الرئيسية   تحقيقات

جنود وضباط الثورة.. أوضاع قاسية وظروف صعبة

الأحد 17 يونيو-حزيران 2012 الساعة 02 صباحاً / نقل معاناتهم/ فيصل عبدالحميد

في 21 فبراير 2011م أعلن أول ضابط في الجيش اليمني انضمامه إلى الثورة الشبابية في ساحة التغيير في صنعاء وانحيازه لمطالب الشعب رافعاً شعار "الشعب يريد إسقاط النظام"، ليتم بعدها اعتقاله وإيداعه في زنازين الاستخبارات العسكرية قرابة الشهر.
يقول المقدم/ أحمد صالح زاهر ـ الذي أفرج عنه في 16 مارس: "تعرضت للتعذيب الشديد وتم عرض مبالغ مالية علي وتهديدي حتى أتراجع عن قراري".
وخرج زاهر من الزانزنة عائداً إلى ساحة التغيير ليؤسس أول تكتل عسكري في ساحة التغيير بصنعاء يضم 757 عسكرياً ـ هم قوام تكتل حركة الضباط الأحرار ـ الآن.. كما انشئت تكتلات عسكرية أخرى في ساحة التغيير إلى جانب تكتل زاهر، ومثلها أيضاً تكتلات كثيرة في ساحات وميادين التغيير في 20 محافظة.
وتوالت إنضمامات ضباط وجنود من عديد ألوية عسكرية ووحدات أمنية إلى ثورة الشباب في عموم ساحات الثورة في الجمهورية، خصوصاً بعد مجزرة جمعة الكرامة 18 مارس 2011 كان أبرزهم اللواء/ علي محسن الأحمر ـ قائد المنطقة الشمالية الغربية قائد الفرقة الأولى مدرع.
الكثير من العسكريين الذي انضموا إلى الثورة طالتهم تعنتات النظام السابق بدءاً بالاعتقالات والتهديد والفصل التعسفي وإيقاف الرواتب وهي المشكلة التي مازال يعانيها ضباط وجنود الثورة .. "أخبار اليوم" زارت ساحة التغيير لتلامس همومهم.

يقول رئيس تكتل الضباط الأحرار للجيش الثوري بساحة التغيير المقدم/ أحمد زاهر إنه تم اعتقاله في جولة الرويشان وسط العاصمة وتم إيداعه في زنزانة انفرادية بسجن الاستخبارات العسكرية، بعد إنضمامه إلى ثورة الشباب بثلاثة أيام فقط.. ويؤكد زاهر أنه تعرض للتعذيب داخل السجن وأنه عرضت عليه مبالغ كبيرة مقابل أن يظهر في قناة اليمن ويعتذر عن انضمامه للثورة.
يضيف: حتى مزرعتي في البلاد "بني مطر" دمروها، وتمت مضايقتي من الأمن القومي، وأولادي تم إسقاطهم في الثانوية العامة برغم أنهم كانوا يختبرون بالكتب، وتم إيقاف رواتبنا أنا وزملائي.
وتابع: عرضوا علينا أن نترك الساحة وإنهم سيدفعون مرتباتنا.
وعقب خروجه من السجن شكل زاهر ومجموعة من زملائه جنود وضباط حركة الضباط الأحرار في ساحة تغيير صنعاء.
محسن يزيح الخطر
يقول زاهر إن حياة الجنود كانت معرضة للخطر لهذا لم يحددوا موقفهم من الثورة، ولكن عندما انظم اللواء/ على محسن الأحمر للثورة رأينا ضباطاً وجنوداً توافدوا للساحة بالآلاف وحتى وحدات بكاملها انظمت وبدأت تشكل تكتلات بلغت أكثر من 10 تكتلات منها متقاعدون.
"نحن حركة الضباط الأحرار دخلنا الثورة مقتنعين بأهدافها ومقتنعين بسلميتها، وشاركنا الشباب بجميع تحركاتهم وفعالياتهم وتحملنا قطع رواتبنا كل هذه الفترة". قال زاهر باعتزاز.
يطالب زاهر ورفاقه الـ 757 في تكتل "حركة ضباط الأحرار" بجيش ثوري بتوصيف وظيفي موحد لخدمة الإستراتيجية الدفاعية اليمنية، وجيش وطني بعيد عن الولاءات الشخصية والانقسامات، مشيرين إلى أنهم من أجل هذه المطالب يرابطون في الساحات منذ 15 شهراً بدون رواتب- حد قولهم.

عقاب ومطالب
يقول زاهر إن النظام السابق كان يعاقبهم بأسلحته بأنواعها وضمن تلك الأسلحة قطع رواتبهم وأعتقالهم.. واستنكر زاهر:" لكن تأتي حكومة الوفاق التي شكلت من أجل التغيير ومن أجل الثورة وطول هذه الفترة ولم يذكرونا".
وأضاف: ومع ذلك يطالبونا بالعودة إلى وحداتنا ومواقعنا، ولكننا نقول لهم بأننا في جيش الثورة مطالبنا ثلاثة حتى نعود لوحداتنا: صرف مستحقاتنا كاملة، و إشراكنا بالحوار لعرض رؤيتنا لإصلاح الجيش، وأن يعملوا لنا توصيف، ولا نريد أن نكون في منطقة رمادية.
وأكد: نحن مستعدون لأي عمل يخدم الوطن فالجيش الثوري لديه خبرات تشمل جميع الوحدات العسكرية، وهم أصحاب فكر أيضاً فقد أستطاعوا أن يقوموا بثورة داخل الأمن المركزي، ثورة بالقوات الجوية، ثورة بالتوجيه المعنوي.. لذا نحن ماضون حتى النهاية، وثورتنا مستمرة بدون يأس حتى تحقق الأهداف التي خرجنا من أجلها.

نشر فكر الثورة
للضباط الأحرار في ساحة التغيير دورهم في إيصال رسالة وفكر الثورة إلى العديد من الألوية والوحدات..
فهذا العريف/ فهد علي ـ من الأمن المركزي ـ يروي قصته: انضممت للثورة في شهر مارس/2011 عندما كنت أرى ضباطاً وجنوداً يحملون على الأعناق الشباب محتفين بهم وكنا نحن في الأمن المركزي ملاحقين في كل مكان ولا يسمع لنا بتفح التلفاز أو مشاهدة قناة الجزيرة أو غيرها من القنوات وكان ذلك محرماً ويعد ممنوعاً علينا كجنود، وكنا في طوارئ متواصلة واستعداد قتالي..حتى صادفت أعضاء من المنضمين للجيش الثوري فاخبرتهم برغبتي في الانضمام إليهم في الساحة لكنهم اقنعوني بالبقاء داخل المعسكر للتنسيق بين الجنود وإقناعهم بالثورة.
يقول فهد: كان ذلك مجازفة ومخاطرة بحياتنا ـ وعملنا بسرية تامة وخوف حتى شكلنا مجموعة لا بأس بها داخل معسكر الأمن المركزي وعملنا احتجاجاً داخل المعسكر ولم ندر إلا وقوات من الحرس الجمهوري والقوات الخاصة تدخل المعسكر وتشتبك معنا وتم أخذ الكثير منا للسجون ومارسوا فينا شتى أنواع العذاب وقطعوا علينا رواتبنا ولم نخرج من السجون إلا بعد حادثة دار الرئاسة الشهيرة، وأعلنا انضمامنا فوراً لساحة التغيير، ومازالت رواتبنا موقفة حتى الآن.
أما محمد أحمد ـ من الأمن العام ـ فيقول: انضمت للثورة بعد جمعة الكرامة بأسبوع ومن وقتها لم أتسلم مرتباتي وقال وصلت حينها للساحة بلباسي العسكري وأعلنت إنضمامي وسط ترحيب الشباب ومن يومها لم أفارق الساحة رغم ظروفي القاسية، إلا أن ذلك لن يثنينا عن مواصلة ما خرجنا من شأنه.

شرطي مرور أفكار
لم يعد المساعد/ عبد السلام شرطي ـ مرور ينظم حركة سير السيارات في شوارع العاصمة صنعاء، لكنه أراد أن يكون شرطي مرور لإيقاف أفكار شيطانية أجبرته للانضمام للثورة في يونيو2011 بعد محرقة تعز.
يقول عبد السلام: عندما شاهدت جبروت المحرقة وكيف استغل أشخاص معينون مواقعهم لارتكاب تلك الجريمة قلت أنه لا بد لي من المشاركة في تغيير هذه الأفكار وإيقافها، فهذا النظام الذي جعلني أنا كشرطي مرور مجرد شحات في الجولات والشوارع ببلدي لابد أن ينتهي، فمعاشي لم يكن يكفيني لأعيش حياة كريمة وكان الوضع صعباً وظروفي قاسية في بلد يحكمها أفراد وأسرة لم تقدم لأبنائها سوى الجوع ورصاص الموت، كل هذا جعلني أقرر أن أشارك أبناءنا الشباب ثورتهم من أجل ضمان مستقبل أفضل، فخرجنا لنعيش بحرية وعدالة ومساواة.
يقول شرطي المرور الثائر: تم قطع راتبي من حينها ولكنني صامد هنا ورزق أولادي ورزقي على الله ـ ولكن عتبي على حكومة الوفاق، عليها أن تصنع شيئاً فإذا كان النظام السابق يعاقبنا بقطع المعاش فلماذا نحن حتى الآن في حكومة التغيير بدون معاش!!.
وبدأ الجندي فؤاد ـ من الحرس الجمهوري ـ حديثه بأن الظلم ووحشية النظام السابق مع الثوار والوضع المتردي الذي يعيشه المواطن دفعه للانضمام إلى ساحة الثورة.
يقول فؤاد: كانوا يمارسون إذلالنا في كل شيء، كنت مذل في واجباتي في حقوقي كجندي كبشر، فعندما حدثت مجزرة جمعة الكرامة وشاهدت تلك الجريمة، بدأت أحدث نفسي بالهروب من المعسكر، وكان الخوف يساورني أولاً من أهلي الذين لا عائل لهم سواي وإخواني كيف سيصبح وضعهم إن هربت وقطعوا راتبي كيف؟ وكيف؟ أسئلة كثيرة دارت في ذهني.
" كنت أهرب من أمام أسرتي وأدخل إلى الحمام وأبكي بصمت حتى لا يسمعني أحد" قال فؤاد.. ولم يكمل فؤاد حديثه فقد انهمرت دموعه بشدة.. فأدركت أن فؤاد هو الآخر راتبه موقوف بسبب انضمامه للثورة.

طوابير وتمام
أما الرائد/ عبدالسلام أحمد القدسي ـ من دائرة التأمين الفني ـ ويعمل مديراً لشعبة الضباط والأفراد بتكتل حركة الضباط الأحرار يقول: لنا قرابة سنة ونصف ونحن مقطوع عنا الرواتب والتغذية وكل شيء، وهذا جزاء انضمامنا لجيش الثورة بساحة التغيير.
وأضاف: نحن هنا بساحة الثورة نمارس حياتنا العسكرية بطوابير يومية وتمام دون يأس ولن يضرنا تقاعس الآخرين وخذلانهم وقطع رواتبنا فنحن ماضون في ثورتنا للنهاية ..فالله معنا.
وهذا موسى، وعلي، وأحمد، ثلاثة وجدتهم في منصة ساحة التغيير بعد أن دلني عليهم الرائد/ عبدالسلام، هؤلاء الجنود الثلاثة من ألوية صواريخ الحرس تناوبوا الحديث معي بالقول:
بعد كل ما حصل لإخواننا الشباب وشاهدناهم وهم يضربون بالعصى والغاز ومن قتل وتنكيل.. كل ذلك أثر فينا، وجعلنا نستشعر واجبنا.. فقد شعرنا كم هو مخز لنا بالذات أننا نقتل إخواننا في الجيش بضربنا على الفرقة الأولى مدرع بضربنا المواطنين بالحصبة.
وأضافوا: "كنا نعرف بأننا جيش يحارب شعبه ولكن أوضاعنا المادية صعبة وليس بوسعنا أن نصمد أمام الظروف وقسوة الحياة، حتى أتى سمعنا بأن الفرقة تستقبل كل فرد يريد يحمي الثورة وشاهدنا العديد من زملائنا وآخرين في فرق أخرى منضمين في معسكر الفرقة تركنا أسلحتنا وتعاهدنا أن نلتقي بالفرقة، فنحن الثلاثة كنا في مجمع واحد ولا نلتقي خاصة أثناء الثورة مع بعض إلا خفية أو خارج في الحديقة المهم كانت مجازفة والآن ومنذ انضمانا قبل عشرة أشهر لم نرجع المعسكر أو نستلم مرتباتنا وعندما نلتقي بزملائنا يعيرونا على تصرفاتنا تلك ويقولولنا شباب طائشين ما فيش وراكم مسؤولية وآباؤكم يصرفون عليكم". هذا ما قاله جنود الصواريخ الثلاثة إلا أنهم سعيدون بما فعلوه.

انتماء البطاقة
في خيمة تكتل أحرار القوات المسلحة والأمن يرابط العقيد/ جمال عبد الرحمن شرهان ـ مساعد مدير عام الرقابة والتفتيش بوزارة الداخلية ـ وقد بدا وضعه أحسن من آخرين كثر وجدناهم.
يقول شرهان: في ظل الثورة أوقفت مرتبات ومستحقات المنضمين ممن خرجوا، رافضين الوضع الردي والمتردي للبلد وقسوة النظام السابق وجرائمه ضد الثوار.
يضيف شرهان مستنكراً: لاحظ كل بلدان العالم ما فيش فيها جندي عايش بالإيجار إلا في وطننا، فلا شيء هنا يجعلك تشعر بالانتماء للوطن غير البطاقة الشخصية.
ودعا شرهان التيارات والتكتلات العسكرية للتوحد للخروج برؤى واضحة تعمل على حل مشاكلهم جميعاً والمشاركة في الحوار.

أقساط السبعين
الجندي/ علاء ـ من الحرس الخاص ـ معاناته تختلف عن كل الذي سبقوه وقصته تستحق أن تروى.
يقول علاء: في كل جمعة كان يطلب منا من القيادة أن نتواصل مع أفراد أسرنا وأن نجمعهم إلى ميدان السبعين والمشاركة في جمع علي صالح، وعندما لا يأتي أهالينا جمعة يقومون بفرض أقساط علينا.. وذات مرة رفعت صوتي محتجاً على الجزاء والأقساط فتم إيداعي السجن وتم قطع راتبي نهائياً.
يضيف: وبعد أن تدخل أحد الوجهاء عندما علم من زملائي ما حدث وتواصل بالقائد وقال له علاء مسكين وأبوه شائب وما معه إلا علاء الذي يصرف عليه فأخوانه كلهم متزوجون وكل واحد بعد حاله وجهالة.. بعدها أخرجني القائد من السجن وقال لي:" لوما الشيخ فلان وأبوك الشائب ما خرجت من هنا إلا لما تموت".
يقول فؤاد: عندما خرجت جعلني القائد أوقع على تعهد لم أقرأ ما فيه، وعند آخر الشهر استلم راتبي لشهر 9/2011 فوجئت بالكاتب يقول لي معاشك موقف من الفندم وعندما رحت لعند القائد أعطاني عشرة آلاف ريال قال لي هذه رسلها لأبوك مصاريف قالوا إنه مريض بالمستشفى ـ ومن ذلك الوقت نسيت معاشي، فترجيته للذهاب لزيارة والدي فسمح لي وهناك كنت أرى والدي يعاني ولا أستطيع أن أقدم له شيئاً وأتصل بالقائد أعطيني إذن كمان يوم والدي مريض وأنا جالس بجواره ويرد علينا القايد يموت ما دخلني..وفي إحدى الأيام بعد أن خرج والدي بعد العملية من المستشفى دون فائدة.. قال لنا "روحوني البيت أموت."
وبعدها أتصلت بالضابط أريد منه باقي راتبي فقال لي: " ايش نيست أنك وقعت بالراتب جزاء رفع صوتك وحق ماخرجناك من السجن".
عندها عرفت بأني سأضل ذليلاً لشخص بيده مستحقاتي، فتركت المعسكر ولم أرجع إليه، ومات والدي وقررت الانضمام للساحة والجيش والثوري، ومنذ ذلك الحين وأنا بلا راتب.
"طالبنا وزارة الدفاع، لكن لا فائدة قالوا لنا إرجعوا وحداتكم وبعدها نشوف كيف نسوي أوضاعكم". قال علاء بحزن.
عمل
ولم يجد جلال ـ وهو أحد جنود شرطة النجدة المنضمين للثورة وتم إيقاف راتبه أيضاً ـ ليس أمامه شيء ليسد به رمق أولاده سوى أن يعمل بجمع العلب الفارغة للمياه وبيعها.
يقول جلال: سنظل في ثورتنا السلمية حتى تتحقق أهدافنا.. ونحن هنا صابرون.

خاتمة
نطرح قضية هؤلاء بقوة على طاولة المعنيين.. آملين أن تجد طريقها للحل خلال الأيام القادمة.. أم أنهم سيظلون يتظاهرون بكل سلمية ويطالبون بكل رقي بحقوقهم لدى جهات معنية لا تحرك ساكناً وكأنهم في عالم آخر.