ثقافة التخوين ودواعيها
بقلم/ أحمد ناصر حميدان
نشر منذ: 10 أشهر و 4 أيام
الثلاثاء 19 مارس - آذار 2019 04:40 ص

يعتقد البعض من مصلحته أن يسقط قيم المجتمع ويخلخل في التركيبة الاجتماعية والوطنية معا، ليفتح ثغرات اختراق لمشروعه الذي لا يمكن أن يتم دون ذلك، ولا يوجد أفضل من الكراهية لتسقط الخير في الناس، ويسقطون في وحل من النزاعات السلبية والاتهامات الكيدية واستسهال التخوين، بل القتل المعنوي لبعضهم البعض، دون أن يدرك هؤلاء أن السقوط كارثة، يحدث تحلل للبناء يعم الجميع، فاذا بهم يتحللون لمكونات أولية صغيرة، ولن يتوقف هذا التحلل حتى يتلاشى هؤلاء بكل ما فيهم من عفن، ويبقى أصحاب الخير والحق ويصح الصحيح.
إنه مخاض التغيير القائم اليوم الذي يفرز لنا الخير من الشر والحق من الباطل، وتتكشف خفايا النوايا وخيوط المؤامرات، مخاض تفاعل المكونات الاجتماعية والسياسية، تعبّر عن ما فيها، وتعلن عن حقيقتها، تعبّر عن مكنوناتها بالخطاب والتعامل مع الآخر، ماذا يعني لنا رمي كل مخالف ومختلف بالتهم والعمالة؟, وخيانة القضية والوطن، بعيداً عن مؤسسات دولة ونظام وقانون وقضاء ونيابة، بل شحن المجتمع بكم هائل من الشائعات والمناكفة والبرمجندة الإعلامية، بل بالكذب والخداع والتزوير، وتغييب الحقائق، استثمروا مجتمعاً فيه من التخلف والأمية الثقافية، وعجز واضح في التفكير والاستقصاء والاستنباط، فيه كسالى العقول متلقون لمعلومات معلبة جاهزة، يصدقونها ويبنون عليها مواقف واختيارات، بل يعيدون إنتاجها والزيادة التطوعية عليها وإعادة تدويرها.
حالة متوقعة منذ زمن، ونحن وغيرنا كثير ممن استشعر خطورة ما يحدث ونبهنا، وبل سخرنا أقلامنا في مواجهة التخريب المقصود والغير مقصود لبنى المجتمع ونسيجه الاجتماعي وثقافته وإرثه وتاريخه بل وهويته الثقافية والفكرية والوطنية، كم صرخنا وكتبنا لنوقف القتل العمد للمجتمع، قتله بالكراهية والمناطقية والطائفية بل وصلت لأعلى مستوى الانتحار وهي العنصرية، والبعض كان يستسهل الأمر، ويكيل لنا التهم والتوصيفات بل البحث عن الجينات والسلالات في ثقافة ترسخت فيهم وتعمقت في وجدانهم حتى تفسخت عقولهم ونفوسهم.
ما يحدث اليوم هو مجتمع مريض يقاوم، مجتمعاُ يلهث للبقاء بين الأمم الحية، وهو يواجه حرب شعواء، جوع وفقر ووباء، ظلم وقهر واضطهاد، كل هذا معاش يومياً بدرجات متفاوتة، وبهلوان القفز من هنا لهناك حسب المصالح والأنانية، ومخرج يلعب على التباينات والتناقضات، لينثر ماله المسموم في شراء الذمم وتوظيف ما يمكن توظيفه، حتى صار البعض موظفاً أسير ما يدفع له من مال، وذهب النضال في مهب الريح، كيف يبرر هؤلاء هذا السقوط ؟.
وجدوا ضالتهم في الهجوم خير وسيلة للدفاع، والغاية تبرر والوسيلة، وتكفينا الوسيلة التي تكشف حقيقة صاحبها وما يخفيه من غاياته بصورة مذهلة.
التخوين هو قتل لمعنوية الطرف الآخر والتحريض ضده لهدف إخراجه من المنافسة السياسية أو الثقافية والفكرية، لا يقوم بها غير عاجز عن المنافسة، أو لا يملك مشروعاً مقبولاً شعبياً، يمكن اعتبارها ظاهرة ترهيب وتهديد تبرر للعنف والقمع، في مشهد يشبه لحد بعيد جداً الدولة الأمنية المستأسدة التي فيها الآخر المختلف مدان، وقبول الرأي الآخر جريمة، ما يوحي بإعادة إنتاج نظام شمولي مستبد طاغية فيه الولاء للزعيم والايدلوجيا أو المنطقة أو الطائفة والوطن يذهب للجحيم.
من الوهلة الأولى استطعنا أن نستشرف ما يحاك لنا، من الخطاب في المنصة، وهي على بعد من السلطة، كما قال سقراط (تكلم حتى أراك)، فقد رأينا مشروعهم في خطابهم، خطاب التهديد والوعيد والتخوين والاتهام، والفتاوى التي تدعو إلى هدر دماء وزهق أرواح كل رأي مخالف، وإعلان اجتثاث الآخر السياسي الذي يمارس حقة المكفول قانوناً، هذا هو الشعور بالقمع الذي بالضرورة يعطيك تحذير بإعادة انتاج القامعين، والتلويح بالعنف الذي يعطيك فكرة فرض أمراً واقع عليك أن تتقبله دون أن تعارض أو تنطق بكلمة حق تعرضك للتخوين والاتهام بل السجن والتعذيب والموت حسب فتواهم في الساحة.
الوعي القمعي نفسه الذي يدفع بصاحبة للسلوك الوحشي، يوصف عامياً بشخصية البلطجي أو المليشاوي، ومن هذا يطلق عليهم بلاطجة ومليشيا، لا دولة ولا نظام ولا قانون ولا شرع يشكمهم، تحكمهم نزعاتهم ورغباتهم والمخرج الذي يخطط لهم، في غياب لمنظار الحد بين الحق والباطل، الحق المكفول قانونا وشرعا، في استنساخ لأليات علاقة الغاب والبقاء لمن يملك البندقية، في قتل معنوية الآخرين وجعلهم مجرد عبيد في وطن تحكمه البلاطجة والمليشيا بالاستبداد والقهر والاضطهاد، والتخوين والاتهام والتكفير.