الضالع مدينة التصالح والتسامح..كيف تحولت إلى مسرحاً للانفلات؟
عبد الفتاح حيدرة
عبد الفتاح حيدرة

عادت الاشتباكات الليلية والانفلات الأمني إلى مدينة الضالع وأصبحت مسرحاً للقتل وترويع الآمنين ومرتعاً لبعض القوى في تنفيذ مشاريعها الخبيثة كما هي كذلك ساحة لصراع الأجندة الخفية.

فبعد هدوء نسبي شهدته المحافظة مع بزوغ فجر الثورة الشبابية في بداية عام 2011م كانت أعوام ما بعد الثورة أفضل الأعوام هدوءاً وأقلها حوادث أمنية, ارتفع فيها منسوب الحركة التجارية وشهدت المدينة الحالمة حياة طبيعية نوعاً ما واستقراراً نفسياً عند الكثير من ساكنيها, وغابت عن سماها لعلعت الرصاص و عن شوارعها وحاراتها الانفجارات الليلية التي ضلت الضالع لفترة زمنية مسرحاً لها.

كادت الحركة التجارية أن تعود إلى نشاطها السابق رويداً رويداً وانتعشت مع ذلك بعض أسواقها الداخلية وتنفس التجار الكبار وأصحاب المحلات الصغيرة الصعداء, وغط سكان المدينة في أيام كثيرة من لياليهم بنومهم الطبيعي الذي ضل أزيز الرصاص والقنابل الصوتية يحرمهم منه على مدار ثلاثة أعوام متتالية .

استبشر الكل بهذا التحول والهدوء وعدّوه خطوة في طريق الاستقرار والتحول الذي تكون طبيعة المرحلة قد فرضته وحقيقة التغيرات السياسية التي حدثت ومناخ ما بعد الثورة السلمية هي من أفرزته.

يا فرحة ما تمت..

 هذه الفرحة للأسف لم تكتمل وهذا الهدوء والاستقرار يكاد أن يعود إلى سابقته من الانفلات والفوضى والخوف وما نعيشه اليوم في هذه المحافظة إلا جزاء من هذا السيناريو المخطط له والمشتركة فيه قوى خارجية وداخلية كانت في السلطة أو محسوبة على الحراك .

وهذا ما بدا واضحاً في أخر تحولات ثورة التغير نحو تحقيق أول أهدافها وولوج مرحلة ما بعد علي صالح مستغلين الوضع الاستثنائي الذي يعشيه الوطن من كونها المرحلة الحاسمة لنهاية ختام مؤتمر الحوار الوطني ودخول اليمن مرحلة جديدة من التحول نحو بنا دولة مدنية اتحادية حديثة و في ومحاولة من هذه القوى- عبر سفك دم الأبرياء وتفجير الأوضاع - لجر أبناء المحافظة إلى مربع العنف والفوضى .

حيث لا يحلو للبعض العيش إلا في مستنقع الفوضى والكسب الرخيص على حساب أمن واستقرار محافظة الضالع, من كون التحول نحو استقرار هذه المحافظة كان سيتحول إلى حقيقة على أرض الواقع بخطوات عملية مع بزوغ خير حكومة الوفاق وقرارات الرئيس هادي فيما يخص هيكلة الجيش ونيل بعض القادة العسكريين من أبناء المحافظة مناصب عليا في قيادة وزارات الدفاع والداخلية واشتمال حقوق العسكرين المتقاعدين والمسرحين نصيب الأسد من قرارات التعويض والعودة وقرار حل وتعويض الأراضي التي أصدرها فخامة الرئيس مؤخراً.

ونيل القضية الجنوبية حقها في الحوار وإيجاد الحلول الممكنة لها والتي تضع الجنوب - كما هي الضالع - في أولويات مهام الحكومة الاتحادية ما بعد الحوار وإعطائها الأولوية في الوظائف والمشاريع وتمكين كوادرها من إدارة أنفسهم والمساهمة الفاعلة في صنع القرار وتوزيع الثروة .

ظهر هؤلاء بصورة مفضوحة يمارسون الشعوذة السياسية والفوضى كخطوة استباقية للحيلولة دون ذلك ودون حدوث أي تغير في الهيكل الإداري للسلطة المحلية في المحافظة فذهب البعض من قيادات السلطة المحلية المحسوبة على النظام السابق في خلط الأوراق ودعم بعض عناصر الحراك المتشددة والمحاولة منها لتحويل سهام هذه القوى نحو قوى الثورة وأحزاب المعارضة لإرباك المشهد والتستر خلفها للحيلولة دون محاسبتهم وتتبع عورات فسادهم أو إجراء أي تغير في هذه المحافظة.

خطوات تهيئة الأجواء..

بعد تولي الرئيس هادي قيادة البلاد ورحيل علي صالح ثمة مشاورات ومقترحات كانت قد تداولت بين بعض النخب السياسية والاجتماعية وقيادات عسكرية من أبناء هذه المحافظة على ضرورة إظهار حسن النوايا من قبل حكومة الوفاق و قيادات المحافظة المدنية والعسكرية أمام أبناء الضالع.

والبدء في سحب عدد من المواقع المطلة على مساكن المواطنين في وسط ومحيط المدينة, كخطوه أولية تتبعها إجراءات أخرى منها تعويض المتضررين وأسر الشهداء والجرحى وإقالة كل المدراء الفاسدين ومن تورطوا في قتل أبناء المحافظة واستبدالهم بكوادر مؤهلة من أبناء الضالع من المشهود لهم بالنزاهة وحسن الإدارة والسيرة والسلوك وتحظى بالقبول من جميع الأطراف.

والتهيئة لحوار جاد وصريح مع كل القوى على اختلاف مشاربها في هذه المحافظة, وغيرها من الإجراءات العملية التي ستعود كلها بالنفع لأبناء هذه المحافظة وتساعد على استتباب الأمن والسكينة العامة فيها.

 ولأنه لا يروق لتجار الحروب ومرضى النفوس مثل هكذا خطوات حبكوا بعض طبخاتهم وذهبوا ينفخون شرر الكير في وجه المحافظة الناعم.

ويفتعلون الأزمات والمشاكل تارة في محاصرة مبنى المحافظة وتارة أخرى في قطع الطرق والتقطع وإغلاق المكاتب التنفيذية ومحاربة أي مظهر للدولة وإظهار الأمر وكأنه على وشك الانهيار لإيهام القيادة السياسية أنه لولاهم لانهارت المحافظة بالكلية. يعني (لولا قُرينه ما تلمنا دخن)

حتى اضطر خلالها الرئيس هادي إلى تأجيل بعض هذه التغيرات وهو ما دفع المحافظ طالب إلى المهادنة المستمرة لهذه القوى ومحاولة إمساك العصا من الوسط تفادياً لانفراط العقد وصعوبة تجميع حبّاته إذا ما انزلقت الأمور إلى الفوضى العارمة.

يسعى مشعوذو السياسة لإدخال أمن واستقرار الضالع في مرحلة الموت السريري كونه يمثل المعبّد الرئيسي لرصف طريق الوئام ويؤسس لأرضية آمنة لأبناء الضالع وتضميد لجراح مدينتهم المجروحة بعذابات لصوص التاريخ و حماقات عصابات النشل الذين تحولوا بين ليلة وضحاها إلى مناضلين وإن كانت هذه العصابات مؤخراً قد وقعت في فخ الشرفاء وتاب البعض منهم لكن لازالت عصابات مدنية وأخرى عسكرية تمارس مهنة الارتزاق والعهر السياسي على حساب أبناء هذه المحافظة وعلى حساب أمنها واستقرارها .

خطوات العقلاء كانت قد نجحت بعض الشى قبل عام حين شكل الرئيس هادي لجنة من خيرة أبناء الضالع برئاسة اللواء سيف الضالعي على إثر أحداث منطقة الجليلة.

وقد عملت على إخراج بعض المواقع العسكرية من المدينة والقرى المجاورة كخطوة أولى في الطريق الصحيح الذي ينشده الأوفياء الأحرار أملاً في أن تتحقق عودة تنفيذ مشاريع التنمية والحد من ظاهرة الفقر والبطالة وانتشار الجريمة, والعمل على التماسك المجتمعي والحيلولة دون تحول الضالع إلى مسرح للصراعات السياسية أو السقوط في وحل الجماعات المشبوهة كما حدث في محافظة أبين والتي يروج لها دعاة الفتنة بين الفينة والأخرى في هذه المحافظة .

ولأن مافيا الفساد اليوم و قوى الارتزاق وعبثية الضمير تلعب بأوراقها الخبيثة للحيلولة دون أن تتنفس الضالع الصعداء, وهم مراهقي السياسة و تجار الحروب وعشاق المغامرات وكاسبي المال الحرام ينفذون مسلسلاً درامياً جديداً بغلاف الوطنية المزيفة, كل ذلك كخطوة استباقية دون تحقيق الثورة لأهدافها ودون تحقيق الحوار الوطني لأهدافه والحيلولة دون نجاحه والسير باليمن إلى بر الأمان ضناً منهم أن الضالع شرارة الانطلاق لمشاريعهم الخبيثة ونواةً لمآربهم الخسيسة لكن هذا لن يكون وقد فشلت كل خططهم وتكشفت حقيقتهم .

حبكات الأمس..

المتابع السياسي للأحداث يجد أن محافظة الضالع ومحافظة حضرموت المحافظتين الجنوبيتين الوحيدتين اللتان لم تشهدا أي تغير ويسيطر عليها بقايا النظام السابق بدرجة كبيرة – رغم الوهج والحراك الثوري المتزامن مع ثورة الشباب - ولهذا نجد أن هاتين المحافظتين هما الأكثر عنفاً وفوضى ومسرحاً للصراع كما هي حبكات الأمس فيها تمارس بطريقة أو أخرى اليوم.

لكن على أصحابها أن يعلموا أنهم على أعتاب عهد جديد ستفقد فيه بوصلة التحكم للفاسدين وستخسر منظومة الفساد كبار لاعبيها المحترفين ممن قد يستشعر صحوة الضمير.

يخطئ هؤلاء حين يمارسون لعبتهم القذرة بعقلية الأمس متناسين أن ثمة معطيات جديدة قد خلقتها المتغيرات وثورة الشباب في هذه المحافظة ولم يستفيدوا من العرض الثوري المغري الذي كان حصرياً على ثورة الشباب اليمنية والمتمثل في أن الثورة قد تجبُّ ما قبلها.

إن صحوة ضمير أبناء الضالع قد ارتفع منسوبها في سلم القيم الثورية والوطنية وإن الاشتباكات المفتعلة والحصار المزعوم ومسلسلات " توم وجيري" قد ولى عهدها ولم يعد مجدياً إعادة إنتاجها على مسرح الضالع الطلق بهواء الحرية والوعي والنظرة الثاقبة.

فجهل الطفولة السياسية قد تجاوزه وعي شباب هذه المحافظة ولم تعد عقولهم للبيع.

وأما استعراض العضلات لـ جماعات "عبده حيرو" في حارات الأحرار ستجني على نفسها براقش وسيجد نفسه – من يصدر بضاعة الحقد والكراهية الفاسدة لضالع الحرية والنضال - وحيداً منبوذاً محاصراً ليس بالسلاح أو أي أداة عنف, ولكن بقيم الفضيلة والطهر والنقاء والكرامة التي يستوقفها اليوم ضمير أصحابها.

آن لكل القوى الصامتة أن تخرج عن صمتها لتقول كلمتها بفمها المليان كفى عبثاً.. كفى استعراضاً.. كفى متاجرة بضمائر الشباب .

آن الأوان للضالع أن تنعم بالأمن.

آن الأوان للضالع أن تنعم بالاستقرار.

آن الأوان للضالع أن تنعم بالهدوء.

آن الأوان للضالع أن تبدأ برنامج التنمية الشاملة، لتعود للصدارة كما هي مدينة التصالح والتسامح، لتصبح مدينة الحب والسلام.

في الأربعاء 05 فبراير-شباط 2014 01:05:58 م

تجد هذا المقال في صحيفة أخبار اليوم
https://akhbaralyom-ye.net
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
https://akhbaralyom-ye.net/articles.php?id=74545