محمد مصطفى العمراني
محمد مصطفى العمراني
عدد المشاهدات : 228   
عن تظاهرات إيران ورهان نظامها للنهوض باقتصادها المتعثر
بالأمس تظاهر المئات في مدينة بهبهان في محافظة خوزستان " الأحواز " غربي إيران احتجاجا على صدور أحكام قضائية بإعدام 3 من الشباب الذين تظاهروا في خوزستان احتجاجا على رفع الحكومة الإيرانية لأسعار المشتقات النفطية منتصف شهر نوفمبر تشرين الثاني 2019م . 
وقد تزامنت تلك التظاهرات مع تفاعل إعلامي كبير داخل ايران وخارجها مع ترند " إعدام نكند " ومعناها " أوقفوا الإعدام " وذلك لمطالبة السلطات الإيرانية بإيقاف أحكام الإعدام بحق هؤلاء الشبان وفي ظل وضع اقتصادي بالغ الصعوبة والتردي .
وبينما تجاهلت وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية هذه الأحداث تناولتها وسائل إعلام خصوم إيران و بعض وسائل الإعلام المحايدة وبعضها نقلا عن رويترز وبي بي سي فارسي وغيرها وكذلك مواقع السوشيال ميديا وما نشر فيها من أخبار وفيديوهات تظهر التظاهرات في بهبهان واستخدام قوات الأمن للغاز المسيل للدموع وتظهر كذلك التأهب الأمني في مناطق ومدن ايرانية أخرى . 
هذه التظاهرات قد تتوقف إذا صدر تأكيد رسمي بإيقاف أحكام الإعدام وقد تكون البداية لتظاهرات واحتجاجات كبيرة وتجتاح كل المدن الإيرانية وذلك لأن الأرضية في إيران مهيأة لمثل هذه التظاهرات والاحتجاجات بسبب حالة السخط والتبرم إزاء الفشل الحكومي وتردي الإقتصاد ومعاناة الناس بسبب الوضع المعيشي الصعب داخل البلاد وانهيار العملة الوطنية ووصول سعر الدولار إلى 24 ألف تومان وما يقارب 240 ألف ريال وهو سعر كارثي وغير مسبوق .
العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران والتي وصلت إلى حدودها القصوى لها تأثير سلبي كبير على اقتصاد إيران ولكن هناك في الوقت نفسه فشل حكومي مزمن وفساد كبير وبيروقراطية ومؤسسات وجهات وشخصيات كبيرة لها ما يشبه الحصانة ولا تخضع للرقابة والمساءلة وخصوصا تلك المؤسسات التابعة للحرس الثوري أو تلك المحسوبة على المرشد الإيراني الأعلى السيد علي خامنئي وكذلك تلك الشخصيات المقربة منه والتي جمعت بين المناصب الرفيعة والتجارة في مجالات عديدة وهذا بسبب التداخل والازدواجية في بنية النظام الإيراني وحماية المرشد لهذه المؤسسات ومنع أي رقابة عليها أو مساءلة لها ، فالتداخل بين مؤسسات الثورة ومؤسسات الدولة عمل على تقييد مؤسسات الدولة والحد من دورها وفاعليتها وهذه الازدواجية هي من أكبر عوائق التنمية في إيران ومن أبرز أسباب الفشل الإقتصادي والسياسي فيها فهي تحول دون تطبيق مبدأ الرقابة والمحاسبة على هذه المؤسسات والشخصيات وتعرقل تطبيق النظام والقانون على الجميع .
خذوا مثلا جارة إيران تركيا فتركيا كدولة لا تمتلك حتى 20% من الثروات النفطية التي تمتلكها جاراتها إيران أو العراق ومع هذا فلا مقارنة بين الاقتصاد التركي القوي واقتصاد ايران الضعيف رغم انه يمتلك مقومات النهوض و كذلك اقتصاد العراق المتردي رغم ثروات بلاد الرافدين ورغم أن العراق لا يخضع لعقوبات أمريكية والسبب في نجاح تركيا يعود لامتلاك قيادتها لرؤية ومشروع استراتيجي وطني للنهوض والتنمية ووإدارة سليمة وإرادة قوية ومشروع ناجح لمحاربة الفساد وتجفيف منابعه وتشجيع الإستثمار وتنميه الموارد وفرض النظام والقانون على الجميع من الرئيس حتى اصغر موظف ، بينما جاراتها إيران والعراق تنام فوق بحيرات من النفط وتمتلك الموارد المتنوعة والوفيرة وتعيش في فقر وأزمات متواصلة ووضع معيشي صعب وهي مفارقة ملفتة للنظر ولكن عندما تمتلك الدول مشروع استراتيجي وإدارة متميزة وإرادة قوية تحول الصحراء إلى جنة وتوجد موارد من العدم والعكس .
الإيرانيون ملوا من حديث المسؤولين المتكرر منذ عقود عن مؤامرات " الشيطان الأكبر " أمريكا وإسرائيل وحلفاؤهم ضد ايران حيث تحولت العقوبات الأمريكية إلى ما يشبه مشجب يعلقون عليه فشلهم وشماعة جاهزة لتبرير كل فشل وفساد وغياب للرفاهية فالمواطن في النهاية يريد أن يعيش ولو في الحد الأدنى ، بينما النظام يريد مد نفوذه وتحقيق مشروعه الإقليمي والدولي ولذا ينفق مليارات الدولارات لدعم حلفائه في المنطقة رغم أزمات الداخل ومعاناة المواطن الإيراني وهو ما ولد نقاشا ساخنا في الداخل الإيراني ، في نقاشات النخبة وفي سخط الشارع الذي تجلى في هتافات غاضبة في المظاهرات العديدة خلال السنوات الماضية : " لا غزة ولا لبنان روحي فداء إيران " ، ولكن للنظام حساباته بعيدة المدى سواء رضي الشعب أم سخط . 
أقول: هذه التظاهرات سواء انطفأت شعلتها أم تواصلت وزادت اشتعالا فلن تسقط النظام بأي حال من الأحوال كما سنوضح لاحقا ولكنها تخصم مما بقي له من رصيد وشرعية لدى الشعب ، كما أن النظام الإيراني قد اكتسب خبرة كبيرة في القمع وتفريق المحتجين والبطش بالمتظاهرين باعتبارها مؤامرات خارجية وفي مظاهرات البنزين بلغت حصيلة القمع أرقاما كبيرة ومفزعة .!
أقول : لن يسقط النظام لأنه لا يوجد بديل مناسب ومقنع للشعب الذي لا يريد حتى الآن تغيير النظام بقدر ما يريد تحقيق مطالب خدمية مشروعة كما أن خصوم من واشنطن إلى الرياض لا يريدون تغيير النظام بقدر ما يريدون تغيير سلوكه . 
وكما قلت في تحليل سابق فالنظام في إيران يعول على الشراكة مع الصين آمالا كبيرة في انتشال الإقتصاد الإيراني من أزماته وكذلك تعول على خسارة ترامب للانتخابات وعودة العمل بالاتفاق النووي الإيراني وانحسار موجة جائحة كورونا وعودة السياحة في إيران وانكسار العقوبات الأمريكية وعودة النفط الإيراني إلى أسواق الطاقة العالمية وحينها سيتغير الأوضاع إلى الأفضل ولكن تحقق هذه المعطيات أمرا ليس مضمونا في كل الأحوال وسيظل الوضع في إيران على صفيح ساخن على المدى القريب على الأقل.
* باحث في الشأن الايراني