الرئيسية   تحقيقات

الموت على حدود الصمت

الإثنين 14 مايو 2012 الساعة 03 صباحاً / تقرير/ عبدالعليم الحاج

لم يمض على مقتل المدرس اليمني/ حميد سفيان ـ داخل الأراضي السعودية ـ سوى بضعة أسابيع فقط حتى لحقه ابن بلدته خريج اللغة الإنجليزية/ بسام غالب علي وكلاهما دفعتهما الحاجة لترك وطنهما وتأميم وجهيهما صوب الحدود علهما يجدان فرصة عمل تقيهما الظروف الصعبة وإن كانت محفوفة بالمخاطر إن لم يكن الموت المحقق.
في شرعب السلام وحدها لقي العشرات من شباب المنطقة حتفهم على حدود الصمت بعضهم ابتلعته الرمال السعودية وآخرون لعدم خبرتهم، تساقطوا كأوراق الخريف من أعالي أبراج مكة.
في هذا التقرير نرصد بعضاً من مشاهد الموت لشباب تسللوا إلى دول الجوار بغرض تحسين أوضاعهم فكان الموت أقرب إليهم من حبل الوريد.. إلى التفاصيل..

قبل خمس سنوات حصل الشاب/ بسام غالب علي ـ من سكان شرعب السلام ـ على المؤهل الجامعي من كلية أرحب وقبله بأشهر أكمل نصف دينه فكانت الفرحة فرحتين وظنت أسرته أنها قدمت ما عليها نحوه وجاء الوقت الذي يعتمد فيه على نفسه ويبدأ مشوار البحث عن الوظيفة في أروقة مكاتب الخدمة المدنية.
خمس سنوات مرت ومعها بدأ اليأس يتسرب إليه وذبلت أحلامه وهو يرى أن المؤهل والإبداع لا يساويان مثقال ذرة في ميزان الفساد مقابل الإبداع والتفوق لاشيء مقابل الوساطة وبموجبها وصل أميون إلى الصدارة وحصلوا على وظائف دون حصولهم على مؤهلات وبعضهم لم يتجاوز الصف السادس لهذا قرر بسام ترك وطنه وكانت الهجرة خياره الوحيد رغم معرفته المسبقة بمخاطرها.
 ترك زوجته وطفليه وكان يحدوه الأمل عله يجد في سفره ما يخفف عنه غربة الأهل والوطن ويفتح لهم نافذة المستقبل ويكسر لديهم سأم الإنتضار الطويل لوظيفة غدت أشبه بالسراب يحسبه الضمآن ماء.
 وفيما كانت الأسرة تنتظر خبر وصوله جاءها خبر رحيله.. تقول الرواية الأولى: أنه اتصل بشقيقته قبل أن يفارق الحياة وكان يبدو من خلال صوته أنه منهك وقال لها أنا بين الحياة والموت ولم يزد، وتشير المعلومات الواردة من السعودية أنه أصيب بالإعياء والتعب نتيجة السير في الصحراء السعودية ثم دخل في مرحلة غيبوبة قبل أن يسلم الروح لباريها ورواية أخرى تقول إنه عندما شعر بدنو الأجل توجه حبواً إلى نقطة أمنية وسلم نفسه قبل أن يسلم روحه. رحل بسام ولم يكتمل مشروعه الثوري والذي من أجله رابط في ساحة التغيير بصنعاء منذ انطلاق شرارة الثورة الشبابية السلمية، شهد فيها جمعة الكرامة وكان قاب قوسين أو أدنى من نيل الشهادة وفقاً لزملائه.
أما والدته فليس لها من حلم سوى سرعة التعجيل بدفنه ووضع حد لمسلسل الموت  الذي يخطف فلذات الأكباد في رحلة بحثهم عن لقمة عيش حلال تقيهم السؤال، هذا مفاد قولها في حديثها للصحيفة.
حميد سفيان قصة ألم
وفي ذات السياق ما تزال أسرة المدرس/ حميد عبد الرحمن سفيان، الذي لقي حتفه بانفجار قنبلة حولته إلى أشلاء أثناء تسلله إلى أراضي المملكة، لا تزال بانتظار دفنه فإكرام الميت دفنه: تقول والدته التي تعاني من المرض لو كنت أعلم ما سيحل بحميد لكنت جلست في المستشفى وبعت له دمي، قبل أسابيع غادر مدرس اللغة العربية مدرسته الكائنة في شرعب السلام خلسة دون علم أحد باتجاه المملكة السعودية بعد أن ضاق به الحال واستوطنته الهموم وتخلى عنه المجتمع، حيث أصبح عاجزاً عن تحمل نفقات علاج ثلاثة من أولاده اثنان مصابان بالتخلف العقلي والثالث بالسرطان وزوجته أصيبت بالصمم وكان حلم السفر يراوده منذ أشهر بعد تزايد الديون عليه وتوقف صندوق المعاقين عن تزويده بالعلاج لم يطيق البقاء في بلاده وهو يقف مكتوف اليدين ولا يستطيع توفير الدواء لأولاده ومع هذا كان مثالاً للمدرس الناجح كما يقول زملاؤه، لكن حلم حميد بحياة كريمة تبعثر في صحراء المملكة كما تبعثرت أجزاء جسمه وشاهد العالم بشاعة الحدث عبر وسائل الإعلام وكانت الرواية قيام المذكور بتفجير نفسه عبر قنبلة يدوية كان يحتفظ بها عندما وقع في يد حرس الحدود رواية ردتها أسرته جملة وتفصيلا ودحضها زملاؤه بقولهم: شخص مثل حميد بإحساسه وصبره وحبه لمهنته يستحيل أن يفجر نفسه.
المواطنة المتساوية
قبل عشر سنوات وتحديداً في العام 2002م حصل بدر محمد المقدم على مؤهل البكالاريوس من كلية العلوم الشرعية بالحديدة بتقدير امتياز ليبدأ حينها مشوار البحث عن وظيفة يحقق من خلالها حلمه في العمل في سلك القضاء أسوة ببعض زملائه وأقلها وظيفة في التربية والتعليم ظل على مدى عقد من الزمن يتردد على مكاتب الخدمة المدنية دون أن يطال بلح الشام ولا عنب اليمن ـ وفقاً للمثل العربي ـ وحينها لم يعد أمامه سوى الهجرة عله يرد الاعتبار لنفسه ولأسرته التي قاسمته عناء البحث والإنتظار طوال سنوات تردده على مكاتب الخدمة، أخيراً حمل يأسه وإحباطه وتوجه صوب الحدود، قبل بضعة أشهر طوى بدر المشهد الأخير من رحلة البحث عن المواطنة المتساوية وكما تاهت ملفاته في أروقة المحسوبية والفساد تاه هو والآخر في الصحراء وفاضت روحه إلى باريها.
يقول والده: نتيجة عدم حصول بدر على الوظيفة أصيب بالإحباط وقرر التسلل إلى السعودية ولم يخبرنا إلا عندما وصل إلى مشارف الحدود، يتنهد ويضيف: أنا أدعو الشباب إلى الجلوس في بلدهم وعلى الدولة رعايتهم وتوفير فرص العمل لهم.
الطفولة تنتهك
لم يعد هاجس الهجرة يراود الشباب لوحدهم الصغار هم أيضاً تركوا تعليمهم وشدوا الرحال صوب المجهول، منهم من حالفه الحظ ومنهم من لقي حتفه والكثير على خط الموت ينتظر في ظل دفع الكثير من الأسر بصغارها إلى حتفهم المحتوم والتخلي عن مسؤولياتها في التربية والتعليم ومجاراة الآخرين في محاولة الثراء السريع دون النظر إلى العواقب الوخيمة.
الفتى عبد الله عبد العزيز ناجي ـ الطالب في الصف الثامن ـ أقسم أن لا يعود من السعودية إلا ومعه سيارة صالون مثله مثل غيره من أبناء القرية الذين تهربوا إلى السعودية وحققوا أحلامهم وما كان لهم ذلك لو بقوا في بلدهم أو أكملوا تعليمهم.
 تمكن عبد الله الذي لم يتجاوز الثالثة عشرة من عمره من تجاوز الحدود بنجاح وضنت أسرته أنه ناج منها أتته سيارة مسرعة فقضت عليه كما قضت على حلمه الناشئ فالفتى لم يسبق له أن خرج من قريته وكان أول معرفة له بالمدينة هو أحد شوارع مكة قضى فيها نحبه ولربما كان أفضل حظاً من غيره على الأقل صُلي عليه بالحرم ودفن في مكة بينما الكثير من أقرانه التهمتهم الرمال وأكلتهم السباع كما هو حال الفتى أحمد ـ الذي تعرض للاغتصاب ورمي جثة هامدة في الصحراء، حسب روايات سكان الحي الذي تقطنه أسرته في مدينة تعز. 
البحث عن الكرامة   
هنا في حي السلخانة بمدينة تعز الكل يتذكر الفتى المحبوب/ علي عبد الملك الحميدي، يقولون لك ومن مثل علي نشاطاً وحيوية وأدباً عندما أكمل تعليمه الثانوي قرر الذهاب إلى السعودية عله يعود بعد عام لإكمال دراسته الجامعية وفقاً لصديقه/ وليد علي أحمد ـ صاحب محل للدعاية والإعلان ـ لكنه لم يعد، لقد لقي حتفه وتلاشى حلمه.
 ويضيف وليد أنا ضد الذهاب إلى السعودية بطريقة عشوائية لكن ما حيلة الشباب أمام وضعهم المأساوي وعجزهم عن شراء الفيز وهذا الوضع يتحمله النظام فهو من أوصلنا إلى مانحن عليه اليوم حتى كرامتنا لم تسلم من المهانة ـ حسب تعبيره.
أما شقيق علي فيقول: كان علي يعمل في أحد أبراج مكة، حيث رمى أحد العاملين بقطعة خشب من أعلى وقعت على رأسه وفارق على إثرها الحياة ويضيف: حصل علي على فيزا إلى عمان لكنه ٌرفض نتيجة صغر سنه.
كر وفر
 كل من كانت له تجربة في التسلل إلى المملكة السعودية الشقيقة يعود بروايات أشبه بالخيال وكيف يتساقطون في الصحراء كما تتساقط أوراق الخريف جوعاً وعطشاً قبل خمس سنوات. غامر محمد حميد بهجرة غير مشروعة أراد أن يحسن وضعه المعيشي فكاد يفقد حياته، هو اليوم يجند نفسه للتوعية بمخاطر الهجرة غير الشرعية وخصوصاً صغار السن يقول حميد: كل ماكنت أسمعه من قبل من سبق لهم التسلل عبر الحدود وكنت لا أصدقه وجدته حقيقة لا خيال، أحد رفقائنا ظل يتوسلنا شربة ماء حتى فارق الحياة، أرواحنا بلغت الحلقوم وزاغت الأبصار ونحن نحدق في الصحراء في انتضار المهرب بعد ليلة كاملة قطعناها جرياً وسط الرمال والوديان، وعندما بلغ منا اليأس مبلغه وظنينا أنه لا راد لقضاء الله جاءنا الفرج ووصل المهرب وقام بحشونا داخل سيارته وبطريقة مهينة أشبه برص البضاعة وتكررت العملية أكثر من مرة على مدى أسبوع بين كر وفر حتى وصلنا.
  إلى متى ؟!!
دماء يمنية كثيرة أريقت في ظل صمت مطبق لنظام كان همه الأوحد كيف يحافظ على كرسي الحكم ولو ضحى في سبيلها بشعب بأكمله، وصغار سقطوا في حوادث متفرقة أثناء تسللهم عبر الحدود أو أثناء عملهم في أعمال شاقة لا تتناسب مع أعمارهم وليس لديهم خبرة في ممارستها، مثلاً هؤلاء الثلاثة من قرية واحدة ـ عبد الصمد مدهش ـ عبد الله يحيى علي ـ سيلمان محمد سيف سعيد،ثلاثتهم لقوا حتفهم قبل أن يصلوا إلى مبتغاهم عندما انقلبت سيارة المهرب وعلى متنها العشرات من المتسللين ماتوا جميعهم.
أما الشاب/ ماجد قائد عبد الله، فنتيجة لعدم خبرته بالكهرباء كانت نهايته عن طريقها فيما عبد الله أحمد محمد الحاج ـ الذي كان ينوي العودة استعداداً لإتمام زفافه ـ جاء خبر سقوطه من عمارة شاهقة كالصاعقة على أسرته، بينما كان أحمد مهيوب أكثر حظاً من رفاقه عاد بيد واحدة وذهبت الأخرى ضحية عدم خبرته بالعمل الذي أسند له لأول مرة.     
ختاماً:إلى متى سيستمر نزيف الدم اليمني في سبيل البحث المضني عن الحياة الكريمة وهل سيتم معاملتهم أنهم شهداء لقمة العيش باعتبار أن النظام سرق مقدرات البلد على مدى ثلاثة عقود ونيف وحول أعزة أهلها أذلة ودفع بشبابها وصغارها وشيوخها إلى الحدود كالقطعان فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر.