الرئيسية   تحقيقات

حربان تغزوان العاصمة وتهددان السكان..

المدافع والمليشيات والمياه الملوثة

الجمعة 31 أكتوبر-تشرين الأول 2014 الساعة 04 مساءً / تحقيق / غمدان الدقيمي
"أحياناً أشعر أني سأفقد طفلي خصوصاً عندما يرفض تناول السوائل"، بهذه الكلمات تصف سمر علي "31 عاماً"، المقيمة وسط العاصمة صنعاء، معاناتها مع تكرار مرض طفلها ذي الثلاث سنوات.

أيهم "يصاب بالإسهال مرة في الشهر تقريباً، ويستمر من يومين إلى أربعة أيام"، حسبما تضيف أمه، لافتة إلى أن "الطبيب يؤكد أن مياه الشرب سبب رئيسي في مرضه".

لا تقتصر معاناة سكان العاصمة اليمنية على شح المياه، بل إن مئات الآلاف منهم - لا سيما أطفال دون الخامسة - يشربون مياهاً ملوثة تهدد الصحة العامة، تروج لها منشآت خاصة على أنها "معالجة وصالحة للشرب"، وذلك في ظل ضعف الرقابة وقصور التفتيش الحكومي.

نتائج فحوص أجراها معد التحقيق على عينات سحبت من عشر منشآت من بين 180 منشأة تخدم مئات الآلاف من سكان أمانة العاصمة صنعاء، حيث يسكن قرابة ثلاثة ملايين نسمة، تظهر وجود تلوث جرثومي في 80% من العينات. كما تثبت الفحوص - التي أجريت في المركز الوطني لمختبرات الصحة العامة- وجود تلوث برازي (غائطي) بشري (بكتيريا برازية) في 60% من عينات المياه المُنتجة في المنشآت العشر المشمولة بالتحليل "الميكروبيولوجي"، وهي أخطر أنواع الملوثات؛ بحسب الأطباء الذين تحدثوا لـ"العربي الجديد".

يستغل أصحاب المنشآت ضعف رقابة إدارة صحة البيئة وغياب دور الهيئة العامة للموارد المائية وليونة العقوبات في قانون الرقابة على الأغذية رقم (38) لسنة 1992م وتعديلاته بالقانون رقم (13) لسنة 2002، والقــرار الحكومي رقم (24) لسنة 1994م.

لا يقتصر تلوث مياه الشرب المعروفة بـ"الكوثر" (مصطلح يطلقه الأهالي على مياه الشرب المعالجة) ومثيلاتها في صنعاء على عدم التقيد بالشروط الصحية التي يحددها القانون، لكن مصدر المياه الأساسي ملوث أيضاً، وثمة أكثر من 15 ألف بئر عشوائية غير خاضعة للرقابة في حوض صنعاء، تشكل المصدر الأساسي لمياه الكوثر وغيرها.

الرقابة على الأغذية

ينص قانون الرقابة على الأغذية على "معاقبة كل من باع غذاء يوجد عليه أو يحتوي بداخله أية مادة سامة أو ضارة أو غذاء يتكون كليّاً أو جزئيّاً من أية مادة تالفة أو غريبة أو غير ذلك، مما يجعلها غير صالحة للاستهلاك الآدمي أو غذاء مغشوش بالسجن مدة لا تزيد على شهرين أو بغرامة لا تقل عن عشرة آلاف ريال (46,51 دولاراً أمريكياً)".

هذا التلوث يعد مصدراً رئيسيّاً للأمراض المعوية وعلى رأسها الإسهال، وفق أطباء اختصاص وأكاديميين.

وتفتقر الجهات الحكومية - التي تدرج الإسهال على أنه ثاني الأمراض فتكاً بالأطفال دون سن الخامسة- إلى إحصاءات دقيقة حول عدد الوفيات والمصابين بالإسهال في أوساط هذه الفئة التي تزيد عن 4 ملايين من إجمالي سكان اليمن (نحو 24 مليون نسمة). من جانبها تشير منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) على موقعها الإلكتروني منتصف عام 2013، إلى أن حوالي 70 ألف طفل يمني يموتون سنويّاً قبل سن الخامسة بسبب الإسهال والالتهاب الرئوي والملاريا.

ويلجأ مئات الآلاف من سكان صنعاء إلى موزعي مياه الشرب هذه هرباً من صدأ شبكة التزويد العامة وتلوث مياهها التي لا تغطي نصف حاجة السكان (نحو 40–45%). كما أن الشبكة لا تعمل بانتظام، وفقاً للمهندس صالح عبدالودود، المدير الفني للمؤسسة المحلية للمياه والصرف الصحي بأمانة العاصمة.

وكيل قطاع الرعاية الصحية الأولية في وزارة الصحة العامة والسكان د. ماجد الجنيد يقر أن المياه التي يشربها اليمنيون "خارج صنعاء" أشد تلوثاً من مياه العاصمة المعالجة. وقال الجنيد ردّاً على استفسارات "العربي الجديد": "أنتم أجريتم تحاليل مخبرية لعينات في العاصمة التي نعتبرها أفضل بكثير من حال المياه الملوثة، وغير المعالجة التي يشربها معظم اليمنيين في الأرياف وباقي المدن".

لكن الجنيد يعود لينفي مسؤولية وزارة الصحة. ويقول: "الوزارة ليست مسؤولة عن توفير مياه شرب أو الرقابة على المياه الملوثة"، مطالباً بـ"تكاتف جهود مختلف الجهات الحكومية عبر التوعية للحصول على مياه شرب نظيفة". ويؤكد أن وزارة الصحة "تقوم بدور كبير في معالجة إشكالية الإسهالات وأهم أنشطتها إدخال لقاح الروتا، وهو لقاح مهم وضروري حتى في ظل وجود مياه شرب غير ملوثة".

توثيق ميداني

في ثلاث جولات متباعدة على عشر منشآت، يرصد معد التحقيق عمليات نقل مياه من الآبار إلى منشآت مياه الكوثر في خزانات ناقلات لا تخضع للرقابة، ومن ثم إلى منشآت تعالج المياه جزئيّاً وتعيد تعبئتها في عبوات غير نظيفة، يتكرر استخدامها، إضافة الى قصور واضح في نظافة العمال الشخصية.

ولا يرتدي العمال (منهم أطفال) ملابس واقية كغطاء الرأس، كمامات وقفازات معقمة، في مخالفة للقرار الحكومي رقم 111 لسنة 2001 م بشأن لائحة الاشتراطات الصحية لمتاجر تجهيز وبيع المواد الغذائية وما في حكمها، وتعليمات الجهة الرقابية الحكومية.

تكرّرت هذه المخالفة في المنشآت العشر، إلى جانب ضيق المساحة، وعدم وجود عوازل تفصل بين المراحل الإنتاجية (باستثناء منشأة واحدة). مخاطر التلوث تتصاعد نتيجة نوم بعض العمال في أماكن العمل.

منشأتان فقط كانت واجهاتها زجاجية؛ فيما أبواب البقية ومبانيها تسمح بدخول وانتشار الحشرات المضرة وملوثات البيئة كعوادم السيارات والدخان والأتربة، في مخالفة للائحة الشروط الصحية الصادرة عن إدارة صحة البيئة في مكتب الأشغال العامة، والمواصفات القياسية التي وضعتها الهيئة اليمنية للمواصفات والمقاييس وضبط الجودة.

يقول رئيس (الجمعية اليمنية لحماية المستهلك)، فضل مقبل، إن "ما يزيد عن 80% من هذه المنشآت تنتج مياه غير صالحة للاستهلاك الآدمي، تحتوي على كل أنواع الجراثيم الضارة، فيما تقتصر المعالجة على تنقية المياه من الشوائب، وليس قتل الميكروبات والبكتيريا".

النظافة ليست أولوية

عامل سابق في إحدى المنشآت يدعى، محمد منصور، يقول: "لم تكن النظافة أولوية في المنشأة" التي عمل فيها لمدة عام ونصف تقريباً. ويضيف: "يُستخدم الماء فقط لغسل العبوات المرتجعة ولا يتم تعقيم" عبوات بلاستيك بيضاء بسعة 4 - 5 -10 لترات، يتم تعبئتها بالمياه المعالجة، ويوضع عليها لاصق يوضح اسم المنشأة. ويتم نقلها (العبوات) في شاحنات مكشوفة إلى البقالات، لتباع للمستهلكين.

من بين المخالفات التي رصدها معد التحقيق عدم عزل المراحيض عن أماكن تداول وإنتاج المياه، إذ تفتح عليها بشكل مباشر. ولا توجد مغاسل للأيدي، وإن وجدت لدى البعض فغير مزودة بالماء الساخن ومواد تنظيف وتجفيف؛ حتى أن عمالاً يعودون إلى العمل مباشرة في قسم الإنتاج أو التعبئة بعد قضاء حاجتهم، ويكتفون بغسل أيديهم بالماء.

في إحدى المنشآت كان الأنبوب المستخدم لتعبئة العبوات مرميّاً على الأرض، ولا يبعد أقل من متر ونصف متر عن الحمام (المرحاض)، غير المزود بباب؛ فضلاً عن عدم توافر التجهيزات الصحية اللازمة، المنصوص عليها في قرار الحكومة رقم 111 لسنة 2001م، كما هو حال المنشأة بشكل عام التي تفتقر للنظافة العامة، إذ تتراكم الأتربة على الأرضيات والجدران (المبلطة).

 
ثلاثة أمراض تنشرها مياه صنعاء الملوثة

ما العلاقة بين المياه الملوثة بالبراز والبكتيريا الجرثومية والأمراض المنتشرة بين اليمنيين؟. مدير مركز الرازي الطبي في مدينة سعوان السكنية شرقي صنعاء الدكتور سند عبده محمد، يجيب على السؤال السابق قائلاً إن المركز "استقبل خلال الربع الأول من 2014م فقط 617 مصاباً (بينهم أطفال) بالإسهالات والتيفوئيد وأمراض الجهازين الهضمي والبولي". يضيف د. محمد "أن ما بين 45 - 50% من هؤلاء المرضى أصيبوا جراء تناولهم مياه شرب ملوثة وفي مقدمتها مياه الكوثر".

تعكس الأرقام المرفقة نتائج كارثية، إذ يتجاوز تلوث هذه المياه حدوداً قياسية. وقد أظهرت إحدى العينات أن عدد ما يسمى (الفيكال كوليفورم وهي بكتيريا برازية) يبلغ 130 خلية/ ملم من مياه العينة المختبرة، مقارنة بالمواصفات اليمنية التي تشترط خلو مياه الشرب المعبأة من التلوث الجرثومي تماما.

أستاذ طب المجتمع بجامعة صنعاء الدكتور يحيى رجاء يعلق على هذه النتائج بالقول: "مؤلمة ومثيرة إذ كشفت أن 80% من العينات العشر ملوثة جرثوميا: 60% بالقولونيات البرازية و 80% بالقولونيات الكلية". وأثبتت الفحوص أن "20 % فقط من العينات صالحة للشرب جرثوميا.

يتابع الدكتور رجاء: "القولونيات، بكتيريا نستخدمها كمؤشر لوجود تلوث برازي في المياه. وممكن أن يكون فيها تلوث بكل أنواع البكتيريا الضارة الناقلة للأمراض المعوية كالسلمونيلا المسببة للتيفوئيد، والشيجلا التي تسبب إسهالاً شديداً واضطراباً في الجهاز الهضمي".

ويقول "قد يكون أيضاً تلوثاً فيروسياً مثل التهابات الكبد AوE، والفيروس العجلي الروتا، الذي يسبب إسهالات حادة، أو تلوثا بالطفيليات الأولية كالأميبيا والجارديا، وهي أمراض شائعة في اليمن، ولمياه الشرب دور كبير في نقلها"، حسبما يشرح د. رجاء.

أستاذ الأحياء الدقيقة الطبية والمناعة المشارك في كلية الطب بجامعة صنعاء دكتور خالد المؤيد يؤكد "أن ظهور هذا النوع من المؤشرات الجرثومية البكتيرية في النتائج المخبرية يدل على وجود أنواع أخرى ضارة في هذه المياه، تشكل خطراً مباشراً على الإنسان من خلال انتقالها عبر المياه". ويلفت إلى أن "ظهور هذه المؤشرات في محطات أخرى مماثلة يعني أنها تشكل تهديداً مباشرا@ للصحة العامة".

الإسهال الأكثر فتكا

يقول أكاديميون وأطباء شاركوا في قراءة نتائج الفحص المخبري الذي أجرته "العربي الجديد"، إن الإسهالات (ثلاثة أو أكثر من حالات البراز الرخو أو السائل خلال 24 ساعة، نتيجة لعدوى في الجهاز الهضمي أو الأمعاء، تسببها فيروسات أو بكتيريا أو طفيليات)، من أهم الأمراض بين المستهلكين بمجرد شرب هذه المياه الملوثة.

ويؤكد الدكتور خالد المؤيد أن "المياه (المختبرة) غير الصالحة للاستخدام الآدمي والشرب، لها تأثير صحي مباشر على كبار السن ضعيفي المناعة، إذ تسبب لهم إسهالات مستمرة"، مشيرا إلى أن "خطورتها تتزايد لدرجة أن يؤدي إسهال من هذا النوع إلى الوفاة لدى الأطفال دون الخمس سنوات. ما يعكس حجم الضرر البالغ على هذه الشريحة من المستهلكين ضعيفي المناعة".

وزارة الصحة العامة والسكان رصدت في تقريرها السنوي للأمراض نحو 28271 حالة إسهال في أمانة العاصمة خلال 2013، منهم 12663 أطفال دون الخامسة؛ بالإضافة إلى 6104 حالة رصدها برنامج الترصد الوبائي.

وبحسب ذات التقرير -الذي يشمل فقط إحصائيات بعض المستشفيات والمراكز والمجمعات الصحية الحكومية في أمانة العاصمة- فإن هناك 23956 مصاباً بأمراض: التيفوئيد والباراتيفويد، وداء الشغيليات (الشيجيلية) دسنتاريا، والزحار الأميبي، والجهاز الهضمي، والأمعاء الطفيلية، والتسمم الغذائي الجرثومي.

ويؤكد الدكتور مدير عام صحة الأسرة في وزارة الصحة، الدكتور علب أن تلوث المياه وسوء الصرف الصحي وسوء النظافة العامة والشخصية لها الدور الأكبر في انتشار الإسهالات.

وحذرت منظمة "اليونيسف" في آذار/ مارس الماضي، مما أسمته "مخاطر تلوح في الأفق بانتشار وباء الكوليرا والإسهال المائي الحاد، والأمراض الأخرى المنقولة عن طريق المياه في اليمن".

ويجمع عشرات الآباء والأمهات ممن التقاهم معد التحقيق في العاصمة على أن "الإسهال" كان أهم مرض أُصيب به أطفالهم خلال الشهرين الماضيين.

في شارع هائل غرب العاصمة، يقول العامل طه حسين الريدي، 32 عاماً، بإحدى ورش النجارة: "طفلي، سنة ونصف، وطفلتي 3 سنوات يعانيان من الإسهال بشكل مستمر، منذ ولادتهما.غالباً يكون إسهالاً حاداً، ويبدأ بحمى شديدة، إنه مرض يقلقني".

ويقول الدكتور وسيم الزنم، طبيب أطفال وأمراض باطنية بالمركز الطبي لهيئة الإغاثة الاسلامية العالمية، في حي السنينة غرب العاصمة، إنهم استقبلوا في المركز خلال النصف الأول من عام 2014 قرابة ثلاثة آلاف حالة من الأطفال، 30 – 50 % منهم دون سن الخامسة كانوا مصابين بالإسهال، وأمراض معوية أخرى (التسمم الغذائي، التهاب المعدة والأمعاء، الدسنتاريا، التيفوئيد..).

ويضيف د. الزنم أن "مياه الشرب الملوثة التي لا تخضع لأي رقابة صحية سبب رئيس لنقل هذه الأمراض".

وفي المركز ذاته تقول المتخصصة المخبرية، نبيلة الحكيمي "من ضمن الفحوص التي أجريت للأطفال خلال الفترة 1- 19 آب/ أغسطس 2014م أثبتت أن 70 شخصا كان غالبيتهم مصابين بالزُّحار "بكتيريا الشيجلا"، فيما 91 فحصا من مجموع 161 كانت مصابة بالطفيليات والديدان الشائعة كالأميبيا والجارديا".

ويقول طبيب الأمراض الباطنية، الدكتور سعيد نعمان، إن "هذه المياه سبب مهم وناقل رئيس لهذه الأمراض، لكن الأطفال أكثر الفئات عرضة للإسهال نتيجة تحضير بعض الأمهات الحليب الصناعي من هذه المياه".

قصر القامة.. والسرطان أيضاً

ويزداد الأمر تعقيداً حسب سامي سعيد، مسؤول المياه والإصحاح البيئي في منظمة (اليونيسف، حين يقول إن "قصر القامة (التقزم) لدى اليمنيين ناتج عن إصابتهم في طفولتهم بإسهالات متكررة وحادة. وإذا أردنا أن نحسن من طول قامة اليمنيين علينا تقليل نسبة الإصابة بالإسهالات".

وتفيد (اليونيسف) بأن "من بين نحو 4,5 ملايين طفل يمني دون سن الخامسة، يعاني أكثر من طفلين من كل 5 أطفال من التقزم (عدم تناسب طول الإنسان مع عمره)، ما يؤدي إلى تأثيرات بالغة الخطورة على نموهم البدني والذهني؛ وأن 13% تقريباً يعانون نقص التغذية الشديد".

ويقول محمد الجدري، شأنه شأن آلاف المستهلكين الذين يعتقدون أن الخطر كامن في ذرات تلك المياه: "أحيانا نفاجأ بزيادة مادة الكلور، الذي نلحظه في طعم الماء"، ما يؤكد عدم تخصص الكادر المشغل في تلك المنشآت، التي تعالج المياه بالأشعة فوق البنفسجية كما هو الحال في 70 % من إجمالي المنشآت بالعاصمة، بينما 30 % تعالج المياه بإضافة مادة الكلور أو مواد معقمة أخرى، وفقاً لإدارة صحة البيئة بمكتب الأشغال في العاصمة (الجهة المعنية بالرقابة).

وحول مخاطر زيادة نسب الكلور في هذه المياه على الحدود الآمنة (0,5 جزء في المليون بعد مدة تلامس 30 دقيقة كحد أدنى)، يقول استاذ الكيمياء وتحليل الأغذية في كلية الزراعة بجامعة صنعاء، الدكتور عبدالجليل درهم "إنها تصيب الكبد على المدى البعيد". وبحسب استشارات طبية متطابقة فإن ذلك يؤدي إلى الإصابة بسرطان الكبد والمثانة والكلية.


عبثية الحكومة واليونيسيف

عقوبات واهية تفاقم تلوث المياه باليمن

تستثمر وزارة الصحة العامة والسكان اليمنية ملايين الدولارات سنويا (منذ عام 2012) لتوفير لقاح الفيروسات العجلية (الروتا) المضاد للإسهالات، ذي النتائج غير المضمونة، طبقا لموظف مختص في وزارة الصحة، فيما يقول مسؤولو صحة لـ"العربي الجديد" إن حلّ مشكلة المياه الملوثة التي تسبب الإسهال في المقام الأول، مسؤولية جهات حكومية أخرى.

لكن وزارة الصحة، تقر في الوقت ذاته، بأن الإسهالات الناجمة عن فيروس (الروتا) كانت -قبل إدخال اللقاح- وراء وفاة خمسة آلاف طفل لم يكملوا سن الخامسة، وأنه السبب في 43 % من إجمالي الأسباب الأخرى للإصابة بالإسهالات، بحسب بيانات الترصد المدعوم من منظمة الصحة العالمية (مستشفى السبعين بصنعاء، ومستشفى السويدي في تعز).

وبلغ عدد الجرعات المستوردة من هذا اللقاح خلال العام الحالي 2014 مليون و855 ألفاً و500 جرعة، يفترض أن تستهدف تطعيم أكثر من 850 ألف طفل يمني دون سنّ العامن ضمن برنامج التحصين الروتيني. ووفقا للدكتور علي جحاف، مدير عام صحة الأسرة، ساهمت الحكومة خلال 2014 بـ 615 ألفاً و737 دولاراً من السعر الفعلي لقيمة اللقاح، فيما أسهم حلف اللقاح العالمي بأربعة ملايين و155 ألفاً و500 دولار، وذلك ضمن اتفاقية بين الطرفين، مساهمة اليمن فيها تصاعدية.

ورداً على سؤال عن سبب الاهتمام باللقاح، وعدم الالتفات إلى السبب الرئيس المتمثل بمياه الشرب الملوثة، يقول جحاف: "لأنه ثمرة لتجارب البشرية على مدى آلاف السنين، حيث اهتدت إلى أن الوقاية خير من العلاج، وهي قاعدة ذهبية تجنّب المجتمعات والأفراد تكاليف ومآسي الإصابة بالمرض والمعالجة".

ويتابع: "مع تحسن المياه والصرف الصحي والنظافة العامة والشخصية، لا شك في أن مشكلة الإسهالات ستقل، ولكنها لا تقضي عليها بشكل كامل، وهذا ما جعل الدول المتقدمة تعطي اللقاح لأطفالها وقاية لهم من الإسهالات".

في الشأن ذاته يقول المسؤول في منظمة اليونيسف، سامي سعيد: "الروتا، أحد اللقاحات المهمة التي أوصت بها منظمة الصحة العالمية... ومن المؤكد أن هناك حاجة لتسليط الضوء أكثر على أهمية الحصول على مياه آمنة والحفاظ عليها نظيفة ورفع الوعي على مستوى المجتمع".

ويرى موظف مختص في وزارة الصحة -فضل عدم ذكر اسمه- أن عدم اعتماد الوزارة، قبل إدخال هذا النوع من اللقاح، على دراسة علمية شاملة تحدد الأنماط الجينية الأكثر انتشاراً للفيروس، وكذا مختلف العوامل المناعية والجسدية وغيرها للطفل اليمني، يؤدي حتما إلى عدم الاستفادة المثلى من الجهود والخسائر الحالية.

والأسوأ من ذلك بحسب المصدر ذاته، أنه لم يتم إجراء أي مراقبة وتقييم لنتائج اللقاح وأثره في خفض نسبة مرض ووفيات الأطفال في اليمن، رغم أنه إجراء مفروض وفق المعايير العالمية.

ويؤكد أن وزارة الصحة ومنظمتي الصحة العالمية واليونيسف تساهمان بشكل مباشر أو غير مباشر في الإبقاء على مرض الإسهالات، كونها لا تهتم بإيجاد حل للسبب الرئيس المتمثل في تلوث مياه الشرب.

وينفي مسؤولون في وزارة الصحة ومنظمتي الصحة العالمية واليونيسف ذلك الاتهام. لكن الأهم، بحسب الدكتور سند محمد، "رفد المراكز والمجمعات الصحية الحكومية بأمانة العاصمة (تتجاوز 70 مركزاً ومجمّعاً) بالأجهزة والمحاليل المطلوبة، التي تفتقرها حاليا، ما يصعب من مهمة الإنقاذ والكشف عن كثير من الحالات المرضية".

اتهامات ومخالفات وأحكام غير رادعة

يبدي غالبية مالكي منشآت معالجة المياه تفهماً لنتائج التحاليل المخبرية، ويشكون ممارسات سلبية من بعض موظفي الرقابة.

يقول مالك إحدى المنشآت، فضل عدم ذكر اسمه: "تراجع مستوى العمل منذ عام 2011، حال دون إجراء الإصلاحات اللازمة في منشأتي".

مالك منشأة أخرى، يضيف لـ "العربي الجديد": "عندما ذهبتُ لإجراء فحوص طبية لثلاثة من عمالي بهدف منحهم بطاقات تأمين صحي، حاول موظف الرقابة إقناعي بصرف النظر عن الأمر مقابل منحه رشوة، لكنني مضيت فيما هو رسمي".

ووفقا لإحصاءات إدارة صحة البيئة بمكتب الأشغال العامة في العاصمة التابع لوزارة الأشغال، جرى خلال الفترة من يناير/كانون الثاني وحتى يوليو/تموز 2014، تحرير مخالفات ضد 64 منشأة تعالج مياه الشرب جزئيا، وتمت إحالة 35 منشأة منها إلى النيابات، بعضها بسبب مخالفات تتعلق بتلوث المياه.

وأهم المخالفات وفق رصد إدارة صحة البيئة: عدم توفر بطاقات صحية للعمال، وعدم إجراء فحص مخبري دوري للمياه المنتجة، فضلا عن عدم تغيير الفلترات القطنية أو الرملية في الوقت المطلوب، واستخدام عبوات تحتوي طحالب خضراء، واستخدام أنابيب معتمة لتعبئة العبوات من خزان المياه المعالجة بدلا من أنابيب شفافة.

طفل يعمل في إحدى المنشآت يضع لواصق على العبوات قبل نقلها إلى البقالات للبيع (العربي الجديد)

نصوص قانونية واهية

ينص قانون الرقابة على الأغذية رقم (38) لسنة 1992م وتعديلاته، على معاقبة المخالفين بالسجن مدة لا تزيد على شهرين أو بغرامة لا تقل عن عشرة آلاف ريال (46.51 دولار أميركي). وتتراوح الغرامات وفقا لقرار الحكومة رقم (24) لسنة 1994، الذي تحرر معظم المخالفات بموجبه، بين 100 ريال – 3000 آلاف ريال (0.46 – 13.95 دولار أميركي)..

ويشدد قانون المياه رقم (33) لسنة 2002 وتعديلاته، العقوبات بالسجن مدة لا تقل عن شهر أو بغرامة لا تزيد على ثلاثمائة ألف ريال (1395.34 دولار أميركي)، لكنه لم ينفذ حتى الآن.

مدير إدارة صحة البيئة (البلدية) الدكتور محمد الأصبحي، يقول: "يتركز دورنا على الرقابة والتفتيش وتحرير محاضر الضبط، وإحالة المخالفين إلى النيابات، ليبدأ تعامل القضاء مع المسألة، والغرامات غير رادعة غالباً".

ويضيف "إجراءات القضاء تختلف من مديرية إلى مديرية، تعتمد على قناعة قاضي التحقيق، ونحن لا نتدخل في إجراءات القضاء، فبعض القضاة ينزعجون إذا استفسرنا حول الإجراء المتخذ".

أعذار الجهات الحكومية

تتعذر الجهات الحكومية الرقابية بالإمكانات كسبب للتدهور القائم. إذ يقول علي عبده محمد، مفتش صحي في قسم المياه في إدارة صحة البيئة: "لدينا صعوبات كثيرة، وفي مقدمتها شحّ الإمكانات الفنية والمادية، وعدم توفر الأجهزة الميدانية اللازمة والكافية، والقصور في التشريعات".

ويضيف محمد: "أعمال التفتيش زادت صعوبة أخيراً، انقطاع التيار الكهربائي العام على المنشآت يؤدي إلى عدم تمكن المفتشين من الكشف على كفاءة وحدة التعقيم خلال الدوام الرسمي، وذلك لعدم توفر التيار لتشغيل تلك الأجهزة".

ويرى الدكتور محمد الأصبحي، أن قلة الكوادر البشرية المؤهلة، والإشكاليات الأمنية التي تواجه موظفيه وتحدّ من إجراءات ضبط المخالفين، وعدم الالتزام والإهمال من قبل مالكي المنشآت، وغياب دور الجهات الرقابية الأخرى في الرقابة على الآبار، وغيرها من الأسباب تعيق الوصول إلى مياه صالحة للشرب.

وأضاف الأصبحي أن لدى إدارته أربعة موظفين مختصين بالمياه، مقارنة بـ 180 منشأة في العاصمة، "الموظف يمر على المنشأة مرة واحدة، كل نصف شهر أو شهر تقريبا".

وحول اتهامات بالفساد ضد موظفي الرقابة يقول مدير صحة البيئة: "كل أجهزة الرقابة متهمون بالفساد، وموظفو البلديات بشكل خاص.. حتى الغرامات التي نفرضها كعقوبات يواجهها الناس على أنها سرقة وابتزاز.. نحن نعاني عدم ثقة المستهلك وتعاونه معنا للوصول إلى فعالية أكثر في موضوع الرقابة".

ويضيف محمد الأصبحي: "خصصنا خطاً لاستقبال بلاغات وشكاوى المستهلكين عن مختلف السلع التي يشكّون في صلاحيتها، بما فيها مياه الشرب المعالجة جزئياً، أما مالكو منشآت المياه فيمكنهم الاتصال على رقم "01277038"، سنستقبل الشكاوى بكل اهتمام على مدار الساعة، وبإمكاننا النزول والتأكد وسنتخذ الإجراءات اللازمة.. لكن للأسف لا أحد مهتم بتقديم شكاوى".

وقال الأصبحي: "العبوات المرتجعة في هذه المنشآت، نتيجة الاستخدام السيئ لها، وغير الصحي وعدم القدرة على تنظيفها بشكل سليم، تعتبر من أكبر المشاكل التي تواجهنا في أمانة العاصمة".

يوافقه الرأي علي عبده محمد، ويضيف: "نأمل أن يصدر قرار له صفة تشريعية، بمنع تداول هذه العبوات وسنلزم به أصحاب المنشآت.. تم إدخال خدمة العبوات بأحجام مختلفة وبصورة تتناسب مع قدرات المواطن الشرائية، في محاولة لتجاوز ظاهرة العبوات المرتجعة".

ومنذ مطلع العام الجاري بدأت الهيئة العامة للموارد المائية بصنعاء والمخولة وفقاً لقانون المياه بالرقابة على مطابقة المياه المباعة للمواصفات اليمنية القياسية، مباشرة مهامها بإطلاق برنامج طموح لتنظيم مشاركة القطاع الخاص المزود لمياه الشرب بأمانة العاصمة (الآبار، ومنشآت التنقية والتعبئة والناقلات).

ورغم إعلانات الهيئة المتكررة منذ يناير/كانون الثاني الماضي، عن بدء إصدار تراخيص مزاولة المهنة، إلا أنه لم يتقدم أحد من مالكي هذه المنشآت لاستصدار ترخيص لمنشأته؛ ويتبادل المختصون في الهيئة، وصحة البيئة، الاتهامات بشأن عدم توقيع محضر الاتفاق الذي يحدد مهام واختصاصات كل جهة منهما منذ نهاية مارس/آذار الماضي.

*تم إعداد التحقيق بدعم من شبكة أريج "إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية"