العزلة في زمن " كورونا "
بقلم/ محمد دبوان المياحي
نشر منذ: شهرين
السبت 28 مارس - آذار 2020 04:24 ص
 

قد أفشل في إدارة الوقت لو أنني خارج المنزل، وقد أعاني من ضغط الحياة حين أكون وسط الزحام أو مختلطًا بالناس؛ لكنني لا أجد صعوبة مطلقًا في إدارة حياتي بأفضل صورة ممكنة حين أكون وحيدًا في غرفتي.

لا أدري لماذا أشعر أن الحياة أكثر إمتلاءً حين أكون في العزلة، أشعر أنني على حقيقتي الكاملة، أكثر قربًا من نفسي، أكثر وعيًّا بذاتي، وأكثر سيطرة على الزمن.

لستُ شخصًا إنطوائيًا ولا أعاني من التوحد، كما لا أجد صعوبة في تكوين العلاقات بسهولة، وواقعيًّا لدي الكثير من العلاقات الجيدة، كما لا يكف الأصدقاء عن إبداء رغبتهم بأن نلتقي وتفضيلهم المستمر للجلوس معًا، أنا أيضًا أحبهم وأشعر أن الصداقات كنز ثمين؛ لكن مهما بلغت قدسية العلاقات لدي ومهما كانت اللقاءات مع الأخرين ثرية ومريحة، تظل العزلة بالنسبة لي أرفع قيمة وأكثر الفضاءات التي أستشعر فيها وجودي على نحو أكمل.

لا تزعجني العزلة مهما كانت خانقة، أشعر أني مكتفيًّا بذاتي وأستطيع العيش متخليًّا عن العالم كله، كما أن كل المشاعر السيئة التي يمكن أن تنتابني في العزلة، أجدها ثرية، القلق أمر حيوي، الشعور بالوحدة يتلازم مع يقظة ذهنية عالية تجاه ذاتي، الحزن نبيلا وملهمًا، الشعور بالفقد يعلمني قيمة الأخر ويرفع إحساسي به.

أشعر أني أكثر صدقًا في مشاعري تجاه الأخرين كلما كنت بعيدًا عنهم، تضامني معهم ينبع من أعمق نقطة في داخلي، وكلما اقتربت منهم أو كانوا قريبين مني تفقد هذه المشاعر جزء من أصالتها وعمقها، ثمة شيء من الزيف يتسرب إلى أعماقنا كلما كنّا قريبين من الأخرين.

إن أهم فائدة يمكن أن تقدمها جائحة كورونا للإنسان على الصعيد الفردي، هو أنها تمتحن قدرته على إدارة حياته في العزلة بشكل جيد، العزلة تعيد إليك نفسك بعد أن تمكنت الحياة الحديثة والصاخبة من سلبك إياها، تعلمك العزلة كيف تراقب الوجود وهو يتحرك خارجك، كيف توجه نظرك نحو أعماقك، كيف تكون صديق نفسك، كيف تغترف المعنى من داخلك وتعيش بثراء وكأنك ملك الكوكب كله، وحتى لو تعرض الكوكب بأكمله للفناء، تظل مستشعرا ذاتك وبأنك محور الوجود ولا تفقد إيمانك بقدرتك على إعادة إنجاب البشرية من جديد.

تمنحك العزلة فرصة لتأمل الحياة بصيغتها الأولى، الحياة الهادئة، الساكنة، البطيئة، العزلة تقذفك إلى داخلك، وتضعك وجها لوجه في مواجهة الزمن العاري، لتعيد ترتيب نفسك، استكشاف بواعث القوة فيك والاستناد لذاتك. هذا التحدي الذي تضعنا فيه الأزمة يكشف مدى قدرة الكائن على الإحساس بذاته وهو وحيد، وإن نجاحك في اجتياز هذا الامتحان هو ما يحدد مستوى سيطرتك على حياتك ومنسوب ثراءك الداخلي، كم سلبتك الحياة في الخارج وكم ما زلت محتفظ به داخلك.

#الوجه_الآخر_لكورونا