس لصلاح الدين، وصلاح الدين أساس لصلاح الآخرة, وأن تكون السياسة مضبوطة بقواعد و أصول ومقاصد الشريعة، وأن السياسة بقواعدها الكلية حددها الإسلام وترك التفاصيل للاجتهاد، وهذا الفكر هو الضابط لإسلامية العقلية السياسة، فالسلفية الصحية أن تعود بالعقائد إلى المنبع وان تجتهد لمتطلبات الواقع والمستقبل في ظل غياب العدل لا يمكن إقامة الحدود, فلا يلغى الحد ولكن يوقف التنفيذ لبلوغ الناس الاضطرار أو الضرورة "عدم الاستطاعة على الالتزام" الإسلام دين مدني حتى دولة المدينة كانت دولة مدنية خلطانا مضامين غربية بمضامين إسلامية في المصطلح السياسة دينيوية لأنها تحقق مصالح الدنيا وفقاً للقواعد الشرعية المتبعة التدابير يكون الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الخطأ.. التمييز بين السلطات ليس طارئاً علينا من الحضارة الغربية..