محمد مصطفى العمراني
محمد مصطفى العمراني
عدد المشاهدات : 121   
إنها روائية شهيرة وقليلة عقل أيضا!!

في عمودها الأسبوعي بـ « القدس العربي « نشرت الروائية الشهيرة غادة السمان مؤخرا مقالا عن التدخين وكيف يصاب المدخن بكورونا أكثر من غير المدخن وأبدت إعجابها بقرار الشاعر الراحل نزار قباني التوقف عن التدخين وقد كان يدخن سجائر « لاكي سترايك « الشهير حينها وكيف اتكأ على ذلك السلاح البشري شبه المنسي الذي يدعى الإرادة..

تقول في مقالها: قال لي نزار: سأتوقف عن التدخين، وهذا كل ما في الأمر!!
وأنذرت زوجته صديقتي الحبيبة العراقية بلقيس الراوي وقلت لها: نزار سيصير عصبياً لفترة فلا تصطدمي معه، إذ سيتوقف عن التدخين، وكم أعجبني بنزار أنه بعد ثلاثة أسابيع من التوقف تماماً عن التدخين عاد إلى لطفه ودماثته وتغلب على أدمان التدخين نهائيا ً!
وتضيف: قال الطبيب لزوجي: ستعيش عشرة أعوام أقل من (المكتوب) إذا لم تكف عن التدخين ولكنه لم يفعل. ورحل!
لقد فوجئت باعتراف غادة السمان « كنت أحمل سيجارة كنوع من التحدي الاجتماعي « .
ورغم أنها كانت تعتبر من طلائع النساء الروائيات والمثقفات في زمن كانت المرأة العربية المتعلمة عملة نادرة ناهيك عن الكاتبة والروائية ومع هذا فقد كانت لديها قناعة بأن تدخين المرأة للسجائر نوع من التحدي الاجتماعي إذ كانت إعلانات الأصناف الفاخرة من السجائر تنشر بجوارها عبارة « لذوي الرجولة « ولذا كانت تعتبر التدخين نوعا من تحدي المجتمع الذكوري.!
وقد ذكرني حديث غادة السمان بما قرأته في كتاب « البروباجندا « لمؤلفه إدوارد بيرنيز وهو مفكر يهودي يعتبره كثيرون الأب الروحي لعلم العلاقات العامة حيث أسس بيرنيز أسلوبه الخاص في التلاعب باللاوعي الخاص بالجماهير، ليكون القرار الذي تتخذه في النهاية قرارًا يصب في مصلحة الشركات الربحية الكبرى في العالم.
وعن أول تجربة للتلاعب بالرأي العام يروي بيرنيز كيف سعى بذكاء لإقناع النساء بأن تدخين السجائر تعني لهن القوة وتحدي السيطرة الذكورية، ومن هنا خرج بفكرة ثورية أقنع بها النساء على التدخين في الأماكن العامة.
 لقد أقنع بيرنيز مجموعة من النساء بالتدخين في أثناء موكب شهير سنوي يحضره الآلاف من المتفرجين في الولايات المتحدة، كما أخبر الصحفيين بأمر مجموعة من المتمردات ينوين التدخين في أثناء مشاركتهم في تلك المسيرة، كما علق لافتة بين أيديهن تقول « السجائر مشاعل الحرية « حينها كان أمام الجماهير مجموعة من المتمردات يشرن إلى أن تدخين المرأة في الأماكن العامة تحدٍ للسيطرة الذكورية، وهو في حد ذاته فعل يدل على الحرية والاستقلالية.
بيرنيز بتلك التمثيلية كسر « التابو « أو استهجان تدخين المرأة في الأماكن العامة وحوله إلى ظاهرة اجتماعية مقبولة ليخدم مصالح شركات التبغ ولم يكن ذلك مجرد استعراض أمام الكاميرات، بل كان حقيقة أدت إلى ارتفاع نسبة مبيعات السجائر للنساء بشكل جنوني، فكان أمام الجماهير في تلك الحادثة مجموعة حقيقية تمثلهن ، يدخن بالفعل في مكان عام، ومعهن عبارة عقلانية تحاول ربط كل تلك العناصر في لاوعي المشاهد بأن التدخين بالفعل يعني الحرية للمرأة والاستقلالية ، وهو المبدأ الذي اقتنعت به الكثير من النساء حول العالم للأسف دون إدراك منهن أنهن ضحايا لشركات انتاج وصناعة التبغ التي تسعى للكسب التجاري على حساب صحتهن وأموالهن .!
والغريب والعجيب أن الكثير من النساء المثقفات كن يؤمن فعلا بأن تدخينهن للسجائر نوعا من الحرية وتحدي المجتمع الذكوري.!!
إنها روائية شهيرة وقليلة عقل أيضا.