محمد مصطفى العمراني
محمد مصطفى العمراني
عدد المشاهدات : 673   
عن سيناريوهات التصعيد العسكري في الخليج ولماذا باتت إيران على قناعة بأنها لن تخرج من أزمتها وتحقق مصالها إلا بالحرب؟!


بالأمس صرّح مصدر عسكري أميركي لقناه CNN بأنه تم إسقاط طائرة ريبر أميركية بدون طيار في البحر الأحمر من قبل ما يعتقد أنه صاروخ إيراني أطلقه الحوثيون قبل أيام من الهجوم على ناقلتي النفط في -‫بحر عمان- بهذا التصريح تكون الذرائع والمبررات قد اكتملت لشن واشنطن وحلفائها العرب الحرب على إيران والتي بدورها ستدخل الحرب متسلحة بقدرات عسكرية كبيرة وبدعم كامل من حلفائها في العراق ولبنان وفلسطين واليمن ، صحيح لا مقارنة بين قدرات واشنطن وقدرات طهران فالتفوق العسكري الأميركي هو حقيقة لا جدال فيها لكن إيران قادرة على ضرب خصومها وتدرك مناطق ضعفهم ولديها قدرات عسكرية كبيرة إضافة إلى أن خوض واشنطن الحرب ضد إيران بصدق وإخلاص هو أمرا مشكوك فيه.‬‬
قد تنجح المفاوضات- رغم الانسداد السياسي الذي يبدو عليه الوضع- ويصبح كل ما سبق من تصعيد وتوتر عسكري مجرد تحسين لشروط التفاوض وقد تندلع الحرب في الخليج بين عشية وضحاها وفي اي لحظة بعد أن اكتملت مبرراتها وأسباب نشوبها ولكن الجزم باندلاع الحرب هو خطأ ذلك أن الجميع يرفض الحرب من حيث المبدأ ويدرك كارثية نتائجها، إضافة إلى أن التصعيد العسكري الذي بدأته واشنطن بفرض أقصى عقوبات أميركية تزامنت مع تهديدات تلتها إرسال واشنطن لحاملات الطائرات والبوارج الحربية وطائرات B52 إلى الخليج تحت لافتة حماية الملاحة الدولية وفي الوقت نفسه تحرك حلفاء واشنطن في المنطقة وفي مقدمتهم السعودية والإمارات بتأييد العقوبات الأميركية وتحركات واشنطن العسكرية ضد إيران ومحاولة خلق إجماع خليجي وعربي وإسلامي ضد إيران كان الهدف من هذا التصعيد العسكري والسياسي والإعلامي الهدف هو الضغط على إيران لإجبارها على الجلوس على طاولة حوار يفضي لتغيير سلوكها في المنطقة كما يفضي لصفقة جديدة بين واشنطن وطهران تعيد صياغة الملف النووي الإيراني للخروج باتفاق نووي جديد ومعدل وتقدم التزامات بخصوص برنامج إيران الصاروخي ونفوذها في المنطقة وبعد رفض طهران للحوار مع واشنطن أو مجرد الاتصال بين روحاني وترامب هدأ التصعيد العسكري والسياسي الأميركي والعربي ضد إيران وبدأت إيران التصعيد عبر حلفائها في المنطقة وعبر مجهولين قاموا باستهداف الناقلات في مياه الخليج وبحر عمان كما قام الحوثيون باستهداف محطات ضخ النفط في المنطقة الشرقية بالمملكة العربية السعودية ثم قاموا بقصف مطار "أبها" بالطائرات المسيرة وقد تكرر القصف لمرتين واذا كنا لا نستطيع الجزم بأن إيران هي من يقف وراء استهداف ناقلات النفط في الخليج وبحر عمان فمن الواضح أن التصعيد الحوثي ضد محطات النفط والمطارات السعودية يصب في إطار تصعيد حلفاء إيران في المنطقة لإيصال رسائل للسعودية والإمارات بأن إيران لست وحدها واننا قادرون على ضرب مصالحكم الحيوية وأن ما حدث مجرد بروفة ليس إلا.
إيران لن تبدأ الحرب على الإطلاق لكنها ستواصل استفزاز واشنطن وحلفائها في المنطقة وبحذر شديد سواء عبر مجهولين أو عبر حلفائها في المنطقة حتى ينفذ صبرهم ويبدأوا الحرب ضد إيران لكن إيران ستسعى لتكون هي من ينهيها ولصالحها، صحيح أن إيران ستخسر كثيرا في الحرب لكن الخسارة الأكبر ستكون من نصيب السعودية والإمارات وفي السطور التالية سنسرد أسباب سعي إيران لجر واشنطن وحلفائها للحرب وكيف صارت ترى بأنها لن تحقق مصالحها وتخرج من ازمتها إلا بالحرب مع انه لا أحد يستطيع الجزم بنتائج الحرب أو يضمن انتصارا فيها فللحرب مفاجآتها:
1- إيران تمر بحالة غير مسبوقة من الحصار الاقتصادي، حيث توقفت كل الدول المستوردة للنفط الإيراني عن شراءه وهو ما يعني فقدان إيران لأهم إيراداتها ودخولها مرحلة حرجة اقتصادية كما فرضت واشنطن عقوبات على كافة المنتجات الحيوية الإيرانية من البتروكيماويات إلى صناعة السجاد ومحصول الفستق والزعفران ومعظم القطاعات الحيوية الإيرانية وهي عقوبات غير مسبوقة واستمرار الوضع على ما هو عليه يعني انهيار الاقتصاد الإيراني وهو ما يدفع إيران لتنفيذ تهديداتها بإغلاق مضيق هرمز واستهداف ناقلات النفط والجنوح للحرب بعد أن فقدت الثقة بنيلها حقوقها عبر المفاوضات مع واشنطن أو مع أوربا ولذا ترى قيادة إيران بأن الحرب ستخلق ظروف ومعطيات وواقع جديد في المنطقة تكسر معه كل القيود والعقوبات والحصار المفروض عليها ولذا ترى إيران أن الحرب التي تفضي إلى عزة وضمان للحقوق وتنكيل بالخصوم أفضل من سلام في ظل حصار متواصل وتجويع ممنهج .
2- كل الحروب التي جرت مؤخرا في المنطقة العربية جنت إيران وحلفائها ثمارها وكانوا هم من انتصر فيها بداية من العراق إلى لبنان إلى سوريا إلى اليمن ولذا ترى طهران أن لديها حاليا قوة عسكرية كبيرة واستراتيجية ناجحة ستمكنها وحلفائها من جني ثمار حروب المنطقة لصالحها خاصة مع افتقاد خصوم طهران لأي استراتيجية فاعلة ومواصلة قيادة السعودية والإمارات ومصر لسياسة الفشل والتخبط والتيه في كافة المجالات.
3- انتهازية واشنطن بقيادة ترامب التاجر الذي يريد تحقيق أكبر قدر من المكاسب دون تحقيق اي خسائر أو تضحيات يجعل خوض واشنطن الحرب بفعالية وصدق ضد إيران أمرا مشكوك فيه فواشنطن التي تتذرع بحماية حلفائها في الخليج بينما هي في الحقيقة تريد تكريس المزيد من الهيمنة في المنطقة العربية وتعزيز حضورها العسكري ونهب ثروات الخليج ومقدراتها وتقاسم النفوذ مع إيران في المنطقة عبر اتفاق يرضي الجميع ولذا فلن تضحي واشنطن بجنودها لحماية دول الخليج وستكون مشاركتها في حال اندلاع الحرب مشاركة صورية ورمزية لا أكثر وفي هذه الحالة فإن الكفة سترجح لصالح إيران التي ليس لديها ما تخسره بينما دول الخليج لديها الكثير مما تخسره من آبار النفط والمصالح الحيوية والعمران والرفاهية وليس لها تجارب بخوض الحروب وتلقي الصواريخ في مدنها وقصورها على عكس إيران التي خبرت الحرب مع العراق لثماني سنوات ولدى حلفائها في المنطقة خبرة كبيرة في الحروب وخاصة حروب العصابات التي تلحق أكبر الخسائر بأقل التكاليف ولذا نتوقع أن ترفع السعودية والإمارات الراية البيضاء قبل إيران وهذا تدركه إيران جيداً.
4 - تدرك إيران بأن السعودية والإمارات انهكت عسكرياً واستنزفت مالياً في الحرب المتواصلة في اليمن وقد تغيرت مؤخراً موازين القوى وتقدم الحوثيون من حالة الدفاع إلى مربع الهجوم وباتوا يقصفون بصواريخهم وطائراتهم المسيرة جدة وأبها والمنطقة الشرقية وليس من المستبعد أن يكون لديهم صواريخ باليستية قادرة على الوصول إلى الرياض وما بعد الرياض و‘ذا كانوا مؤخرا قد فرضوا هذه المعادلة الجديدة بعد أربع سنوات من الحرب المتواصلة ضدهم، فكيف سيكون الحال لو دخلت إيران وحزب الله والحوثيون والفصائل العراقية ساحة الحرب ضد السعودية والإمارات والمصالح الأميركية في المنطقة؟!
وكيف سيكون الحال إذا انطلقت آلاف الصواريخ دفعة واحدة من صنعاء وبيروت وطهران إلى الرياض وأبو ظبي؟!
5- وجود العديد من القواعد العسكرية الأميركية وكذلك آلاف الجنود الأميركيين في العراق والخليج وأفغانستان يعزز من نفوذها العسكري ويفرض المزيد من الهيمنة العسكرية الأميركية في المنطقة وكل هذا تدفع ثمنه دول الخليج هذه المكاسب التي تجنيها واشنطن في السلم تنقلب إلى العكس تماما في الحرب فهذه القواعد وهؤلاء الجنود هم تحت مرمى الصواريخ الإيرانية ومحط استهدافها أما الجنود الأميركيين في العراق فهم في قبضة الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران والتي ترسل لهم بين الحين والآخر رسائل نارية وتقصف بالصواريخ إلى محيط القاعدة العسكرية الأميركية والمنطقة الخضراء في بغداد وهي رسائل تؤكد للجميع بأن هؤلاء في قبضتنا اذا حانت ساعة الصفر.
6 - الجيوش الخليجية وخصوصا السعودية الإماراتية ليس لديها خبرة الجيش الإيراني والحرس الثوري وأذرعه ولا خبرة حلفاء طهران في المنطقة كما تفتقر للبعد العقائدي والأيدلوجي على عكس الجيش الإيراني أذرعه ومليشيا حلفاء إيران ولذا ترى إيران بأن أي معركة قادمة ستحسم لصالحها، فالوضع مختلف عما كان عليه الوضع أيام الحرب العراقية الإيرانية، فصدام كانت تقف خلفه معظم الدول العربية وتلقى الدعم من أغلب الدول العربية خاض الحرب بجيش مدرب وحديث وبأسلحة حديثة بينما كانت إيران خارجة للتو من ثورة أنهكتها واضطرابات أضعفتها ولم تلتقط أنفاسها بعد بينما الواقع اليوم يختلف كثيرا عن تلك الأيام وظروفها وإيران صارت أقوى عسكرياً ولديها الكثير من الحلفاء الأقوياء في المنطقة.
7 - إيران رفضت كافة الوساطات والجهود الدبلوماسية لإجراء مفاوضات مع واشنطن سواء كانت عراقية أو عمانية أو ألمانية أو يابانية لأن هذه الوساطات لم تحقق لها مصالحها ولم تحفظ لها ماء وجهها مثلما رفض روحاني الاتصال بترامب وكل هذا الرفض الإيراني يؤكد أن إيران باتت على قناعة بأنها لن تفرض شروطها وتخرج من أزمتها بالمفاوضات السياسية، فهي لا تثق بالإدارة الأميركية التي ألغت الاتفاق النووي وهو حصيلة سنوات طوال من المفاوضات الإيرانية الغربية، وفي الوقت نفسه لن تساوم على نفوذها في المنطقة ولن تتنازل عن مكاسبها ولذا باتت إيران على قناعة أنها لن تنتزع حقوقها وتخرج من أزمتها إلا بالحرب وهدم المعبد على الجميع بحيث تفضي الحرب إلى واقع جديد يخلق لها فرصا في المنطقة ويحقق لها مصالحها وأهدافها ويرفع عنها العقوبات ويكسر الحصار وإلا تخرب على الجميع وعلى طهران وأعدائها.
وفوق كل ذي علم عليم.
* باحث في الشأن الإيراني