د.محمد جميح
د.محمد جميح
عدد المشاهدات : 2,577   
إلحاد متدين..!

عندما هجم كريغ ستيفن هيكس على ثلاثة مسلمين، في مدينة «شابل هيل» في الولايات المتحدة، لم يحضر زعماء العالم إلى المدينة للتنديد بالجريمة، ولم يقل أحد إن العمل إرهابي قام به أحد المنتسبين إلى ديانة ريتشارد دوكنز.

وعلى الرغم من أن الجريمة كانت تحمل طابع الكراهية العنصرية والدينية، إلا أن الشرطة نفت وجود دوافع دينية وراء الحادثة.

وبالعودة إلى صفحة هيكس على الفيسبوك، نجد أن الصفحة تفوح بالكراهية للأديان بشكل عام، والإسلام بشكل خاص. لكن ذلك لم يقنع الشرطة بالدوافع الواضحة التي تكمن وراء الجريمة، وذهبت الشرطة إلى اعتبار ما حدث جريمة دافعها العراك على مواقف السيارات في العمارة التي يسكن بها هيكس والمسلمون الثلاثة الذين قضوا على يديه.

هيكس متأثر بأفكار «الملحدون الجدد»، وهي حركة أمريكية متأثرة بأفكار «نبي الإلحاد» البريطاني ريتشارد دوكنز، غير أن الحركة يكتنف تصرفاتها الكثير من الأسئلة، التي تأتي من كون هذه الحركة، لا تنطلق من منطلقات إلحادية، أو فكرية بحتة تجاه كل الأديان، ولكنها تصب جام غضبها على الإسلام، مع وجود علاقات وطيدة تربط هذه الحركة بزعامات دينية إسرائيلية، ومع تجنب الخوض في انتقاد المشروع الصهيوني.

أحد أشهر رموز هذه الحركة الإعلامي الساخر بيل ماهر، يفاخر بعلاقاته مع إسرائيل، بينما يقول سام هاريس إن «النصوص الدينية اليهودية هي الأكثر أخلاقية»، مع اعتبار أن سام هو أحد رموز حركة «الملحدون الجدد»، الذين «يريدون أن يخلصوا البشرية من نير العبودية لله».

هذه الحركة لا يمكن وصفها بالإنصاف والحيادية في نظرتها للأديان، فهي إزاء الإسلام تراه شراً مطلقاً، وأباً لكل الشرور، في حين تدافع بشراسة عن معتقدات يهودية، لا حباً في التوراة، ولكن نفاقاً لإسرائيل، وأرباب المال اليهودي في نيويورك.

الصحافة الأمريكية تتحدث عن وجود غرفة عمليات منظمة بشكل كبير، تتبع هذه العصابة، الغرض منها شيطنة المسلمين، وتشويه الإسلام، حيث يحرص أعضاؤها على ضخ كم مهول من المعلومات الإعلامية المصنوعة لغرض التشويش على الرأي العام الأمريكي، والتي تظهر العرب والمسلمين على أنهم وراء كل كوارث العالم.

وعندما تريد هذه الحركة أن تستر حقيقة أهدافها في التركيز على التشهير بالإسلام والمسلمين، فإنها لا تمانع من السخرية من المسيحية، و«الإله الذي مات على الصليب دون أن يدافع عن نفسه»، لكنهم بالمقابل يؤمنون بحق إسرائيل في الوجود على أساس ديني تاريخي.

أذكر – هنا - البروفيسور «ألن سافتز» أستاذ اللغات القديمة في جامعة ليفربول، والذي كان يحضر عندي دروساً في اللغة العربية، حيث كان يفاخر بأنه «يهودي ملحد»، غير أنه كان يدافع عن إسرائيل باستماتة، ويتجاهل في نقاشاتنا أية معاناة للفلسطينيين، ويستميت في شرح «أن الرب في التوراة أعطى الحق في فلسطين لليهود قبل آلاف السنين».

وهذا يعود بنا إلى حقيقة أن زعماء الصهيونية القدماء كانوا من الملحدين، غير أنهم في دعوتهم لوطن قومي لليهود في فلسطين استندوا على نصوص الكتاب المقدس، وعهد الرب لإبراهيم.

الحركة الإلحادية اليوم موجهه ضد الإسلام دون غيره، وهي لدى كثير من زعمائها مجرد غطاء فكري يستر حقيقة الكراهية التي يكنها هؤلاء للإسلام ونبيه.