لماذا فبراير؟
بقلم/ حورية مشهور
نشر منذ: 3 سنوات و 5 أشهر و 19 يوماً
الإثنين 13 فبراير-شباط 2017 02:42 ص
كان على ثورتي 26 سبتمبر و14 أكتوبر المجيدتين أن تحققا كل أحلام اليمنيين في الحرية والكرامة والعدالة والمواطنة المتساوية، وتحقيق الرفاه الاقتصادي والاجتماعي لكل أبناء الوطن من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، ومن أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، وأن تلعب اليمن دوراً إيجابياً على المستوى العربي، وأن تكون عامل سلام واستقرار على المستوى الدولي بحكم موقعها المتميز والهام للملاحة الدولية.
للأسف الحكومات المتعاقبة لم توفر إلا الحد الأدنى من الخدمات الاجتماعية والتي لا تتفق مع حجم الموارد الطبيعية المتاحة خاصة بعد تحقيق الوحدة اليمنية في مايو 1990، كما لا تتفق مع حجم الدعم الدولي الذي كان اليمن يحظى به من المملكة العربية السعودية ودول الخليج خاصة أو الاتحاد الأوروبي واليابان والولايات المتحدة الأميركية.
وهذا يضعنا أمام استفسار هل انتكست ثورتي سبتمبر وأكتوبر؟ وإلا ما الحاجة التي تدعونا لثورة ثالثة؟ ما هي الأسباب؟ وكيف يمكن أن نضمن تحقيق أهداف الثورة وعدم نكوصها؟ لماذا بعد أكثر من أربعة عقود نعود إلى المربع الأول؟ من المسئول عن ذلك هل هي القيادات السياسية الأنانية ذات النظرة القاصرة؟ أم الجماهير التي صمتت وسكتت كثيراً فأصبح التغيير عصياً وصارت تكلفته عالية؟ أسئلة كثيرة تدور في الذهن.
في مطلع الألفية الثالثة نفيق على صدمة أن بلادنا مصنفة من الدول ذات التنمية البشرية المنخفضة، وندرك أن فساد الحكم يقودنا إلى الهاوية، وكان أداء القوى السياسية "المعارضة" ضعيفا لا يرقى إلى مستوى مواجهة تلك التحديات التي تواجهنا وتعصف بوجودنا.
كانت الهوة تتعمق باستمرار بين مجموعة صغيرة أثرت ثراء فاحشاً، وامتلكت كل ثروات البلاد، وسواد أعظم من الناس يعيشون في فقر مدقع، مع تآكل الطبقة المتوسطة، وانحسار الإنتاج، وضعف دور القطاع الخاص الذي واجه كل أشكال التضييق من الطبقة الطفيلية الجديدة، والتي كانت في الأساس فئة يمنعها الدستور أن تمارس التجارة، ولكنها وجدت الوسائل الملتوية المختلفة، لتبتلع موارد البلاد وتعجز عن تحقيق أي وفرة في الإنتاج لإعاشة ملايين الفقراء.
أمام تلك الأوضاع المتردية كان وحدهم الشباب الأقدر على المواجهة وعلى التصميم باستعادة أهداف ثورتي سبتمبر وأكتوبر فكانت الثورة الثالثة الأوسع جماهيرياً والأوضح رسالة وهدفاً.
كانت الرسالة واضحة، وهي إسقاط حكم الظلم والاستبداد وبناء دولة النظام والقانون.
لقد تندر بنا الأقزام فعزوا ما جرى من فوضى إلى الثورة، ولم يكونوا يدركون أن الوضع الهش الذي نعيشه لا يعكس سوى مظاهر زائفة وخادعة لسلام نسبي، تعكره كثير من المشكلات والتحديات، ولن يقود إلا إلى أوضاع أسوأ من تلك التي كنا نعيشها في ظل تغول دولة الاستبداد والتسلط ودولة الفرد، الذي يدير كل أجهزة الدولة بجهاز الهاتف من مجلس قاته.
ما زالوا يتندروا بنا مدعيين فشل الثورة التي أستخدم فيها "زعيمهم" كل مقدرات الدولة العميقة من مال وإعلام وأجهزة أمنية وعسكرية لإفشال الثورة التي نزعت عنه السلطة كما تنتزع الروح من داخل الجسد.
الثورة لم تفشل، وإذا ما كان لها من نجاح واحد فهو القضاء على مشروع الاستيلاء على الدولة، واعتبار أبناء الوطن رعايا يتوارثه الأبناء والإخوة وأبناء الإخوة كما يتم توارث القطعان.
ما زال الشباب على أهبة الاستعداد، ما زالوا في الجامعات ومواقع العمل وساحات النضال والشرف باذلين الأنفس رخيصة من أجل استعادة الوطن، وما زالت جروحنا نازفة على المعتقلين والمخفيين قسراً والمشردين في الداخل والخارج، ولكن ذلك يهون أمام أسمى الغايات، في إقامة الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة، هدف ثورة فبراير المجيدة.
الشعب اليمني الحر قال كلمته وأشعل ثورته، ومضى مدافعاً عنها وباذلاً من أجلها كل التضحيات، وما زالت ضريبة هذا التغيير المنشود والمشروع يدفع في كل شبر من أرض الوطن.
لم نكن بحاجة لهذه التكلفة العالية من أرواح الشباب الزكية ودمائهم الطاهرة، لولا جنون حاكم متسلط هيأ النفس ووطنها على امتلاك كل شيء، ودفعته هذه النزعة الضيقة والأنانية لفقدان كل شيء.
أما الثوار فلم يفقدوا سوى أغلال الذل والعبودية وفازوا بالحرية والكرامة، وما زالت مسيرة الثورة مستمرة، حتى تحقيق كافة أهدافها، غير مهم الوقت الذي سنمضيه في النضال، ولكننا نشعر بالسعادة والرضا أن أبنائنا وأحفادنا لن يكونوا رعايا أو عبيد لحاكم مستبد وظالم، بل مواطنون متساوون في الحقوق والواجبات، يعملون وينتجون ويتعايشون معاً، ويعيدون اليمن سعيداً لأهله ولمحيطه الإقليمي والدولي.
كل المجد لثوار سبتمبر وأكتوبر وثورة فبراير المستمرة والمكملة.
وزيرة حقوق الإنسان في أول حكومة تشكلت بعد الثورة الشعبية في 2011م