د.محمد جميح
د.محمد جميح
عدد المشاهدات : 3,285   
مقال لم يكتب

المقال مطلوب الأربعاء ليكون منشوراً الخميس في «القدس العربي»، وأنا أضع يداً على خد، كمن يحاول اصطياد أسماك كثيرة بسنارة واحدة مكدودة.

عم اكتب؟ مللت الكتابة، ولم تعد لديّ القدرة على التحليل أو تسليط الضوء على شيء مما يحدث أو سيحدث، لا يستطيع أحد في هذا الزمن المراوغ أن يزعم أن لديه القدرة على التنبؤ بمسار الأحداث في هذا الوجع الكبير المسمى بلاداً عربية.

هل اكتب عن العراق الذي تسابق «الماجدون والماجدات» فيه إلى حز رأسه، ودفنه ليكون مزاراً جديداً يضاف إلى مزارات أحقادنا التاريخية، التي أصبحت -بفضل قدر نحسد عليه من الغباء – عوامل فرقة لا اتحاد؟ هل اكتب عن بلاد الأنهار الثلاثة (الرافدين والنفط)، بعدما رفدنا الأسبوع الماضي بأخبار درامية من هذا البلد الذي كان يوماً بوابة شرقية للوطن العربي، فأصبح بوابة غربية للجار الشرقي؟ أم أكتب عن تصريحات الرئيس الإيراني حسن روحاني بأن بلاد «الولي الفقيه» ستتعاون مع جيش «الشيطان الأكبر» للدفاع عن مراقد الأئمة في النجف وكربلاء؟ شطح بي الخيال لحظة، وأنا اتصور أن يقاتل «الشيطان الأكبر» إلى جانب «ولي أمر المسلمين» دفاعاً عن العتبات المقدسة، هذا موضوع ثري، رمزي، مفعم بالإثارة، والفنتازيا، إنه أشبه بحضور فيلم سينمائي من أفلام الآكشن، في صالة سينما فاخرة في لندن، أو باجترار الكوابيس في ليلة تمتزج فيها الرؤى بالهواجس والهلوسات.

تصريحات إيرانية متفاوتة بأن إيران لا تتدخل في الشأن العراقي جديرة بالكتابة، قاسم سليماني الذي أصبح «بريمر» جديداً في عاصمة الرشيد يستحق الكتابة، انتقادات الحكومة العراقية لتردد البيت الأبيض وتأخره في تنفيذ ضربات جوية على مواقع «الإرهابيين السنة»، وهي ذات الحكومة التي امتدحت تراجع البيت الأبيض عن ضرب نظام حليفها في دمشق بعد غاراته الكيميائية على مناطق عدة في سوريا، هذا التناقض موضوع يجعل أناملك في حالة حنين للإمساك بقلمك. صورة أكثر من خمسين ألف جندي من جيش المالكي ذابوا خلال ساعات، وانهزموا أمام ثلاثة أو خمسة آلاف من مقاتلي العشائر وغيرهم من «القاعدة»، صور هؤلاء الجنود تعكس ضعف شخصية رئيس وزراء العراق الذي يتظاهر بالتماسك ورباطة الجأش، هذه الطوابير الطويلة للجنود الفارين من «القاعدة» موضوع كتابة. صور الجنود الآخرين الذين قتلتهم القاعدة بدم بارد بعد أسرهم، موضوع يمكن أن يكون مقروءاً وجارحاً في الآن ذاته. الفلوجة المنكوبة بالمالكي وببوش من قبله، بغداد المقسمة، طائفية المالكي التي تسببت مع عوامل أخرى في ما جرى ويجري في العراق، تهميش سنة العراق، تخويف الشيعة وتجييشهم للدفاع عن «المقدسات» في الظاهر، ولقتال أشقائهم السنة في الحقيقة، كلها مواضيع جيدة للكتابة، ناهيك عن «القاعدة» وجنونها في هذا البلد المنكوب.

فتوى السيستاني الذي أفتى فيها بـ"الجهاد الكفائي" على العراقيين لحماية العتبات المقدسة موضوع يستحق الكتابة، خاصة أن «آية الله العظمى» سكت طيلة سنوات الاحتلال الأمريكي للعراق عن إصدار أي فتوى للجهاد ضد المحتلين، ليسارع في إصدارها ما دام المنتفضون ضد حكومة المالكي في معظمهم من العراقيين الذين لم يلتفت إليهم «سماحة السيد» طول سنوات من القهر والتهميش. لكني عدلت عن الكتابة عن العراق، البلد الذي أتعب علي بن ابي طالب، والحجاج بن يوسف على السواء، لا داعي لأن أعد للقارئ وجبة من التعصب والحقد والصراخ والدماء والشعارات والفساد وانهيار الدولة والمجتمع على حد سواء.

سأكتب عن سوريا إذاً، حكايات البراميل المتفجرة، والرؤوس المقطوعة والأرجل المبتورة، والمدن التاريخية التي محاها نظام الأسد عن الخارطة، كل ذلك موضوع كتابة. إعادة انتخاب «السيد الرئيس» بنسبة عالية، حزب الله وتحذيره من التدخل الخارجي في سوريا، الذي يشبه تحذيرات إيران من التدخل في هذا البلد العربي، الذي لا تعد إيران وجودها فيه تدخلاً خارجياً، بقدر ما هو وجود على جزء من أراض تتبع نفوذ طهران، «القاعدة» في سوريا التي تشبه «القاعدة» في العراق، جسور جوية وبرية وبحرية من الأسلحة لنظام بشار، حصار الثوار من قبل الغرب والإقليم، وعدم السماح بتسليحهم، معاناة السوريين تحت القصف وفي المخيمات، والوضع الإنساني المتردي، كل تلك مواضيع كتابة.

فلسطين بالطبع لن اكتب عنها، لم تعد موضوعاً للكتابة، نسيناها في خضم انشغالنا بسوريا والعراق وبلدان الربيع العربي، الصراع العربي الإسرائيلي الذي اختصر ليصبح صراعاً فلسطينياً مع إسرائيل، ثم اختصر ليصبح صراعاً يخص جزءاً من الفلسطينيين مع إسرائيل، واختصر ليصبح صراعاً سياسياً، كل ذلك نسيناه في خضم صراعات الأمويين والعلويين الجديدة، وصراعات قريش على سدانة البيت الحرام.

غزة الجائعة المحاصرة، الضفة التي ذبح الإسرائيليون شوارعها بنقاط تفتيشهم وحواجزهم، فتح وحماس والحكومة الجديدة، المفاوضات التي ماتت، ونتنياهو الذي يتمنى أن يكون بن غوريون، ويفشل حتى في أن يكون في مستوى إيهود أولمرت، كل تلك مواضيع يمكن الكتابة عنها، ناهيك عن ثلاثة مخطوفين إسرائيليين، قامت دنيا إسرائيل والعالم لخطفهم ولم تقعد، على الرغم من أن هذه الدنيا قعدت ولم تقم لآلاف الأسرى من الفلسطينيين المغيبين في سجون «الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط». لن اكتب عن فلسطين بعد أن صارت البلاد العربية كلها فلسطين كبيرة تصرخ وتستجدي ليل نهار.

لن اكتب كذلك عن مصر «أم الدنيا»، وقاهرة المعز التي نريدها أن تكون «أم المصريين» أولاً، ثم إن كان لديها فائض أمومة فلتكن «أم العرب» الذين يعلقون عليها آمالاً واسعة في قيادة الأمة.

قلت لنفسي دعك من شؤون الآخرين، بلدك أولى بالكتابة، ولا ترم بيوت الناس وبيتك من زجاج، اكتب عن اليمن السعيد الذي لم يعد سعيداً، مواضيع مهمة للكتابة في هذا البلد الذي ما يخرج من أزمة حتى يدخل في أخرى. هناك خلافات الرئيس السابق، والرئيس الحالي، وهناك الإصلاح والحوثيون والمخربون، و»القاعدة» والحراك والمؤتمر والمشترك، وهناك نصف عدد السكان تحت خط الفقر، وهناك زواج القاصرات، وهناك الماء الذي ينضب، والنفط الذي يذهب، والمجتمع الذي يتحول شيئاً فشيئاً إلى مناطق وقبائل ومذاهب وأحزاب، والوطن الذي اختصر في النياشين قديماً، ثم اختصر اليوم في «الرصاص المصبوب» على رؤوس اليمنيين من قبل صاحب صرخة «الموت لأمريكا» في الشمال، وصاحب الراية السوداء في الجنوب، وهناك المقاتلون المأجورون، وقطاع الطرق، وتجار الحروب والمخدرات، وتجار البشر بين اليمن والقرن الافريقي والمملكة. لم لا أكتب عن القات أو حتى عن ذلك الشاعر الذي غادرته في صنعاء من زمان، ثم جاءت الأخبار أنه مات لأنه لم يجد قيمة الدواء، وقال لي أحد أصدقائه إن قيمة دوائه كانت أقل بكثير من قيمة ماكياج واحدة من بنات المتخمين في صنعاء.

لكن لم تعجبني فكرة الكتابة الليلة عن اليمن. هذا بلد كثير المواجع، لا يتعالج من رأسه حتى يبدأ الألم يدب في البطن، وإن تماثل للشفاء من جوفه، أو خيل لنا كذلك، يعاوده ألم الأطراف والظهر، وآلام المفاصل والعظام، لا داعي للمواجع الليلة. لماذا اكتب عن مواضيع أصبحت لازمة نشرات الأخبار، وعناوين الصحف كل يوم، مواضيع تكيف معها الناس كما تتكيف كـِلية مع حصواتها الكثيرة التي فشلت العملية الجراحية في استخراجها منها، وفشلت أشعة الليزر في تفتيتها. لا داعي للكتابة عن المبادرة الخليجية، وآليتها التنفيذية، وعملية التحول السياسي في البلاد، وغيرها من المواضيع التي أصبح أي يمني بسيط في أحد «مقائل صنعاء» يفهم فيها أكثر من «المحللين السياسيين» على الشاشات الثقيلة.

سحبت البطانية وألقيت القلم. لن ينهدم العالم إذا لم يخرج مقالي صباح الخميس، ولن تتوقف «القدس العربي» عن الصدور إذا غاب عنها، ربما كان عبدالمطلب محقاً عندما قال «أنا رب إبلي وللبيت رب يحميه». تهيأت للنوم وجاءني معروف الرصافي من العراق فيما يشبه الحلم يقول:

يا قـوم لا تتكلَّـموا إن الكــلام محـرَّمُ

ناموا ولا تستيقظـوا ما فــاز إلاَّ النُّـوَّمُ

تصبحون على وطن أجمل