د.محمد جميح
د.محمد جميح
عدد المشاهدات : 2,882   
إيران وسلاح الطائفية

يركز العالم في تعامله مع إيران على نقطة جوهرية، هي تلك التي تتعلق بالمخاوف من امتلاكها السلاح النووي, غير أنها تحرص - فيما يخص تعاملها مع شعوب المنطقة العربية - على استعمال سلاح آخر أكثر فتكاً بالنسيج الاجتماعي والأمن القومي العربي، أعني سلاح «الطائفية».

وإذا كانت إسرائيل لم تستطع اختراق النسيج الاجتماعي العربي، ولا التطبيع مع شعوب المنطقة العربية، حتى تلك التي ترتبط بدولها بمعاهدات سلام، فإن إيران، بعد أن «لبست ثياب الصديق»، أضرت بنسيج مجتمعاتنا أكثر من أي دولة أخرى. الطائفية في حقيقة الأمر هي سلاح إيران الأقوى في المنطقة، وهي اليوم تقتل العرب بالعرب في سوريا والعراق واليمن ولبنان، ولولا سلاحها الطائفي، لما تمكَّنت من ذلك. وقد استطاعت أن تغلِّف عداءها التاريخي الذي لم تستطع أن تتخلص منه للعرب بغلاف العداء لأمريكا وإسرائيل، في حيلة انطلت على الكثير من العرب للأسف الشديد، في الوقت الذي جرت حروبها داخل الأراضي العربية، وفي الصف العربي، وبالدماء العربية، دون أن تلتحم إيران مع واشنطن أو تل أبيب في معركة واحدة.

وما حاجة إيران لخوض حروبها بنفسها ما دامت تحرِّك أدواتها العربية لخوض تلك الحروب نيابة عنها، داخل الجسد العربي، بعد أن عمدت إلى انتزاع بعض أعضائه لتضربه بها وتضربها به، كي ينهك الجسد، ثم يتسنى لساسة إيران التحكم بمصير المنطقة، كما تمنيهم أحلامهم الإمبراطورية التاريخية.

ولعل إرسال طهران للإمام موسى الصدر إلى لبنان قبل ثورة الخميني خير شاهد على حرص طهران على ضم «الشيعة العرب»، إلى معسكرها، حيث بدأ الصدر بتكوين هيئات تنظيمية لإبراز المكون الشيعي في لبنان مغاير لغيره من المكونات، وقد ورث هذه الهيئات التنظيمية حزب الله الذي يخوض اليوم حروب إيران في سوريا.

والأسبوع الماضي، قال علي شامخاني، سكرتير المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، في مراسم تشييع قائد محور سامراء في فيلق القدس، الذي قُتل مؤخراً في العراق على يد قنَّاص من مقاتلي تنظيم «الدولة الإسلامية» إنه لو لا تلك الدماء المسفوكة في العراق وسوريا «لضحَّينا بدمائنا في طهران وأصفهان وشيراز...»، في إشارة واضحة إلى أن كل ما يُسكب من دم في المدن العربية، هو من وجهة نظر إيرانية مطلوب لحماية المدن الإيرانية.

وفي الحقيقة فإن المنطقة العربية لم تكن - قبل ثورة الخميني عام 1979 - تعرف في تاريخها المعاصر، هذا الصراع الطائفي بين مكوني الجسد العربي، ولم تكن - لو لا إصرار قادة إيران على تصدير ثورتهم - تعرف هذا الانقسام الحاد بين مكوناتها الطائفية الذي عبر عن أكثر فصوله دموية في سوريا.

والعجيب أن إيران تصدِّر لنا كل تلك الصراعات الطائفية تحت عنوان براق مخاتل هو «الوحدة الإسلامية»، التي تقصد بها طهران انتزاع مكوِّن «الشيعة العرب»، من جسدهم، وتوحيدهم مع رؤى وطموحات إيران، من أجل تحقيق أحلام تاريخية قومية ليس لها - إطلاقا - علاقة بالتشيُّع، ولا بآل البيت.