د. نيفين العلوي
د. نيفين العلوي
عدد المشاهدات : 194   
الحزب الذي يدس أنفه في التراب...!
  

بالأمس تحدث الصراري على قناة الغد المشرق، أظنكم تعرفونه جيدا. علي الصراري هو عضو المكتب السياسي للحزب الاشتراكي، تحدث الرجل كما لو أنه قد نسى نفسه وكما لو أن الناس لا يتذكرون مواقف حزبه، دعا الرجل لاحترام الشراكة الوطنية ووثيقة الحوار الوطني وضرورة الالتزام بالدستور.. قال هذا في معرض تعليقه على قرارات رئيس الجمهورية الأخيرة

 

الحزب الذي يدس أنفه في التراب منذ سنوات وهو يشاهد مليشيا مسلحة تدمر كل أسس الدستور والقانون وتعمل على تجريف الحياة السياسية واحتكار الفضاء العام وإقصاء الجميع، خرج يحاضر علينا في قيم التعددية والقبول بالآخر واحترام المواثيق الموقعة

 

أتذكرك يا علي الصراري جيدا، أتذكرك وأذكرك كيف خرجت علينا ذات يوم ونحن مضرجين بالدم في عدن، خرجنا نتظاهر في مسيرة سليمة وتعرضنا للقمع في وضح النهار، وبينما كنا ننتظر منك أن تدين ما يتعرض له الناس في الجنوب من تنكيل ممنهج من قبل مجاميع مسلحة تعرفها جيدا، فإذا بك خرجت تدين الضحايا وتنحاز لجلاديهم، هذا الموقف الأخلاقي الفاضح، ليس مجرد هفوة عابرة، بل تعبير كاشف عن حقيقتكم الأخلاقية المزيفة، حقيقة كفركم بالنهج المدني ومنحكم غطاء للسلوك المتمرد على النظام والقانون بل والأخلاق الإنسانية ككل

 

أذكرك بهذا أيها السياسي المحترم، كي أقول لك أن مواقفكم اليوم تسير بنفس النسق المشرعن للجماعات المشبوهة، بالأمس كنت تلعق دم الضحايا؛ كي تواري سوءة الجلاد واليوم كما الأمس خرجت لتواصل منحهم ذات الغطاء السياسي، وتدافع عن قيم الشراكة التي دهستم على كل مقتضياتها، بما فيها احترام حق الأخر في التعبير السلمي عن مطالبه

 

لم يتحدث الصراري بلغة قانونية قابلة للأخذ والرد، كان حديثه عمومي وسائل يحاول فيها أن يمنح مواقفه صبغة قانونية، فيما هي مواقف تتجاوز أبسط أسس الدستور وتحاول فرض وصاية سياسية على صلاحيات الرئاسة وبما يدمر فكرة السيادة ويحيل الرئيس لموظف عليه بتلبية طلباته الانتهازية

 

لا يتحدث الاشتراكي عن الشراكة إلا عندما لا يتبع الرئيس رغباتهم، ولا يتحدثون عن رفض الإقصاء إلا عندما لا يكون الشخص المعين لا ينتمي إليهم، هم يؤمنون بالشراكة التي ينالون فيها القسط الأكبر، ويكفرون بأي شراكة تذهب لشخصية عامة لا تدين لهم بالولاء

 

الشراكة يا علي الصراري هو أن تتقبل القرار الذي يصدر لتمكين شريكك مثلما تحتفي بالقرار الذي يصدر من نصيبك، الشراكة ليست صنمًا من التمر تؤمنون به عندما تنالون منه الحظ الأوفر وترفضونه حين لا يولي وجهه قبلكم.. هذا السلوك السياسي يدعي انتهازية، وينسف كل ادعاءاتكم باحترام الشراكة والالتزام بالخضوع للدستور وما يصدر عن أعلى سلطة تمثله

 

لن يتبق من قيمة عملية للدستور إذا ما فقدت الرئاسة مركزيتها وتحولت لشرِكة تتنازعها مطامع الجميع وعليها أن تستأذنهم جميعا عند كل موقف تمارس فيه صلاحيتها المخولة لها بموجب الدستور والقانون الذي تتشدقون به، احترام الدستور يبدأ من احترام القرارات النافذة لسلطة العليا وإذا ما كان ثمة إخلال بمبادئ الدستور فثمة طرق قانونية للاعتراض بدلا من تحويل الأمر لمسرحية للمزايدة

 

حسنًا، دعك من كل هذا يا علي، حدثني أين كان الدستور والقانون حين رأيت قوات في العاصمة عدن تسقط رمزية الدولة وتقتحم قصر الرئاسة، ألم يخطر في بالك أن ذلك فعل ينتهك الدستور، ألم تتساءل في أعماقك، من تتبع هذه القوات، وما هي مرجعيتها الدستورية ومن أي تتلق توجيهاتها، ألا يكشف هذا تناقضًا صارخًا في مواقفكم، فلا تتذكرون الدستور إلا حين تمارس السلطة المخولة بتنفيذه صلاحيتها، وحين تأتي جهة ما تنتهكه، تشيحون بوجوهكم بعيدًا، أي أنكم تصمتون حين يتوجب الصراخ وتصرخون حين يتوجب عليكم القبول. فلا الدستور بوصلتكم ولا تربطكم صلة بالقانون. بل هي المزايدة والإنتهازية لو كنتم تعقلون .

 

بقى نقطة ظريفة، هو نصح الصراري للإصلاح بتصويب مواقفه، وفي الحقيقة معه حق بهذا، فالإصلاح هو من يتحمل مسؤولية الشراكة معكم، الصبر على شراكة مختلة، لقد كان الإصلاح يغض الطرف عن مواقفكم السلبية وهو يرى قياداته تتعرض للتطهير وأنتم شركاءه تطعنونه بصمتكم، يتحمل الإصلاح مسؤولية عدم مكاشفتكم بحقيقتكم، وتتحملون مسؤولية نذالتكم. وعليه نقول للإصلاح: عليكم بتحديد موقف واضح من شركائكم، فالتسامح مع الشركاء المتربصين غباء وقلة حيلة بل ومجاملة على حساب دماء الناس، ونقول للاشتراكي: كفوا عن منح القتلة أغطية للعبث بمصير الناس، فالتأريخ لا يرحم والناس لم يفقدوا ذواكرهم بعد

 

أخيرًا : يجدر بعلي الصراري أن يقدم النصيحة لحزبه أولًا، أن يعتذر عن كل مغالطاته التي روج لها طوال سنوات ومثل بذلك غطاءً للدهس على كل القيم والمبادئ الأخلاقية والدستورية، ثم بعدها يمكنه أن يقدم نصائح للأخرين؛ كي يقنع الناس أن يستمعوا له وألا يغلقوا القناة التي يتحدث عبرها ما إن يشاهدوه يطل على الشاشة، ويلوك قيمًا لا يؤمن بها، أو يواصل مهمته في تجميل قبح المليشيا التي نذر نفسه للدفاع عنها، باسم الشراكة وهو يراها تذبح الناس وتكفر بالدولة والدستور وكل مواثيق البشر .

    

من صفحة الكاتب على الفيسبوك