الرئيسية   تحقيقات

غارات "الدرونز" في اليمن..

سقوط ضحايا أبرياء.. يوسِّع دائرة الالتحاق بـ"القاعدة"

الثلاثاء 14 أكتوبر-تشرين الأول 2014 الساعة 08 مساءً / تحقيق استقصائي/ علي الشعباني– محمد الأحمدي
ساعة واحدة فقط كانت تفصل عبد الله مبخوت العامري (65 سنةً)، عن لقاء عروسته الثانية، غير أن طائرةً أميركية من دون طيار كانت تترصَّد فرحته وتستعد لوأدها. فقبل أن يصل موكب العروس المكوَّن من "١٤" سيارة تحفُّه الزغاريد إلى منزل العريس عصر الخميس ١٢ ديسمبر/ كانون الأول ٢٠١٣، هاجمته صواريخ طائرة أميركية بدون طيار، ليتحول العُرس إلى مأتم.

ومن بين نحو ٧٠ شخصاً من قبائل آل التيسي والعامري، المتحدِّرين من منطقة يكلأ بمحافظة البيضاء (268 كم جنوبي شرق صنعاء)، كانوا على متن السيارات التي تُقل "العروسة" قُتل ١٢ شخصاً بينهم نجل العريس صالح (25 سنة) وأصيب ١٣ آخرين بمن فيهم العريس الذي أصيب في يده، وأُصيبت عروسته في خدها.

يقول راجح علي مسعد (15 سنة) ــ أحد الناجين الذين كانوا يستقلون سيارة تويوتا موديل ٢٠١٢ ــ يقول: "سمعنا صوت الطائرة ورأينا وميضاً مُصوَّبا نحو السيارة التي نستقلها، فغادرناها أنا والسائق سالم علي عبد الله العامري وشخص ثالث. وما إن ابتعدنا عدة أمتار حتى دوَّى انفجار الصاروخ في مقدمة السيارة وتطايرت شظاياه في المحيط، وتلاه ثلاثة انفجارات أخرى".

فهد سالم علي التيسي (35 سنة)، كان يقود سيارته "لاند كروزر" عندما اخترقت شظايا الصواريخ زجاجها الخلفي، يستذكر المأساة: "قُتل أربعة أشخاص ممَّن كانوا على متن سيارتي وأصيب ثلاثة آخرون ونجوت أنا".

وبحسب الزعيم القبلي في المنطقة عبد الله بن محمد التيسي (55 سنة)، والذي أُصيب بجروح، وقُتل ابنه علي (35 سنة): "قُتل بعض الأشخاص أو أصيبوا داخل السيارات، بينما قُتل آخرون وأصيبوا بعد ترجلهم منها، ونجا آخرون بمحض الصدفة".


التعاطف مع القاعدة

على شاكلة هذه الغارة، يوثِّق هذا التحقيق مقتل العشرات من المدنيين في قصف الدرونز الأمريكي المتواصل منذ العام 2002 بموجب اتفاق ثنائي لمكافحة الإرهاب.

السلطات اليمنية والأميركية لم تكترثا لذلك في بادئ الأمر، حتى ولو بالاعتذار، ما وسَّع دائرة التعاطف مع "القاعدة" بل الانخراط في صفوفها، وفق مشاهدات مُعدِّي التحقيق، رجال تشريع، وخبراء في الحركات الجهادية.

ويرى مقرر لجنة الدفاع والأمن في البرلمان اليمني أحمد شائع، أن الغارات "تثير حفيظة اليمنيين ضد الدولة لانتهاكها السيادة الوطنية، ورفض تعويضهم والاعتذار لهم". كما تدفع غالبيتهم إلى أحضان القاعدة سعياً وراء "ثأر الدم" انتقاماً, خصوصاً لمقتل نساءٍ وأطفال في مجتمع قَبَلي.

هؤلاء الشباب الحانقون يُقدَّر عددهم اليوم بالعشرات في صفوف خلايا تنظيم القاعدة المحظور في اليمن، ويتزايد عددهم، في تناقض صارخ مع هدف هجمات الطائرات المحلِّقة في سماء اليمن. فغالبية الغارات تحدث أضرارا جانبية في منشآت مدنية أو تقتل مدنيين حصراً – من بينهم نساءٌ وأطفالٌ- لا رابط بينهم وبين "القاعدة".

عضو لجنة الحقوق والحريات في البرلمان شوقي القاضي يؤكد أن "الأبرياء المصابين يتحولون مع أقربائهم لاحقاً إلى جماعات عنف، تستهدف مصالح أميركا واليمن".

ويدعم رأيه الباحث المتخصص في شؤون الجماعات الإرهابية سعيد عبيد الجمحي قائلاً: "مع كل غارة أميركية يزداد حظ "القاعدة" في كسب التعاطف الشعبي والتأييد المعادي للحكومتين اليمنية والأميركية، لأنها عندما تقتل مدنياً واحداً مع 10 إرهابيين، تكون سبباً لالتحاق أشخاص من أسر الضحايا المدنيين بالتنظيم، بخاصة إذا لم يتم الاعتذار لهم وتعويضهم".

ويوضِّح الجمحي"أن التركيبة المجتمعية القبلية والدينية في اليمن تدفع بأسر الضحايا للتحالف مع من يمد يده لهم، ليثأروا من القاتل ممثلاً -في نظرهم- بالحكومتين اليمنية والأميركية". 

وكان اغتيال نائب محافظ مأرب جابر الشبواني بالخطأ في 24 مايو/ أيار 2010، بطائرة أميركية بدون طيار أثار غضب أبناء قبيلة آل شبوان، ودفعت أفراداً فيها إلى الالتحاق بـ"القاعدة". أحدهم يُدعَى مبخوت علي جابر الشبواني، الذي أعلن مصدر عسكري يمني مقتله في مواجهات مع الجيش بمحافظة أبين في يونيو 2011، وإصابة شقيقه فهد.


اعتراف أميركي وتبرير حقوقي

رغم تأكيد الناجين وأهالي الضحايا عدم وجود أي مسلح لـ"القاعدة" ضمن موكب العرس، فإن مسؤولين أميركيين ويمنيين، قالوا لوكالة "أسوشيتدبرس"آنذاك: إن الغارة استهدفت شوقي علي البعداني، المُتَّهم بمخطط دفع واشنطن لإغلاق سفاراتها في 19 دولة صيف 2013. وأكدوا أن البعداني أُصيب ونجا من الهجوم، في حين اعترفوا بمقتل 12 آخرين كانوا في موكب زفاف.

وخلال زيارة كاتبي التحقيق للمنطقة يومي 18 و19 ديسمبر 2013، شاهدنا حطام السيارة في موقع الهجوم، وبقايا صاروخ مكتوب عليه (WARINIG: 2-MAN LIFT). ويقول السكان: إن حالةً من الهلع والرعب عمَّت المنطقة، بسبب استمرار الطائرة في التحليق على علو منخفض لمدة ساعتين، ما حال دون إسعاف الجرحى الذين توفي بعضهم بسبب النزيف.

منظمة (هيومن رايتس ووتش) طالبت أميركا بالتحقيق في تلك الغارة، ونشر ما تتوصل إليه، وتعويض عائلات الضحايا في حال ثبوت الخطأ. وأكدت في تقرير نشرته في 20 فبراير/ شباط 2014 وجود "بواعث قلق جدِّية حول التزام القوات الأميركية بسياسة الرئيس أوباما المتعلقة بعمليات القتل المستهدف".


الآثار الاجتماعية والنفسية

منظمة (ريبريف) البريطانية المعنية بمساعدة السجناء الأسرى وأُسر ضحايا الحروب أوفدت خبير الصحة النفسية د. بيتر سكوفييلد، إلى اليمن في مارس 2013، للالتقاء بعائلات وأطفال ضحايا الدرونز، وإعداد بحث ميداني حول تأثيرها عليهم.

يقول الدكتور سكوفييلد لمُعدِّي التحقيق (في 7 يوليو 2013): "نتائج البحث أثبتت أن 71 % من أقرباء ضحايا طائرات الـ"درونز" يعانون من حالة اضطراب ما بعد الصدمة، فيما ظهر على 99 % منهم أعراض حادة وشديدة من المرض النفسي الناتج مباشرة عن الضربات الجوية لـ"لدرونز" والطائرات الأخرى".

ويؤكد: "نتيجة البحث الأكثر إثارةً للقلق تتمثل في الأثر الكارثي المتواصل على الأطفال"، وأضاف: "هذا التمزيق الوحشي للمجتمعات برمَّتها أمرٌ لا يجوز تقبُّله أو التساهل معه من قبل المجتمع الدولي".

غارات وضحايا

ويصعب الحصول على إحصائيات دقيقة للهجمات الأميركية وضحاياها، كون اليمن وأميركا تعدَّان ذلك من الأسرار الاستخباراتية, إلا أن الهيئة الوطنية للدفاع عن الحقوق والحريان "هود" رصدت في تقريرها للعام 2012 (81 غارة جوية)، دون الإشارة إلى الضحايا، بينما وثَّق مكتب الصحافة الاستقصائية في لندن بين 134 إلى 241 غارة أميركية في اليمن بين 2002 وحتى أغسطس 2013، أسفرت عن سقوط 1150 قتيلاً.

عضو الكونغرس الأميركي دينيس كوسينيتش قال أمام الكونغرس في 16 نوفمبر 2012،:إن قتلى الغارات الأمريكية في اليمن منذ 2002 وصل إلى 1952 شخصاً. وأكد رئيس جهاز الأمن القومي علي الأحمدي، في مؤتمر صحفي مطلع يناير 2013، إن "100 مسلح من عناصر"القاعدة" قُتلوا في الغارات خلال العام 2012".

مُعِدَّا التحقيق زارا مناطق عديدة كانت مسرحاً للهجمات الأمريكية، وبعد مقارنة ما جمعاه من معلومات بتقارير لمصادر حكومية وإعلامية، تأكَّدا من وقوع 101 غارة بين 2011 م, و أغسطس 2014، أسفرت عن سقوط قُرابة 609 قتلى وعشرات الجرحى، بينهم مدنيون.


فقدان عائلات بكاملها:

أبشع الغارات الأميركية وأكثرها دمويةً في اليمن نُفذت في 17 ديسمبر2009، مستهدفةً قرية "المعجلة" بمحافظة أبين (427 كيلومترا جنوبي صنعاء)، وخلفت 55 قتيلاً، بينهم 21 طفلاً، 14 امرأة، منهن سبع حوامل، وفقاً لتقرير اللجنة البرلمانية التي كُلفت بالتحقيق في الهجوم، بالإضافة إلى 14 شخصاً لم تتمكن اللجنة من تأكيد السلطات اليمنية انتماءهم لـ"القاعدة".

وتفيد منظمة العفو الدولية "أمنيستى إنترناشونال" في بيان نشرته على موقعها بتأريخ 7 يونيو 2010، بأن تلك الغارة نُفذت "بصاروخ (كروز توماهوكBGM-109D) يحمل قنابل عنقودية ما تزال بقاياها موجودة في محيط القرية، ولم تَقُم الحكومة بأي جهود لتطهير المنطقة منها".

ويؤكد السكان سقوط ضحايا آخرين لتلك القنابل من النساء والأطفال، آخرهم سالم عاطف علي (55 عاماً) الذي قُتل في 24 يناير 2012، حسب تأكيد زوجته نور سالم سعيد لظهف (30 عاماً)، التي أصيبت هي أيضا مع أطفالها: وردة (13 عاماً)، خالد (10 أعوام) وعلي (9 أعوام).

ولم ينجُ من ضربة (المعجلة) سوى الطفلتين سمية (عامان)، كانت إصابتها طفيفة، وقريبتها ندى (ثلاثة أعوام). وهما ابنة وحفيدة مقبل سالم لوقية العنبوري (65 عاماً)، الذي خرج باحثاً عن بعيره الضائع عصر يوم 16 ديسمبر، وعندما عاد اليوم التالي وجد أفراد أسرته المؤلفة من 31 فرداً (زوجتيه وأبنائه وأحفاده) قد قُتلوا جميعاً.

يقول مقبل بحسرة: "سمعت الانفجار وشاهدت الدخان يعلو الجبل قُرب قريتنا، وعندما وصلت بعد ساعتين لم أجد أثراً لمنازلنا، وقُمت مع الناس بجمع أشلاء أولادي وأحفادي المتناثرة".

تقيم الطفلتان حالياً لدى قريبٍ لهما، في منزل من الطين والخشب، يبعد بضعة كيلو مترات عن موقع الهجوم. وأثناء زيارة كاتبي التحقيق لهما، مطلع فبراير 2013، كان الخوف يسيطر عليهما رغم مرور ثلاث سنوات على الفاجعة. وبصعوبة بالغة وبتشجيع أقاربهما قالتا: "أمريكا قتلت أسرتنا".

يقول الصحافي المتخصص في شؤون القاعدة والجماعات المسلحة أحمد الزرقة: "لم تقضِ هجمات المعجلة على عناصر "القاعدة"، بل على العكس أدى سقوط ضحايا أبرياء غالبيتهم من النساء والاطفال للتشكيك الشعبي حول قدرة الجانب الامريكي على تحديد أهدافه المطلوبة، وصنعت قدرا كبيرا من السخط ورغبة عارمة لدى العديد من أبناء المنطقة وأقارب الضحايا للثأر والانتقام من مرتكبي تلك العملية الوحشية ، وانخرط عدد متزايد منهم في صفوف مئات المقاتلين من مختلف أنحاء البلاد، وتحولوا إلى جزء من البيئة الحاضنة للمقاتلين الذي قاموا بإنشاء معسكرات تدريب في المنطقة، اضطرت على إثرها السلطات اليمنية إلى إرسال حملتين عسكريتين إلى المنطقة (المحفد)؛ الأولى في أكتوبر 2012 والثانية في أبريل 2014، قالت السلطات الحكومية إنها نجحت على إثرها في تدمير تلك المعسكرات".

تكرار الخطأ

في 3 سبتمبر 2012، قصفت طائرة أميركية بدون طيار شاحنة مدنية تُقِل 16 راكباً وهي في طريقها إلى قرية "الصبول" القريبة من مدينة رداع بمحافظة البيضاء أيضاً، ما أدى إلى مقتل 11 شخصاً بينهم نساء وأطفال، وجَرْح ثلاثة آخرين.

سائق الشاحنة الناجي، ناصر مبخوت الصبولي (46 عاما) يشتكي من أن "الحكومة لم تقم بواجبها تجاه الضحايا". وما تزال الحروق واضحة على وجهه وأجزاء من جسمه.

وأوضح الصبولي في اتصالٍ هاتفي مع مُعدِّي التحقيق بعد عودته من رحلة علاج في القاهرة: "بعد مناشدات حقوقية رضخت السلطات لإرسالي والجريحين الآخرين إلى مصر للعلاج. ومنحت وزارة الدفاع لكلٍ منَّا خمسة آلاف دولار، وهناك مات محمد جار الله الصبولي، وعُدت أنا وسلطان سرحان (22 عاما)، قبل إتمام العلاج بسبب نفاد المبلغ".

لا عائل ولا رعاية

في منطقة جحانة (40 كيلومتراً شرق صنعاء)، أوقف سليم حسين جميل (30 عاماً) سيارته (تويوتا بيك أب) يوم 23 يناير 2013، لِيُقلّ على متنها ستة أشخاص مجهولين، دون أن يدرك أن صنيعه هذا سيجعله وسيارته ومُرافقه المدرس علي صالح القاولي (33 عاما)، هدفاً لصاروخ أميركي يقتلهم جميعاً.

وبحسب التقرير الأمني عن الحادثة، كان أربعة مشتبهٌ بانتمائهم لـ"القاعدة"، أحدهم يدعى ربيع حمود لاهب عضو المجلس المحلي بمديرية (سنحان) شرق صنعاء. تقول أسرته إن السلطات اليمنية لم تحاول القبض عليه.

كاتبا التحقيق زارا منزل أسرة سليم الصغير بقرية (قاول)، والذي يحكي مأساة كبيرة، بعد مقتل سليم الذي يعول أسرة كبيرة، أصبحت اليوم بلا راعٍ، خصوصاً وأن والد سليم طريح الفراش بسبب كسر في أحد أضلاعه.

تقول أم سليم (50 عاماً): إن "جدّة أبنائها مصابة بشلل نصفي، وتحتاج إلى أدوية دائمة، وجدّهم مصاب بالزهايمر ومُقعد منذ 15 عاماً". وتشير إلى أن لسليم "ستة أشقاء (ثلاث إناث وثلاثة ذكور)، أكبرهم سناً بعده محمد (14عاماً)، وقد ترك الدراسة لكي يتفرغ لإعالة أسرته". وتابعت وهي تجهش بالبكاء: "ليس معنا أحد الآن".

من جانبه يتساءل شقيق المدرس القاولي واسمه محمد (35 عاما): "هل وجود أشخاص مرتبطين بـ"القاعدة" على متن السيارة، يبرر الهجوم وقتل الأبرياء"؟.

قصف عشوائي

استهدفت طائرة أميركية بدون طيار يوم 19 أبريل 2014، سيارتين في منطقة الصومعة بمحافظة البيضاء، أسفرت عن مقتل وإصابة 15 شخصاً، قالت السلطات اليمنية إنهم من عناصر "القاعدة"، لكنها سرعان ما اعترفت لاحقاً بأن من بين الضحايا مدنيين، وعددهم 10 أشخاص، هم عمّال بناء كانوا في طريقهم إلى أعمالهم.

مدينة عزان بمحافظة شبوة (550 كيلومترا جنوب شرقي صنعاء)، كانت هي الأخرى مسرحاً لغارات أميركية، أسفرت عن سقوط ضحايا أبرياء، إذ قتل في 30 مارس 2012، ثلاثة أشخاص، اثنان منهم مشتبه بعلاقتهما بـ"القاعدة"، والثالث مواطن يُدعى صالح السنة (60 عاماً)، وجرح معه ستة أطفال. يقول شقيق صالح واسمه عبد الله (44 سنة): "قصفت طائرة أميركية سيارة قريبة من شقيقي الذي كان خارجاً من المسجد، فأصيب بشظية في العمود الفقري وتوفي بعدها في المستشفى".

كما استهدفت طائرة أخرى يوم 29 أغسطس 2012، سيارة في مديرية القطن بمحافظة حضرموت (790 كيلومترا شرق صنعاء)، ما أدى إلى مقتل خمسة أشخاص، بينهم مدنيان هما: سالم أحمد بن سالم جابر (50 عاماً) وهو أب لسبعة أطفال، ووليد بن عبد الله جابر (26 عاماً)؛ أب لطفل واحد، ويعمل شرطي مرور.

يقول قريب الضحايا الدكتور عبد الله جابر (40 عاماً): "كان بالإمكان القبض على أولئك الأشخاص ومحاكمتهم، بدون ترويع الناس"؟ ويضيف متحدثاً عن الآثار التي سببتها الغارة: "أسعفنا العديد من الأطفال إلى المستشفيات بسبب حالة الذعر والانهيار العصبي والنفسي الذي لحق بهم".

هذه الحادثة أثارت استياء أبناء محافظة حضرموت التي شهدت 17 غارة للدرونز حتى أبريل 2014 بحسب تقرير صدر في ذات الشهر لمؤسسة "حق" لحقوق الإنسان، ومقرها المكلا، واعتبر الصحافي المتخصص في شؤون القاعدة عبدالرزاق الجمل ذلك سبباً في تشكل بيئة شعبية حاضنة لعناصر "القاعدة"، اضطرت معه السلطات الحكومية لإرسال حملات عسكرية متوالية للعديد من مناطق حضرموت، للحيلولة دون سيطرة التنظيم عليها والحد من خطورته.

الرأي الحقوقي

مسؤول الشكاوى بمنظمة "هود" المحامي عبد الرحمن برمان، يعتبر هجمات الطائرات الأميركية "جريمة إبادة جماعية تندرج ضمن جرائم الحرب وتتحمل مسؤوليتها الكاملة الحكومتان اليمنية والأمريكية".

ويؤكد برمان حق أسر الضحايا في "اللجوء للقضاء المحلي أو الدولي، كون تلك العمليات تستهدف مواطنين، لا توجد ضدهم دعاوى قضائية، ولم يتخذبحقهم أي إجراء قانوني".

ويؤكد أن "قوانين اليمن لا تجيز قتل أي مواطن خارج إطار القضاء، وسماح الحكومة للطائرات الأميركية بالدخول للأراضي اليمنية، مخالف للدستور الذي يلزمها في المادة (48) بأن "تكفل للمواطنين حريتهم الشخصية وتحافظ على كرامتهم وأمنهم".

ويرى المحامي المتخصص في القانون الدولي رشيد مصلي من مؤسسة الكرامة الحقوقية (مقرها جنيف)، أن التبرير الأميركي الرسمي للبرنامج السري لعمليات القتل المستهدف، يخلط بين الاستناد إلى قانون الحرب، والقيام بعمليات إنفاذ القانون.

ويقول مصلي: من "الضروري التمييز بين الوضعيتين. ففي الحالة الأولى يجب أن يُطبّق قانون النزاعات المسلحة، وفي الحالة الثانية تطبق قواعد إنفاذ القانون، وبالضرورة في إطار القانون الدولي لحقوق الإنسان".

ويَخلُص إلى القول: "إن القوات الأميركية تستخدم طائرات درونز أو عسكرية أو انطلاقا من بوارج حربية للقيام بعمليات "قتل مستهدفة"، توصف بأنها قتل خارج نطاق القضاء".

اليمن شريك متهم

الحكومة اليمنية ترفض التعليق على سقوط ضحايا مدنيين وتبعات ذلك من انخراط ناجين في صفوف القاعدة. ويقول وزير الخارجية الدكتور أبوبكر القربي: إن "جهاز الأمن القومي هو المسؤول عن هذا الملف، بما في ذلك تعويض أسر الضحايا".

 ويوضح القربي أن "الغارات تتم بموافقة السلطات اليمنية كونها شريكاً مهماً في الحرب ضد الإرهاب". غير أن مسؤولي جهاز الأمن القومي اليمني، رفضوا الإدلاء بأي تصريحات حول الموضوع.

وكان توقيع اليمن عام 2002 على اتفاقية الشراكة في الحرب على الإرهاب، سمح للمخابرات الأميركية، تنفيذ أولى غارات الدرونز يوم 3 نوفمبر 2002، بعد عامين على استهداف الفرقاطة كول في خليج عدن. تلك الغارة أودت بحياة زعيم "القاعدة" السابق أبو علي الحارثي وخمسة من مرافقيه في محافظة مأرب.

وبحسب مصدر عسكري يمني، طلب عدم كشف اسمه: "توجد غرفتا مراقبة وإشراف (يمنية أميركية) في صنعاء، تتلقيان المعلومات التي تجمعها طائرات التجسس الأميركية، وتنقل بشكل مباشر الضربات التي يتم تنفيذها". ويؤكد المصدر أن "الغرفة الأولى في مبنى السفارة الأميركية، والأخرى في منزل سري شديد التحصين في العاصمة صنعاء"، رافضاً الكشف عن موقعه باعتباره سراً عسكرياً.

ويضيف المصدر: "الفريق اليمني المشرف على الغارات يتألف من رؤساء وحدات مكافحة الإرهاب في الأجهزة الأمنية والعسكرية، ومسئولين من جهازي الأمن القومي والسياسي، ورئاسة أركان الجيش، ووزارتي الدفاع والداخلية، وبإشراف الرئيس اليمني. وهم يعملون "مع فريق خبراء CIA)) الذي يتلقى توجيهاته من الرئيس الأميركي مباشرة".

الأخطاء الكارثية التي ترتكبها "الدرونز"، دفعت البرلمان اليمني في 15 ديسمبر 2013، لإقرار حظر تحليقها في أجواء اليمن، ومطالبة الجيش والأمن بتحمل مسؤولياتهما في ملاحقة الإرهابيين والقبض عليهم، وتعويض الضحايا. غير أن الأشهر الثمانية المنصرمة من العام 2014 شهدت العديد من الغارات الأميركية، ليبقى قرار البرلمان حبرا على ورق.


*أنجز هذا التحقيق بدعم من شبكة أريج.. إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية www.arij.net .