الرئيسية   تقارير

الأحزاب اليمنية... قطعنه للوعي السياسي وإطالة في عمر الصراع

الخميس 09 سبتمبر-أيلول 2021 الساعة 07 صباحاً / أخبار اليوم – تقرير خاص
 

 

يعيش اليمنيين في ظل أزمة سياسية خانقة، وتدهور في الأوضاع الاقتصادية، وتفكك اجتماعي، وتداخل في المطالب المرفوعة، مع تطلعات جماعات طائفية وجهوية وظفتها بدعم خارجي، لتتحول بذلك البلاد إلى كيانات متناحرة، كسبب ونتيجة طبيعية للأزمة اليمنية التي يعززها ضمور الوعي السياسي للأحزاب الغائبة

 

مع كل قضية تظهر على سطح الأزمة اليمنية الناشبة منذ قرابة 8 أعوام، يعود الجميع ليتساءل، أين الأحزاب السياسية... خلال الأحداث الأخيرة في عدن وبعض المحافظات الجنوبية، كانت النتيجة التي خرج بها البعض، هي أن الأحزاب لم تعد سوى أدوات للمصالح الاقليمية، فيما توارت مصالح الجماهير اليمنية خلف مصالح لا تعنيهم

 

غياب المشروع

 

خلال العقد الأخير، شهد اليمن تطورات وحروب وصراعات، تنزلق معها البلاد كل يوم إلى وضع يعد الرجوع منه صعباً ومعقداً للغاية، في ظل غياب مشروع وطني سياسي واضح للأحزاب والقوى اليمنية، يمكنه أن يصنع توافقاً بينها تجاه القضايا الوطنية، لا سيما فيما يتعلق بمواجهة التمرد الحوثي ضد السلطة الشرعية في البلاد

 

الا أن هذه الصراعات ولدت خصومات وضغائن لدى أكبر القوى السياسية اليمنية، وجعلت بعضها يتسلل إلى المشهد السياسي والعسكري ليثبت حضوره ويبسط سيطرته على أجزاء من البلاد، سواء في جنوب اليمن أو شماله، عبر جماعات مسلحة ممولة خارجيًا، فيما يقاتل الجيش الوطني دفاعًا على مشروعية البلاد وقضيته الوطنية وحيدًا في المنتصف

 

يقول الإعلامي عبدالله إسماعيل "هناك فرق كبير بين برامج هذه الأحزاب التي تؤكد على المشروع الجامع، وسلوكها، الذي ربما يغيب عنها بسبب المصالح الضيقة التي كانت واحداً من أسباب التردي، الذي شهدته اليمن قبل عام 2011 وما بعده ".

 

وأشار اسماعيل الى أن "مشكلة الأحزاب تكمن في مشاريعها وإشكالياتها الخاصة، التي تعد "أحد أسباب إطالة الحرب، المتمثلة في الأداء والسلوك الحزبيين ونظرتهما إلى مسألة استعادة الدولة

 

ضياع القافلة

 

رغم خطورة الأحداث والتحولات السياسية التي شهدتها اليمن جنوبًا خلال الثلاث سنوات الماضية، والتي وصلت مرحلة تهدد السلطة الشرعية بالفناء والبلاد بالتفكك، الا أن بعض الأحزاب اختارت الصمت إزاء تحولات كهذه، او استخدام لغة مواربة لا تقول شيء. فيما اختارت أحزاب أخرى أن تدين هذا الفعل، ولم تنسى أن تشكر دول خارجية، تشير الأحداث الى أنها كانت شريكًا رئيسًا في صنع هذه المآلات الخطرة

 

لطالما أثبتت معظم الأحزاب اليمنية أنها لم تعد تنظر الى القضية الا من زاوية مشاريعها الخاصة، وهذا يسحبها لتكون مجرد أداة في هذا الشروع الخارجي أو ذاك، وأنها باتت جزءًا من المشكلة وليس الحل، ليبدو النقاش حول المسألة الحزبية وقد تجاوز مجرد البحث عن مواقف الأحزاب، ليصل الى مرحلة جدوى وجودها والبحث عن بدائل من خارجها، ففي حين باتت القضية اليمنية في مفترق طرق جاءت مواقف الأحزاب دون المستوى

 

يشير الصحفي عبدالعزيز المجيدي الى أن "البيئة السياسية اليمنية هي بيئة مشوهة ناجمة عن حالة تزاوج بين أنظمة استبدادية وشعارات زائفة لا علاقة لها بالديمقراطية ولا بتعددية سياسية، وبالتالي أنتجت هذا الوضع الشاءه الذي يعيد نسخ نفس القيم للأنظمة الشمولية، كما يعيد انتاج حالة الاستبداد والهيمنة حتى على مستوى الأحزاب نفسها "

 

وقال المجيدي في تصريحاته لقناة بلقيس" الحالة التي وصلت اليها اليمن، لا يمكن باي حال من الأحوال فصلها عن الحالة التي وصلت اليها الأحزاب السياسية ". 

 

وأضاف " الأحزاب اليمنية هي صدأ باهت لأيديولوجيات وصراعات لتيارات الستينيات وما اعقبها من صراعات بين المعسكر الاشتراكي والرأس مالي، بالإضافة الى بعض العناوين واللافتات للأحزاب الإسلامية

 

وتابع " يبدو أن هذه الأحزاب لم تعد تمثل حتى هذا الصدأ الباهت لهذه الأيديولوجيات، وأصبحت في حالة قطيعة تامة، حتى مع أيديولوجياتها وشعارتها التي كانت تتردد خلال تلك الفترات، وبالتالي اصبحت عبارة عن أدوات يتم توظيفها واستخدامها لمصلحة قياداتها بشكل كبير، بحيث أنها لم تعد تمثل قضايا البلد، كما ينبغي لأحزاب يفترض أن تعكس مصالح فئوية وقطاعات شعبية واسعة

 

إنتهازية

 

تظل مشكلة الأحزاب كامنة في مشاريعها وإشكالياتها الخاصة، التي تعد أحد أسباب إطالة الحرب، المتمثلة في الأداء والسلوك الحزبيين ونظرتهما إلى مسألة استعادة الدولة، على الرغم من بقاء فرص ردم هذه الهوة ومعالجة هذا الفراغ، متجلية أمام الأحزاب التي أصرت على رهن أجنداتها بقضايا أبعد من الحدود اليمنية في كثير من الأحيان .

 

ويمكن قياس ذلك بالفرص المهدرة ابتداءً من المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، ومروراً باتفاق السلم والشراكة إلى مفاوضات السلام في جولاتها المتعددة في جنيف والكويت واستكهولم وآخرها اتفاق الرياض، التي لم تفض جميعها إلى حل يخرج اليمن من النفق المظلم، الذي دفعه إليه المتصارعون على السلطة .

 

قال رئيس مركز يمنيون للدراسات، د. فيصل علي، إنه "لا يمكن تقييم أدوار تلك الأحزاب في إطار واحد، حيث تفاوتت في دعمها للشرعية الجديدة، منذ انتخاب هادي، وغلب على هذا الدعم طابع الانتهازية في تقاسم المناصب والوظيفة العامة ومصالح الأفراد ". 

 

وأضاف " علي"، لوسائل إعلامية "أن دعم الأحزاب الشكلي للشرعية جعل الجماهير لا تثق فيها، وبعضها ارتمى في حضن الحوثي وغض الطرف عنه حتى سقطت صنعاء

 

وتابع : " اتضح أن الأحزاب دعمت الشرعية التي يتصورها كل حزب بعيدًا عن الواقع، إلى أن ضعفت بعض الأحزاب وساندت الحوثي في انقلابه ضد الدولة والشعب، وجعل سقوط صورة هذه الأحزاب مجتمعة أكثر وضوحًا وعراها كأحزاب وهمية ومجرد أيدولوجيات مستوردة لا وطنية لديها "

 

انقسامات اللا جدوى

 

شهدت الأحزاب السياسية انقسامات عميقة، وذهبت قواعدها لتتوزع على المشاريع ما دون الوطنية، التي انتعشت بعد انهيار الدولة التي تشكل حاضنة وأرضية للعمل السياسي، وفي القلب منه الأحزاب، وهو ما أفقد معظم هذه الأحزاب بوصلتها وفاعليتها وقدرتها على التأثير .

 

اعتبر الكاتب والمحلل السياسي، ياسين التميمي أن "أداء الأحزاب كشف منذ بدء الحرب 2014 عن تباين كبير في المواقف والأجندات والانشداد إلى التأثيرات الإقليمية والتورط في تبني مواقف عكست إلى حد كبير الارتهان إلى خصومات الماضي

 

وأضاف التميمي " للأناظول" أن معظم الأحزاب تحولت إلى مجرد أصوات مُعَجزة وافتقدت الصلة الوثيقة بالشارع اليمني، وعجزت عن تأمين ثقل سياسي على مستوى الشارع .

 

وأرجع هذا الإخفاق في جانب منه إلى افتقاد الأحزاب القدرة على التجدد في البنى والقيادات والتحرر من الأيديولوجيا المتوترة التي تجاوزها الزمن .

 

واستطرد : " تشظت مواقف الأحزاب إزاء مواقف وتطورات مصيرية، ولم تتحد حتى حول الثوابت كالجمهورية والوحدة والموقف من الانقلاب والانفصال ".

 

بينما وصف رئيس تحرير موقع "الموقع بوست"، عامر الدميني، دور الأحزاب اليمنية خلال السنوات الأخيرة، وتحديدًا منذ بدء الحرب، بالركود والتلاشي والذوبان .

 

وأردف قائلًا: الأحزاب فقدت خلال هذه الفترة المكتسبات التي كانت قد حققتها في المرحلة السابقة، ويتمثل ذلك في انهيار تجمع أحزاب اللقاء المشترك، الذي مثل تكتلًا سياسيًا ناجحًا في حينه

 

خذلان المعركة

 

لطالما انشغلت الأحزاب السياسية بتبادل الاتهامات فيما بينهم، بخصوص قضايا فساد وتعيينات في مناصب مدنية وعسكرية وأمنية، في الوقت الذي تعمل فيه جهات محسوبة ومدعومة من أطراف في التحالف العربي، على الزج بالأحزاب للوقيعة بينها من أجل أغراض سياسية ولتدمير تعز جيشا ومقاومة .

 

يقول العقيد وهيب الهوري قائد الكتيبة الـ11 في اللواء 22 ميكا بمحور تعز " الأحزاب السياسية هم المشكلة الأولى في تعز، وذلك لما يمثله تناحرهم من إضعاف لجبهة الجيش ضد المليشيات الانقلابية ". 

 

وأضاف الهوري لـ"صحيفة أخبار اليوم" تحسبهم جميعًا وقلوبهم شتى، يجتمعون وهم متفرقون من الداخل، وكل حزب لديه أهدافه الخاصة به، الأمر الذي أضعف القرار السياسي، وانعكس سلبًا على المؤسسة العسكرة ممثلة بالجيش والأمن بمحافظة تعز "

 

قطعنه سياسية

 

الإعاقات الأساسية التي تعتري وضع الأحزاب السياسية اليمنية، متعددة وكبيرة وصعبة، ويعود جزء كبير منها في الأصل، إلى أسباب داخلية، مثل طبيعتها التنظيمية القديمة التي نشأت في ظروف سياسية معقدة

 

يقول الصحفي والكاتب اليمني "المعتصم الجلال" لـ"صحيفة أخبار اليوم"، أعتقد أن فترة ثلاثين عامًا منذُ بداية التعددية السياسية في البلاد، لم تكن كافية للأحزاب السياسية لبلورة رؤية وطنية جامعة تتجاوز التبعية لبلدان المنشأ أو الممول

 

وأضاف الجلال " الأداء التنظيمي للأحزاب يكاد يخلو من مواقف مشرفة تجاه إيجاد موقفًا موحدًا تجاه أزمة انقلاب الحوثيين على مؤسسات الدولة الشرعية أو حتى في الإشكاليات الماثلة في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة، وجل مواقفها متذبذبة؛ بسبب الاستقطابات الإقليمية التي أثرت على مواقفها بإغراءاتٍ مالية أو وعود بامتيازات بدولة ما بعد الحرب على حساب القضية المركزية ".

 

وأردف قائلاً "هذا التجريف الواسع لمعنى الحزبية التي من المفترض أن تكون رافعة الشرعية، فتح الباب على مصراعيه لتشتيت الجهود في إطار إنهاء الحرب إما سياسيًّا أو عسكريًّا وجعل من التنظيمات السياسية حلقة ضعيفة ومفرغة من مهامها وهو ما أفقدها بطبيعة الحال ثقة الشارع المكلوم من طول أمد الحرب ". 

 

تظل الساحة اليمنية بأمس الحاجة لإعادة صياغة الكثير من مفاهيمها، ولا بد من معالجة وافية للمفهوم الحزبي الذي من شأنه أن يمد جسور النجاح للعملية السياسية، أما في حال تمسكه بهذا الموقف، فسيؤدي إلى اليأس من الأداء الحزبي، وتعميق الفجوة بين الأحزاب والواقع، وبالتالي تعزيز جماعات العنف والسلاح، وبقائها متحكمة بالمشهد برمته .