تأثير ممارسة المؤتمر الشعبي العام على العقلية اليمنية
أحمد محمد الحاضري
أحمد محمد الحاضري

إن فكر المؤتمر الشعبي هو فكر يمني في الانتماء والهوية ويعبر عن الذات اليمنية وصاغه نخبة من علماء اليمن وأعلام السياسية, والمفكرون المخلصون لهذا الوطن وهيهات ما بين الفكر والممارسة, فقد طغت عقلية النظام السياسي على فكر الميثاق الوطني فقد تأسس المؤتمر في عهد الرئيس- علي عبد الله صالح وظم في طياته كل الأطياف البنية المجتمعية والأحزاب والمذهبيات السياسية وتأسس كحزب حاكم استحوذ على السلطة ولكنه كتنظيم يدار بالحكم الفردي المطلق ويمكن تصنيف نشأته ومسيرته أنهما امتداد للاستبداد الفردي واستبداد الحزب الواحد...

وعندما أقرت التعددية الحزبية أصبح أخطر من النوعين ويختلف عنهما في الفكر والتطبيق حيث شكل الرئيس حزب المؤتمر على هواه ومن بطانته, والمنتفعين معه و سخر له إمكانات الدولة وسمح بديمقراطية وتعددية حزبية وحرية صوتية "قل ما تشاء والنظام يفعل ما يشاء "، فبدلاً من أن يستخدم الطريقة المكشوفة للاستبداد، أصبح يستعمل مؤسسة حزبية ضخمة قادرة على تزييف وعي المواطنيين، وما قام بهذا النوع إلا أشد الحكام دهاءً "اليمن ومصر "،كما أنه استطاع أن يدخل في منظومته كل التناقضات المجتمعية والحزبية والمذهبية...

واستطاع التماهي مع مرحلة ما بعد انهيار الكتلة الشرقية ومع تيار العولمة وهيمنت القطب الواحد وما رافق ذلك الوضع من ابتزاز الأمريكان والغرب لتلك الأنظمة باسم  الديمقراطية ودور منظمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان, والمرأة والطفل ..

ولذلك مثل ديمقراطية حزب الحاكم الذي يقوم على تطبيق صوري للتعددية الحزبية في ظل سيطرت حزب السلطة باستغلال المال العام وتسخير الوظيفة العامة فجذب القوى المؤثرة من زعامات الانقسام المجتمعي والطبقية المندثرة لما لهم من تأثير نتيجة لتخلف تلك المجتمعات، وسمح بظهور أحزاب معارضة لا تملك القدرة على المنافسة حتى وإن وجدت انتخابات شبه حقيقية.

ذلك لأنها ديمقراطية صورية لا تملك أهم أركانها وهو وجود أحزاب معارضة حقيقية وقوية في ظل غياب  محكمة دستورية يكون لها الكلمة الفصل والقرار النافذ يصاحبها بنية مؤسسية أهم ملامحها الولاء للأمة وسيادة القانون وحياد الجيش والأمن ...بقيادة مؤسسية ..

 فهذا الاستبداد جهل الأمة بقيمة الحرية وحقوقها فكان فوز الحاكم بـالأغلبية المطلقة من الأصوات ويحدد الحكم لفترتين فإذا انقضت عدل الدستور و ينتخب مرة أخرى ذلك لأن الحزب الحاكم  يحكم ويملك بيده القوة والمال ويسمح بديمقراطية قادراً فيها على تزييف وعي الجماهير, وشراء الذمم, واستخدام الجزرة والعصا في ترويض معارضيه...

 كما يزرع الرهبة في نفوس الشعب من التغيير كما قال شيخ اليمن رحمه الله "جني تعرفه ولا إنسي ما تعرفه ".

إن المؤتمر الشعبي مثل بحق ديمقراطية الحزب الحاكم الأخطر استبداداً لأنها تلهي الجماهير بالانتماء والتنافس الحزبي عن المصالح الفعلية للمواطن والوطن ويهدر المال العام في شراء الذمم والأصوات وفي الإنفاق على متطلبات إجراء الديمقراطية الصورية, ويحاول الحزب الحاكم إلهاء الجماهير بانتخابات متتالية, انتخابات داخل الأحزاب, وانتخابات عامة للنواب أو رئاسية .. أو غيرها من المسميات، وما أن تنتهي حتى يروج للانتخابات المحلية أو البلدية، بالإضافة إلى الانتخابات داخل النقابات ومنظمات المجتمع المدني..

 وما يصاحب ذلك من ندوات ولقاءات وبرامج بمختلف أنواعها وشعارات لا تعد ولا تحصى حتى تتوه الأمة عن أهم مقصد للديمقراطية وهو اختيار الأمة للحاكم ومحاسبته .. ففي الماضي كان الاستبداد القديم بدائياً ومكشوفاً يضرب بقوة ويحكم بشدة، ويمنع التعليم ويقتل ويشنق ويسجن ..

أما الاستبداد الحديث فقد أصبح ناعم الملمس كأنه أفعى رقطاء يلدغ وهو يصفر.. ويقتل وهو يبتسم ..

وبدلاً من قتل الجسد أصبح يقتل العقل ويقتل الهمم قبلها.. وبدلاً من أن يمنع التعليم … ليمحوا عقلية المواطن أصبح يستعمل التعليم لمحو شخصية المواطن لتلقينه معارف لا تلبي احتياجات الواقع فيظل يبحث عن عمل وساعده على ذلك وجود معارضة إسلامية ذات أفق جامد تقوم على التشريع الإسلامي المؤول ويركز على أفعال المغالين, والمقلدين فيشجعها أو يغض الطرف عنه بينما يعمل على تكميم أصوات المصوبين للانحرافات المذهبية، ويستبعد ويهمش الرجال الشرفاء وتلجئ الضرورات الحياتية بعضهم فيصمت حيناً ويسير مع الركب حيناً أخر وكل ذلك يصاحبه تنامي الفقر والنهم الاستهلاكي فتتدنى القيم وينتشر الفساد .

وعندما تتوالى صرخات الألم والمعاناة وبدلاً من منع شعارات الحرية والتغيير.. أصبح يستعمل كل الشعارات الخلابة لقتل الحرية .. فحكمه هو الحرية والديمقراطية والوطنية .. وغيره هو الفوضوية، والتطرف والإرهاب والرجعية، والمنفعية، أو الثورة المضادة ..

وأما معارضته إذا كانت مؤثرة فتسمى فتنة وانشقاق .. وتمزيق للأمة وعمالة وخيانة .. وتطرف وإرهاب، فكشف أحد الأخطاء تآمر، ومطالبته بالإصلاح ونهيه عن الفساد افتراء.... ويوجد قانون صحافة ليحمل الصحفي مسئولية الكلمة, ولا سيما فيما يتعلق بالشأن العام والملكية العامة..

ويسمح للصحف المستقلة بكوادر جاهلة وفاسدة لتنتقد على هواها وتبتز حيناً ويسخرها المتنفذون حيناً أخر باتجاه يناقض ويعاكس النقد البناء لصحف المعارضة الوطنية والأقلام الشريفة فيتوه الرأي العام فلا يعرف الحق من الباطل وتفقد الجماهير المصداقية فيما ينشر لتشجيعه وجود نفعيين ودخلاء على المهنة فيعتاد الناس على النقد المبالغ والمتناقض فإذا جاءت الحقيقة تختلط الرؤى ولا يميزها الناس حتى القهر المادي أصبح حداثة... وتشجيع المذهبية حرية سياسية والزعامات القبلية المتنفذة شخصيات اجتماعية... وتنامت المناطقية والقبلية بجانبها السلبي كنتيجة حتمية لممارسة النظام السياسي .."الحزب الحاكم والمعارضة "

فبدلاً من الطرق المكشوفة القديمة في قمع الجماهير ومواجهة سخطها.. تعلم الاستبداد طرقاً عصرية جديدة وذكية.. 

فأصبح يبطش بيد غيره فلهُ مجموعة من الأعوان والبطانة التي يكرسهم في خدمته ويجعلهم في المناصب المهمة … هؤلاء يستخدمون السلطة الرسمية, أو المكانة الاجتماعية بتسخير السذج من العامة لردع أو إيذاء المعارضين أو تضييق سبل العيش... باعتباره قمع لا تتحدث عنه المنظمات والهيئات الدولية، و اصطنع مجموعة من التجار السياسيين يمنحهم الإعفاءات والتسهيلات وييسر لهم الاستحواذ على مناقصات البنية التحتية وتوريد متطلبات الجيش والحكومة..

فإذا سخط الناس على أحد أعضاء الحزب الحاكم .. لإفراطه في البغي أسقطه ولكنه لا يلبث أن يعيده وكأن الوطن لم ينجب غير هذه الفئة والبطانة، وبذلك يضمن الحاكم ولاءهم لشخصه وطاعتهم له ويضمن ذلتهم وخضوعهم .

وأحياناً يصل المتنفذون إلى مرحلة من النفوذ بالسلطة والمال العام لا يستطيع معها النظام أو الحاكم إزاحتهم فيتقاسمون الاستبداد وتبدأ هنا مرحلة الردع المتبادل ليحافظ كلاً على مكانته وهذه بداية لصراع المستبدين "مراكز القوى "، وأصبح ولاء القوات المسلحة والأمن للحاكم أكثر من ولائه للوطن فكان تأبيد بعض القادة فانقسم ولاء القوات المسلحة تبعاً لذلك وتشكلت مراكز قوى داخل القوات المسلحة أمتد نفوذها إلى كافة مرافق الحكومة وصاحب ذلك ارتباط بعض القيادات بالأحزاب والمذاهب السياسية..

 واتسمت إدارة الدولة بالموازنة بين توجهات القوى المتعددة في النظام السياسي, وانعدمت القدرة على تحديد المسئولية, وأختلط في العقلية العامة السبب والنتيجة.. ويوم تحل بالأمة نكبة أو محنة, أو هزيمة, لا يكشف المسئول ولا يحاسب… كما صاحب ذلك هدم للقيم ومسخ للأخلاقيات المجتمعية, وتخلخلت البنية المجتمعية وتشكلت بنية وثقافة مجتمعية مشوهة ومتضاربة ولا سيما ظاهرة تعصب التدين الشعبي والحزبي والمناطقي,  وظاهرة الأحكام المسبقة و التعميم  وظاهرة العنف والغضب الشعبي وتدني الاهتمام بالمرافق والملكية العامة تضاءلت القدرة في التفريق بين معارضة الدولة والحكومة .

ولذلك فالأمة تحتاج إلى فهم جديد حديث لطرق الاستبداد.. وأصبحت أكثر حاجة إلى وسائل متطورة وأساليب علمية لمقاومته وقطع جذوره من المجتمع .

ومن أهم العوامل التي تساعد على استمرار تزييف وعي المواطنيين وتدني قدرتهم على أدراك أسباب واقعهم المرير هو سيطرت الحاكم وحزبه ووسائل الإعلام والإرشاد في ظل وضع يتسم بعدم سيادة القانون وبذلك تشوش العقلية اليمنية وتنعدم قدرتها على الإدراك المنطقي فتنعدم قدرة الشعب على التعبير عن إرادته باختيار غير الحزب الحاكم، كما أن أخطاء وجمود عقلية أحزاب المعارضة المذهبية والقومية التي وهنت قدرتها على التمدد والانتشار بين أبناء الشعب نتيجة لعدم قدرتها على محاربة الفساد وكشف أخطاء النظام واكتفت بالتعميم في خطابها وركزت على إلقاء اللوم على رأس النظام وتحميله المسئولية..

 يخفت صوتها كلما ألقى لها النظام ما تقتات به من أموال أو تسهيلات أو مناصب ....لكل ذلك تراكم البؤس على الشعب فكانت صرخة الشباب التي مثلت بداية نهاية هذه المنظومة من الاستبداد في اليمن تحديداً  وستستمر لتنامي وعي ومعرفة الشعب وتحرره من رهبة السلطة, وانبعاث ثقته في قدرته على القضاء على الاستبداد ذلك كائن لا محالة نتيجة لاستمرار معاناة الشعب من استبداد عقليات المذاهب والأحزاب السياسية الخاضعة للصهيونية الأمريكية..

 

إن صحوة الشعب وصرخة الشباب ستظل قوة قادرة على الوقوف في وجه تكاتف الاستبداد والرأسمالية للقضاء على تلك الصحوة والصرخة وهي في طورها الأول تحبوا وستبلغ رشدها وما استحواذ الشطر الأخر للنظام السياسي المستبد الفاسد على ثورة الشباب " المعارضة والمنضمين من الحزب الحاكم " ما استحواذهم على ثمار ثورة الشباب إلا مرحلة تكشف قناعهم وتثبت تماثلهم في العقلية والممارسة مع الحزب الحاكم..

 وسواءً تقاسموا السلطة مع الحزب الحاكم أو استحوذوا على كل السلطة كلياً فإنها مرحلة يجمع فيها الفساد والاستبداد في سلة واحدة فيسهل على ثورة الشعب القادمة التغيير الجذري والشامل تغيير يتعدى النظم والممارسات إلى تغيير الشعور بالعبودية والاستعباد فيصبح هدف الفرد والمجتمع " نافيتين " لا عبودية ولا استعباد بذلك التغيير في الشعور يصبح مفهوم الديمقراطية هو العدل والمساواة والكرامة ... وما ذلك على الله بعسير قال تعالى : " يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ"[1]

بالإيمان والتطبيق لنافيتي العبودية والاستعباد سيتحقق للشعب تلمس مكمن الداء وهو التحرر من الموروث الاستبدادي لما ترسخ في إيمانه أن الخلاص لا ولن يكون إلا بالعدل والمساواة والوحدة والحرية, والأمة مصدر السلطة والأخذ بالسنن والأسباب بهدي منهج الله ليتم بناء الإنسان الذي كرمه الله وأعزة .

في الجمعة 02 مايو 2014 02:29:01 م

تجد هذا المقال في صحيفة أخبار اليوم
https://akhbaralyom-ye.net
رابط الصفحة
https://akhbaralyom-ye.net/articles.php?id=75523