أحمد محمد الحاضري
أحمد محمد الحاضري
عدد المشاهدات : 2,221   
الإسلام دين لتحرير الإنسان

إن تحرير الإسلام للإنسان هو هدفه الأول تحريراً رحب الأفق بمنهج يتسلل إلى الذات الإنسانية موقداً في حناياها التمسك بالحرية والدفاع عنها منهج يعمل على تحرير الإنسان من كل إصرً فيحرر نفسه وعقله ويحرر الإنسان من الإنسان ومن الكون ليربطه بعبودية لمن هو أرحم من الإنسان على نفسه أنهُ الله الذي بمنهجه تأنس النفس وتهتدي وبنوره يستنير العقل ويرتقي أنه منهج الإسلام ، إنهُ النور الذي يضيء القلوب والعقول ،إنه كلمة الحق التي تسعى إلى تنوير العقول وإيضاح السبل .

 قال تعالى: "الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ "                 

إنه منهج الله لتحرير الإنسان الذي كرمه قال تعالى :"وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً"                                                                                             

منهج يعز الإنسان ولا يرضى لهُ بالهوان قال تعالى" وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ "             

فالإسلام يحرر الإنسان بأركانه وأصوله وتشريعاته ومقاصده ويقوم على عدل رب رحيم ، عدل فيه الثواب أكبر من الفعل وفيه العقاب بمقدار المعصية ،عدل فيه توفيق وبركة في الدنيا وثواب في الآخرة أنهُ منهج الله ، أنهُ النور الذي يحرر النفس من أهوائها المنحرفة بتعاليم تتدفق بانسياب إلى أعماقها ليحل لها ما يصل بها إلى الاطمئنان وينشئها على سلوكيات تجعل استوائها يهيمن على رغباتها وغرائزها فيجتث فجور النفس الأمارة بالسوء ويشرع ما يعين و ييسر على النفس اللوامة تصويب انحرافها لتصل برفق وديمومة إلى النفس المطمئنة ، فيقضي على الاستبداد من منبعه .

 ثم تمضي كلمة الإسلام الطيبة لتحرر ذهنية الإنسان وتنمتها ليكون الإيمان عن علم ويقين لا عن تسليم واعتياد وليصل به إلى الرشد في رؤاه وتصوراته للأشياء ليكتشف الحق والعدل والنواميس والسنن لأن العقل هو موجب التكليف للإنسان وبالعقل يكون الإنسان قادراً على تلقي الخطاب الإسلامي ،فالخطاب القرآني موجه للعقل بمختلف مراتبه وقدراته ويتعامل معه كضابط لمكونات الإنسان وتفاعلاته، ولذلك اهتم به الله منذ النشأة الأولى قال تعالى : "وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا "  وحثه على تنمية قدراته بالتعلم .

 قال تعالى "اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ".. قراءة مرتبطة بمنهج الله ومن خلاله.

فيخاطب إدراك وتمييز العقل الفطري، ثم يحثه على الارتقاء بعقليته إلى مرحلة التفكر والتدبر فالابتكار فالرشد فالحكمة ولذلك يتنوع خطاب القرآن لمختلف مراتب العقل بالاستدلال والاستنتاج والاستنباط ليصل إلى مرحلة الرشد والحكمة التي تجعله يكتشف وحدانية الله ، في مخلوقاته فيوحد الله بالدليل لا بالتقليد والتسليم فيؤمن بالله بالعلم ، قال تعالى " فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ ".                       

ولذلك كان الإسلام في منهاجه التربوي، بعيداً عن الخرافة، لأنه قائم على الصدق العقلي ! بعيداً عن الظلام، لأنه يسعى نحو النور "يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً. فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ بِاللّهِ وَاعْتَصَمُواْ بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً".. 

أ - مفهوم التحرر في التصور الإسلامي :-

إن مفهوم التحرر في التصور الإسلامي يبدأَ من كلمة التوحيد لا إله إلا الله والمكونة من نصفين نصفها الأول ثورة " لا إله" فأخرج الإنسان من استبداد وعبودية الإنسان والظواهر الطبيعية والأوهام ونصفها الأخر التوحيد " إلا الله " بمعنى لا عبودية ولا إتباع إلا لهُ جل جلاله وبرسوخها في القلب وتمثلها في العمل تتوهج الحرية بوصول الإيمان إلى مرحلة الاعتقاد بأنهُ لا محيي ولا مميت إلا الله ولا نافع ولا ضار إلا الله ، وبذلك يتحرر الإنسان من كل أنواع الاستبداد باعتقاده "لا إله إلا الله "كلمة التوحيد لأنها  تنتزع منه الخوف وتزرع الأمن فيصبح لهُ القدرة على الاختيار"حر الإرادة "، حرية شرعها خالق الإنسان فتطابقت مع فطرته .

 

وينبثق مفهوم التحرر في التصور الإسلامي من مشيئة الله وإرادته التي جعلت الاستخلاف على الأرض لإنسان حر الإرادة ( حرية الاختيار) وبذلك كان العدل في الثواب والعقاب. قال تعالى: " وَمَن يَعمَلَ مَثَقَاْلَ ذَرَةً خَيِرَاً يَرَاْهُ، وَمَنّ يَعَمِلَ مُثَقَاْلَ ذَرِةً شَرَاً يَرَهُ ".                                      

وبعد أن منح الناس الحرية والإرادة والقدرة على الاختيار "لا إكراه", بين لهم معالم طريق الخير والعدل ومخاطر طريق الشر والظلم والأجرام، فهداه النجدين، قال تعالى "وَهَدَيْنَهُ النَّجْدَيْنِ".          

وناط سلوكه بإرادته وقدرته وملكه مفتاح التغيير الذاتي والإمكانية على الارتقاء والتغيير المجتمعي الذي يجيء دائماً ثمراً للتغيير الذاتي .

فيحرر ذات الإنسان من الأهواء ويحرر ذهنيته من الجهل ليصل إلى مرحلة يبني فيها تصوراته ومعتقداته على حقيقة الأشياء "الرشد" ذلك سيصل به إلى التحرر من الإنسان باعتقاده المساواة كحقيقة مطلقة ،فيتحرر من الأوهام لأن الإسلام نما الاستعداد الذهني والتوازن النفسي للإنسان ليحيى رشيد العقل متوازن النفس.

  والتحرر في الإسلام تحرر هادف غايته تكريم الإنسان والحفاظ على آدميته لتتحقق لهُ حرية تحافظ على الذات وعلى الآخرين ،لأن الإسلام يعمل على تحرير المجتمع والبشرية في إطار تعاليم تتطابق مع فطرة الخلق.

ولذلك يجب فهم التحرر بالمعني الإيجابي له ، أي التحرر من القهر والاستبداد ليصبح الإنسان قادراً على الحفاظ على آدميته لتتحقق الغاية من وجودة فيكون حراً  في ظل النظام المنبثق من المنهج الإسلامي الذي يجعل التحرر من الاستبداد يرتبط مع الإنسان كمنهج حياة" لأن الحرية في أصل العقيدة الدينية هي قدر الإنسان الذي تميز به عن كل مخلوق سواه فمهما كانت الأشياء تسجد لله كرهاً ومهما سجد كذلك العنصر المادي من جسم الإنسان فإنه بإرادته حر مختار إن شاء عبد الله سبحانه وتعالى طوعاً وإن شاء كفر.

 ولذلك تضمن القرآن الكريم ما يحرر الإنسان وشرع ما يحافظ على حريته بل يقدم الحرية على أنها سنة من سنن الحياة و فطره في خلق الإنسان ولن تجد لخلق الله تبديلا وربط مخالفتها في قصصه وتعاليمه بمخالفة النواميس التي لا تستقيم الحياة إلا بها, فحرره من استبداد غيره ومن استبداده على الآخرين فجعل أساليبه جدالاً لا قتالً وحوارً لا حراباً وأسلوبه الحسنى صبر جميل وصفح وسماح حتى على الكيد والأذى إلا إذا تعين الصراع ضرورة مقضية مع المستبدين من أجل الحرية.

وتمثل المنهج القرآني رسول الهدى قولاً وعملاً فربى جيلاً حراً أحيا به الدوافع والقدرات التي حملت ثوابت الإسلام وأصوله لتحرير البشرية .

ولأن الدين الإسلامي دين الفطرة فإنهُ يدعوا إلى الحرية ويحميها لأنها قيمة فطرية في الإنسان، ولذلك فهي ضرورة في المنهج الإسلامي لا تستقيم الحياة إلا بها. قال تعالى "فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ".                     

منهج بعث في المسلم الدوافع ليصبح نتاج فعله أكبر من قوته ، وتدرجت الدعوة الإسلامية في إعداد الإنسان عقلياً ونفسياً ليصبح حراً فأرشدته إلى الأخذ بالنواميس والسنن التي تحافظ على حريته وتنميها ثم شرع ما يحمي تلك الحرية ، وتضمن الإسلام حماية حقوق الإنسان.

" فالمنهج الإسلامي يحرر الإنسان من نفسه ومن أخيه الإنسان ومن المجتمع وجعل الحرية وجوبها قطعي على الفرد والمجتمع والأمة، لأن الله جعل الإنسان أكرم خلقه".

وإذا تناولنا الحرية أو التحرر السياسي, فالنصوص الشرعية الفرعية ومأثورات التاريخ الإسلامي تتمثل فيها معاني التحرر إزاء الطاغوت والسلطان الجائر..