عمق عدن الاقتصادي
بقلم/ أحمد ناصر حميدان
نشر منذ: سنتين و 3 أشهر و يومين
الأربعاء 25 أكتوبر-تشرين الأول 2017 01:24 م
عدن مدينة مسكونة بعمق التاريخ والحضارة، بالثقافة والوعي والحركة الوطنية والأممية، عدن المنسوجة في حكايات وروايات النهضة والعصر والتحضر وكل جديد في المنطقة، عدن الطيبة كسهولها وخضراء كقلوب أبنائها وحمراء كغيرتها القومية والوطنية، تعيش واقع صادم، بقراءة متأنية لما يحدث في عدن،لن تجد سوى أنها في محيط لم يستوعب بعد أهمية هذه المدينة وطبيعتها و مميزاتها وموقعها الاستراتيجي، ولم يعي تفردها الاقتصادي والتجاري، أنها ثروة قومية يجب التعامل معها كأي ثروة اقتصادية وقومية يجب أن تكون في مأمن من صراعات السياسة اللعينة، وأن لها خصوصية المناطق الحرة، خطابات نارية تخلوا من هم عدن من مفهوم لخصوصيتها باستثناء خطاب المحافظ عبد العزيز المفلحي، الذي رأى عدن بمنظور اقتصادي ووطني غيور، أزعج من يرى عدن قطعة أرض تجارية سكنية، أو عاصمة لمشروع سياسي، وآخر يراها فاتنته التي يجب أن تخضع لقناعاته ورغباته ونزواته القذرة.
لا يعرف جيداً أهمية هذه المدينة غير العقل الاقتصادي والفكر المتحرر والروح المعافاة من أمراض السياسة والمدياسة والتعصب والتشنج، المثقف والواعي من زار العالم المتحضر وعرف المدنية والتنوع والتعايش وقبول الآخر سلوكا وثقافة، كل من خلع رداء القبيلة والعشيرة والعصبة، ليرتدي المدنية ويتحرر من إرثه وماضيه العفن.
كلما وليت وجهتك صوب الشرق أو الغرب أو الشمال والجنوب ستجد لعدن بصمة وأثرا طيبا تركته في كثير من بقاع الأرض والمنطقة، إن ذهبت لجدة أو المدينة المنورة أو مكة، ستجد رجال أعمال كبار وماركات تجارية معروفة كانت بدايتها عدن، وإن ذهبت لدبي والشارقة وعمان ستجد شخصيات ناجحة في إدارة أعمال الموانئ والشركات الكبرى منبعها عدن، وإن ذهبت للكويت ستجد فلكلور شعبي انتقل من عدن، وفي متحفها أول سفينة تجارية كويتية صنعت في عدن.
عدن خلقها الرحمن أرضا بمواصفات تجارية ومركزا اقتصاديا في المنطقة، مدينة كونية تربط الشرق بالغرب، نحت خليجها ومينائها الرباني تحفة ليميزها عن غيرها من المدن والمواني لتكون نعمة وخيراً للأمة، مدينة بتلك المواصفات لا تقبل غير التنوع ولن تكون لغير التعايش وقبول الآخر، فيها تلتقي الثقافات والأعراق والأفكار وفيها الاختلاف نعمة وينبوع للحب والتوافق والتسامح والسلام.
مدينة كعدن لا تقبل الانغلاق وتقييدها وتكبيلها، قد تموت، وحينما كبلت وقيدت عاشت في سبات، وتركت فراغا امتلأ بعدد من المناطق البديلة كسنغفوره وهونج كنج ودبي وغيرها من الموانئ التي كانت هامشية عندما كانت عدن تعج بالنشاط التجاري والاقتصادي.
عدن الأصل، حاول الإنسان أن يكيّف الطبيعة بصناعة نسخ مزيفة لعدن في الإقليم تعيش رعب نهضة عدن، لهذا يضعون القيود حول المرافق الحيوية وحياة عدن، من حقي وحق أبناء هذه المدينة أن يتساءلون، من يعيق حركة ونشاط ميناء عدن ومطار عدن؟ من يعبث بمعالم عدن ويسطو على أراضيها ويشوه حسنها وتخطيطها العمراني، من نهب ولازال إلى اليوم ينهب ثروة ومحصول عدن؟ الإجابة واضحة في من هم مسئولون عن عدن، في الميناء في المطار في الأمن في الإدارة والتخطيط ومصدر القرار، حيث يستثنى من كل ذلك أبناء عدن وكوادرها المدافعين بشراسة عن عدن في المحن.
عدن اليوم في تحدي مع النهضة واستعادة مكانتها كمركزي اتجاري واقتصادي هام في المنطقة ما لم يكن في العالم، وبين السبات والتبعية والارتهان، ليستمر مسلسل تقييد عدن باستغلال قذر للحرب وضعف الدولة والأزمة التي تعصف بالوطن وعدن، اليوم عدن قبلتهم للبحث عن المناصب والقيادة والزعامة والتقاسم، دون وعي بأهمية ومكانة هذه المدينة، اليوم الوظيفة للأقارب والأصحاب والمنطقة، دون مؤهلات وملكات ومهارات، بل هناك حرب تستهدف الوعي والقدرات والمهارات والكوادر القادرة على نهضة عدن، بدأت تلوح باغتيال محافظها جعفر محمد سعد وتنفير وعرقلة أفكار وخطط واستراتيجيات محافظها عبد العزيز المفلحي التي تصب في عودة رونق وجمال ودور عدن الاقتصادي والتجاري وتحييدها من الصراعات.
هل ندرك إلى أين نسير وتسير بناء الأحداث والواقع لتنهار عدن فوق رؤوسنا، لتهد مؤسساتها الحيوية وتغلق منافذها وتعزل، نمزق بمسميات عدة في حرب مليشيات وقودها أبناؤنا وساحتها عدن، ومناطقهم في مأمن، ملجأهم وملجأ لأسرهم، حينما يضرمون النار في هشيم عدن، كاد المتابع أن يرى مجتمع فقد الإحساس ببعض،فقد الحنان والرحمة، يبتهل بموت الأخر،محتكرا الحياة والوطن له وحده دون سواه، هذه ليست عدن.