هل يستطيع الانتقالي العيش خارج حضانة الإمارات ؟
عادل الشجاع
عادل الشجاع
في البدء لابد من القول بأن المشروع الوطني اليمني تبلور في إطار مقاومة المشروع الكهنوتي في الشمال والاستعمار في الجنوب كحالة نفسية مرتبطة بالكرامة والحرية ، وارتكزت مقدمات هذا المشروع على الهوية القومية التي تبلورت في إطار المشروع النهضوي العربي في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي . الحالة الحوثية اليوم في الشمال والانتقالي في الجنوب هي خروج على هذا المشروع والعودة به مرة أخرى إلى الحالة الكهنوتية والاستعمارية .
وبما أن حديثنا عن الانتقالي في الجنوب ، فإننا سنتوقف أمام محدودية هذا المشروع وانزوائه المناطقي على حساب البعد الوطني ، هذا الانزواء جعله مشروعا ميتا وغير قابل للاستمرار لأنه يجافي الهوية الوطنية الجامعة ، فقد فقد الانتقالي مفعوله السياسي والمدني معا ، لأن غاية السياسة هي التسامي والتجاوز من أجل التوحد الأشمل ، في حين أن غاية الانتقالي هي خلق التمايزات وبعث الخصوصيات المناطقية ، حتى الفكرة الجنوبية لديه ليست خالصة ، فهي تنطلق من مصدر انتفاع وتبعية ، يديرها بالتنافس والتناحر . هذا المسلك سيوصله إلى مرحلة التشرذم والترهل والتآكل والجمود والعجز ، كونه لم يستطع التكيف مع الواقع .
من دلائل ضيق مشروعه أنه استبدل التفكير بالمصير الوطني الجماعي للشعب اليمني بخلق مرجعيات وهمية فارغة من محتواها الوطني . كان يمكنه الحديث عن مشروع الدولة العام ، وكان سيحصل بموجبه على اتفاق عام شمالا وجنوبا ، لكنه كما قلنا لا يملك مشروعا أساسا وما حديثه عن القضية الجنوبية إلا إفراغا لهذه القضية حتى تستمر الفوضى التي تمكن كفيله من الاستمرار في اليمن لفترة أطول .
وإذا توقفنا عند السنوات الأخيرة المعاشة بالصوت والصورة ، وربطنا الأحداث بسياقاتها ، فسنجد أن المعركة مازالت هي هي ، لم تتغير بجوهرها ، وإن تبدلت بعض قواها ، فهناك مشروع احتلال يفرض نفسه على اليمن ، هدفه تقسيم اليمن ، وهو مستميت في إسقاط علم الجمهورية ورفع علم الانفصال في بيئة ترفض هذا الانفصال لإدراكها أنه بديل سيء ينشد الفوضى ويقمع التنمية والبناء ، وتدرك أن البديل هجين ركب وفق قياسات تساعد على التبعية وليس على الاستقلال .
والمتتبع لإنجاز الانتقالي ، يجد أن إنجازاته تتمثل في وضعه المواطنين الواحد في مواجهة الآخر ، حتى لو كانوا يتقاسمون المدينة نفسها أو المتابع لإنجاز الانتقالي ، يجد أن إنجازاته تتمثل في وضعه المواطنين الواحد في مواجهة الآخر ، حتى لو كانوا يتقاسمون المدينة نفسها أو المكان المشترك ، لقد وضع المواطنين في ضفتين متقابلتين ومتناقضتين حول الأصل والهوية ، وليس حول سبل مواجهة الفقر وتأمين الرعاية الاجتماعية والصحية والتعليم وإيجاد فرص العمل والحياة الكريمة ، وحاول تعزيز الحقد المتبادل واستحضر التاريخ بويلاته ومآسيه .
هذه الممارسات التي يمارسها الانتقالي ، الهدف منها جعل الأطراف تنبش أكثر الفترات السوداء قتامة والتي كانت دولة الوحدة قد اعتبرتها منتهية وقد تخطاها الزمن ، من حروب القبائل والمجازر التي ارتكبت في حقبة الاستعمار وما تلاه إلى الحروب الحالية وما رافقها من حالات التهجير والتطهير والفرز المناطقي ، التي أصبحت موادا للمتاجرة السياسية ، كل الذي فعله الانتقالي هو تضخيم الخطاب المناطقي والتقوقع حوله وأسقط الخطاب الجامع المرتبط بالقضايا والمشاريع الكبرى كالتحرير والتحرر والتنمية التي لو تبناها لا التفت حوله الجماهير شمالا وجنوبا ،لكن فاقد الشيء لا يعطيه .
تقوقع الانتقالي حول نفسه ، بسبب غياب القضية وغياب المشروع السياسي الواضح المرتبط بالهم الاجتماعي وتغيبه القسري للقوى الحية في المجتمع . وبما أن الانتقالي أصبح مربكا لمشروع التحرير الوطني ولاستعادة الدولة ، فهل مازال الخصم ملتبسا ؟ من دون شك كلا : هي الإمارات وعدتها من المال والأتباع ، باتجاهها فلتصوب البوصلة فقط ، وعلينا ألا نضيع الاتجاه في الحول السياسي . اضربوا رأس الأفعى ، لأن الذيل هو الأدوات التابعة لها ، فقطع الذيل لا يضر بالرأس .
مشروع الإمارات منذ دخولها في تحالف دعم الشرعية يتمثل في نشر الفوضى وبناء المليشيات ، فهل رأينا مهندسا أو طبيبا أو خبيرا من قبل الإمارات ؟ فهي تقف بوجه إمكانية التأسيس لاجتماع يمن موحد بسياقه التاريخي المرتبط بثقافته المشتركة . على هذا الأساس كنا قد تحدثنا منذ فترة بعيدة بأن مشروع الانتقالي سيفشل ، لأنه ألزم نفسه بتبعية لا تعمل أي اعتبار للمصلحة الوطنية ، وما الائتلاف الوطني الجنوبي إلا تعبيرا عن خلل المشاريع الصغيرة ، وهو يكشف عن نقلة نوعية وعن قرار عميق في تعديل مسار الأحداث السياسية والاجتماعية في إطار جديد يقف سدا منيعا بوجه مشاريع الهيمنة على الهوية ومصادرتها ، وهو المشروع الذي يمثل اليمنيين كل اليمنيين .
بأي حق يأخذ الحوثي ٢٥ بالمئة عن كل مبلغ محوّل؟!
عادل الأحمدي
الناس يشتكون ويقاسون المعاناة أشكالا وألوانا. والشكاوى المريرة تصلنا ككتاب، بلا انقطاع.
حين يتم تحويل 100 ألف ريال من المناطق المحررة، فإنها صارت تصل إلى مناطق سيطرة الحوثي 75 ألف ريال، والمواطن في صنعاء يشتري بـ75 ألف ريال نفس الأشياء التي يشتريها المواطن في عدن بنفس المبلغ (75 ألف ريال). إذن ما هو النجاح الذي حققه الحوثي من هذا القرار؟ 
فلو كانت الـ75 ألف في صنعاء تعادل قوتها الشرائية 100 ألف في المناطق المحررة، لكان لهذا الإجراء الجائر، تفسير بهذا الشكل أو بغيره. لكن الحاصل أنها عملية احتيال ونصب وسرقة مدروسة بعناية. 
يأخذ الحوثي من كل 100 ألف، مبلغ 25 ألف من عرق الناس وقوت أطفالهم وحلال أموالهم، وهي نسبة تفوق الخُمس الذي أقرته لائحته الأخيرة، وليس بعد هذا الظلم ظلم، ولا بعد هذا الإثم إثم.
 يقوم الحوثي بمنع تداول الطبعات الجديدة من العملة الوطنية في مناطق سيطرته، ويبيعها للمناطق المحررة بسعرها، ويستلمها منهم ناقصاً 25 بالمائة.
 ولو كان لمثل هذا الإجراء أي معنى اقتصادي غير احتيالي، لكانت الـ100 المحولة من صنعاء أو ذمار مثلاً، إلى المناطق المحررة تساوي 125 ألف ريال، على سبيل المثال. 
إنها لصوصية وإيغال في تمزيق وتشطير البلاد، وإيجاد سعرين مختلفين للعملة ذاتها، وباطل يعجّل بزواله ولابد. 
ومهم التأكيد على أن هذا المبلغ المخصوم (25 بالمئة)، ليست رسوم تحويل بقدر ماهي فارق عملة 
يستفيد منها الحوثي وليس الصراف. وهو ما أكده لي مختصون في البنك المركزي بعدن.
ولو عدنا إلى مقدار التحويلات اليومية التي تأتي من المناطق المحررة إلى مناطق سيطرة الحوثيين لوجدنا أن مسروقات الحوثي يومياً تبلغ عشرات المليارات. 
وإذا كانت هذه تؤخذ باسم فارق سعر الصرف بين صنعاء وعدن، فإن سعر الصرف الذي يعتمده الحوثي يعد وهمياً، لأن من يحدد السعر الفعلي هو البنك المركزي اليمني المعترف به في عدن.
 ولأن سوق الأسعار في صنعاء مرتبط بسوق الأسعار في عدن (أسعار البضائع)، فالتاجر الذي يمتلك عملة صعبة خاسر في الحالتين، ولهذا بدأ العديد من رؤوس الأموال بتهريب مدخراتهم إلى المناطق المحررة، وفي هذا ضرر إضافي على المواطنين في مناطق سيطرة الميليشيا.
علما أنه لا يوجد طلب على العملة الصعبة في تلك المناطق إذ لا إنشاءات ولا سياحة ولا استثمار.
إن العامل الذي يحصل في شهره على 50 ألف ريال في مأرب أو الغيضة أو عدن وسكنه في مناطق سيطرة الحوثي، يصبح أجره الحقيقي نحو 35 ألف ريال، وهذا المبلغ في مناطق سيطرة هي نفسها في المناطق المحررة، لأن الأسعار نفس الأسعار. والفارق مبلغ مسروق يذهب إلى جيب الحوثي.
ورغم كل ما يسرقه الحوثي، إلا أنه لا يصرف لموظفي أي شيء ويجبرهم على العمل، وعندما ينوي صرف نصف راتب قبل العيد، يعمل بروبجندا دعائية هائلة، وأنه صرف نصف الراتب هذا، رغم عن أنف الضغوط الأممية والدولية الأميركسعواسرائيلية، كما نشرت صحفه وبالنبط العريض.
ينبغي على الناس، ألا يسكتوا عن هذه السرقة الواضحة وضوح الشمس. إذ لم يكتفِ الحوثيون بسرقة مرتباتهم ونهب موارد الدولة، وفرض الجبايات على المواطنين بمناسبة وبدون مناسبة، وسد منافذ الرزق والعمل في المصالح العامة والخاصة، فعمدوا إلى ملاحقة العامل المسكين في أجره البسيط. (القتال والموت في الجبهات هو المكان الوحيد المناسب لهذا الشعب في نظر هذه العصابة).
مطلوب من البنك المركزي إيجاد حلول لمنع هذا التحايل، مثلا اجبار الحوثي على شراء الغاز من مناطق الشرعية بالعملة القديمة، وغيرها من الحلول.
ولابد أن يعثر الناس عن طريقة لإنهاء هذه اللصوصية، كخطوة ملحة كي لا ينزلقوا إلى قعر آخر من المذلة والمهانة، ولكي يظلوا وأبناؤهم ممسكين برمق يبقيهم على قيد الحياة. مع يقيننا جميعا أن لا حل لكل النكبات المتوالية سوى بالتخلص من هذه العصابة التي سببت الحرب والدمار والفقر ولايزال برنامجهاً حافلاً بالعديد من فقرات الإفساد والسحت واللصوصية.

في الخميس 30 يوليو-تموز 2020 09:42:48 ص

تجد هذا المقال في صحيفة أخبار اليوم
https://akhbaralyom-ye.net
رابط الصفحة
https://akhbaralyom-ye.net/articles.php?id=83609